الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الفكر"

قصة العدد ، من حديث ابي المدارك ، قرة العين

Share

حدث هفان وكان صديقا لابى المدارك قال : هاجنى الشوق الى ابي المدارك ذات مساء مقمر جميل ، واشتد بي النزوع الى سماع أحاديثه ، وكان قد انقطع عن الناس ولزم العزلة منذ ان اصابته آفة فذهبت بعينية ، فتوجهت اليه ، فما دخلت عليه حتى رأيته وقد احاط به نفر من الشبان ، حسان البزة ، وسيمي الطلعة ، متقدى النظرة فحييت ان اتجشم هذا الجمع ، وهممت بالعودة ، فاثبتني بعض من بالمجلس فخف إلى ورحب بى فنفس عنى ، فتقدمت وسلمت ، فرفع "ابو المدارك " رأسه ورد التحية . ثم ابتسم ابتسامة فاترة حزينة كانما كانت تعرب عن آلام نفسه وأفسح لى فى المجلس وقال : هذا انت ياهفان ! انى اسمع صوتك ولا اراك ، فانت كبشح الذكرى فى نفسى ... وان اكره ما اكره هاتان العينان تطرقان ولا تبصران فانا فى ليل أليل ولا قمر ولا نجوم ! وليس لي الا ان اتحسس الاشياء فاجسها جسا ... لقد انطفأ النور يا هفان ، وانقطع الامل !! فقلت : خفف عنك يا ابا المدارك ! انها لا تعمى الابصار ولا نور الا نور القلب ، وانك لتكاد تشع معرفة ، وعمق نظر ! فلو حدثتنا يا ابا المدارك حديثك الشهى ، اللين احيانا ، القاسى احيانا كعادتنا بك حين نجتمع فى بيتك ! ومزقت سجف هذا الصمت الذي ثقل علينا ، وطال بك ، فأرحت وتناسيت ! قال ان هذا الصمت بعض حياتى يا هفان ، بل انى لاجتر افكارى اجترا وأرحيها رحيا كالحيوان يجتر ويرحى ، ولا اجد نزوعا الى الكلام والبوح ، وما بى من شوق الى ذلك !

فتكلم "اهاب" وكان شابا لسنا ، فصيحا ، فقال : أو لم تكن تقول لنا يا ابا المدارك : "ان الصمت هباء وموت ؟ بل هو عجز الانسان وجبنه !" قال : بلى هو الهباء والموت ولكنه الآن غير الهباء والموت ، انه تربص المفكر يغرق فى تفكيره وانطواء الحكيم لا ينطق عن الهوى ، وترفع الخاصة عن سفساف الامور !! فقال إهاب : بل هو الانتحار البطئ يا ابا المدارك وانكسار الجبان تضطرم

المأساة فى جنبيه ولا يثور ولا هو يصرخ فيستجاب ولا ارى لصمتك حكمة ! أراك كالتائه فى غير دنياه او الغارق فى غمرة يأسه ! فبالله الاما كسرت اغلالك وتطهرت ، وهتكت للصمت ستره . وبرزت لنا فى غضارتك وقوة حدسك ، ونجوت من الكبت المرير وحدثتنا حديثك البارع الحكيم فلقد هجتنا الى السماع واضرمت فينا قديم الشوق . واثرت فى حنايانا الرآفة والخشية فقال ابو المدارك ان لكم ، معشر الشباب ، فى شبابكم عذر الحماس والتوتر ، ومحاولة اجتياز الحدود الى المطلق ، وارادة البعث والخلق ! وانا لا افهم الشباب الا حماسا وغلبة وقهرا ، وانطلاقا كالسهم الى الغاية ، ونفادا الى جوهرى الامور ، وغوصا ... بل لن يكون الشباب الاتوقا ، وارادة فعل ، وهدما لليأس وطموحا الى النجم فى عليائه ! ولكنه لا يفزعنى يا إهاب ولا يقض مضجعي شئ كسعى الشباب هذا ادا كان مصدره الهوى والطيش ، اذ الهوى اعمى كعينى يدلج بكم في ظلام الحيرة ، ويبعثر قواكم ويبتر جهودكم ، ويضيع عليكم جوهرى الامور ، فتتأكلكم العاطفة المشبوبة ، وينتصر الفشل والخيبة ، وينتحر العقل ! اذ ليست القدرة والقوة يا "اهاب" ولا الشجاعة والصبر فى ان تصل الى الشىء وتقف عنده ، ثم تتنفس الصعداء ويداخلك الغرور والعجب فتنشد اغنية النصر والظفر مختالا مزهوا ، وتستسلم ... بل القوة كل القوة فى ان تحافظ على الشئ وتثبت ، والحكمة كل الحكمة فى ان ترنو الى ابعد من الافق فلا تكذبك عيناك ، وان تنجز الاعمال وتبنى ! والصمود الحق فى ان تتظافر عليك الصعاب وانت فى ثباتك ، وان تحيط بك الاخطار وانت ... انت ... فى قوتك وشدة صبرك ، وان تعصف العواصف وتجن الاعاص فلا تجتاحك ولا هي تدك من بنيانك او تنال من ايمانك !

وانك لمضطر في سعيك الى الشئ ، ودأبك الى الحماس والتوتر ، مفتقر الى العاطفة المشبوبة ، مشتاق الى العدد ، منساق الى الشئ انسياقا ، ولكنك فى محافظتك على الشئ ، مفتقر الى اكثر من ذلك ... الى فكر سديد ، وعزم حديد ، واحترام للقيم وصبر على تطهير ذاتك مما علق بها من درن الايام واوهام الكسالى ، وانه ليس افزع للقلب ، ولا أدعى الى الحيرة ، من رؤية بعضكم يستوطئون العجز ، ويركنون الى الدعة والراحة ، ولا آلم للنفس ولا ابعث على اليأس احيانا من رؤية العاجزين يزجون بانفسهم فيما لم يخلقوا له ويدعون القدرة ، ثم يقصون ذوى القيم ، وينتصبون انتصاب المفكر الحصيف فيخبطون خبط عشواء ويرتجلون ، ويحاولون الثبات فلا يستطيعون ، وتكبو بهم جهودهم فينهزمون ، ويذهبون كالزبد جفاء !

فالوقت حاد يا إهاب لا يدع للارتجال مجالا ، ولا يفتح للعبث بابا ! بل انه ليؤلم ذا العقل ويحز في نفسه ان يرى الاقبال على القشور والتفريط فى الجوهر وان يفتح عينيه فيبدو له بعض القوم وقد انتفخوا انتفاخ الضفدعة ، وتأودوا عجبا ، وصعروا خدودهم للناس ، ونظروا الى الشعب من عليائهم ، وفيهم ذو الوجوه يجهد ان يكون وجيها ، وذو التخنث والميوعة يضفى على مظهره الزائف طلاء من الفحولة والبأس ، ودو الكفر يدعى الايمان !!

فشعبك منك يا إهآب ، وانت من شعبك صورة ، ولكنها لن تكون واضحة المعالم ، صادقة التعبير ، حتى تصل نبضك بانباضه ، وتعطف عليه عطف الحنان والبر ، وتتحسس اماله واحلامه وتتالم لاوجاعه وآلامه ، وتفني فيه الفناء كله ، وتصهر وتذوب في بوتقته الكبرى ، بروحك ، وعقلك وكل كيانك ... وتضوع كالعبير في اجوائه !!

قال هفان فصاح كل من بالمجلس أحسنت يا آبا المدارك ، أحسنت ونفست عنا ، فابتسم ابو المدارك وقد بدا الجد على وجهه وقال بصوت خافت ، رصين : ان من الحق ما يؤلم ولكنه الحق ! وان من الادواء ما يودي بالحياة اذا استفحل ولم يعالج !!

فقال إهاب : والله يا ابا المدارك ان حديثك هذا ليذكرنا رؤياك تلك التى قصصتها علينا مند حول حين اجتمعت بك لاول مرة وكنت اسمع بك ولا اعرفك فهل مازلت تذكر ذلك ؟

قال : بلى هي والله رؤيا ما ذكرتها الا احسست برعشة تهزنى ، وهواجس تنتابني ورايتني كانما اصيخ لهمس بعيد ، وأصيح : اياكم والنسيان والغفلة ! اياكم والنسيان والغفلة !

... كان ذلك ذات مساء ، حار ثقيل ، وكنت قد جهدت كامل يومي ، ومسني لغوب شديد ، واحتجت الى الراحة ... فأخذنى نوم عميق وذهب بي ، فرايت فيما يرى النائم ظلاما جاثما على الكون كالعبء الثقيل ، وهو لا شديدا ورايتني ادفع الظلام بيدي وصدري وأجهد ان اشق لى طريقا كالغريق يصارع اللجة ، وضاقت بي انفاسى وتوترت اعصابى وشعرت بالاختناق يطغي علي ، فجعلت اصيح حتى لكأني اقطع أوتار حلقي ، ولكنى كنت أحرك اشداقي ولا اسمع صوتي ، واطلب الغوث ولا من مغيث ، واختلطت على الدروب ، وزاد جزعي ويأسي وتراءى لي الموت فقلت أأموت ولي بقية عزم ؟ واحسست كالهاتف فى اعماق نفسي: لا ! لن يقعد بي عزمى حتى أشق للامل بابا ، وانجو !! وزدت فى شدة الحركة، ودفعت الى الامام بقوة ، كمن يقتلع جسمه من الارض اقتلاعا . . واذا الظلام ينقشع رويدا ، رويدا كالفجر يتنفس ، واذا انفاسى تعود ودقات قلبي ! وما صدقت

عينى فنظرت حولي ، ولكنى وجدتنى فى صحراء ، بيداء ، لا شجر فيها ولاماء فنظرت كرتين - وكنت اذ ذاك بصيرا - فلم أر شيئا ، وداخلني غم وحزن شديد ، فجعلت أجرى كالمجنون قد فقد عقله ، وعاودنى النداء والخوف ، فوضعت ابهامي فى صدغى ، وصحت صيحة خيل الى انها تسمع الاحياء والاموات ! وتراءت لى من بعيد اشباح كامواج الرمال تدفعها الريح ، فومض الامل فى صدرى كالبرق يفتض السحاب ! وقلت : لعل فى الاشباح بعض حياة ، واتخذتهم من توى ، وجها لى وغاية ... فاذا انا بين اقزام من القوم لم أر كمثلهم قصر قامة وسمرة وجه ، فاندسست بينهم ، وحييتهم فما نظروا إلى ولا عبأوا بي بل كانوا يرقصون رقصا غريبا وينشدون : "هى منبتنا ومأوانا ! سنبنى بها قصرا ونخلق بستانا فعجبت منهم ومن رقصهم ، ولكن عدوى الجنون سرت الي فآخذت ارقص كرقصهم وأغنى ، وانقلبت قزما بين اقزام !!

وإذ نحن على تلك الحال إذ تراءى لنا في قلب الصحراء البعيد قصر ابيض جميل كأنما يطاول السماء فى علوه فهتفنا جميعا هو ذا قصرنا ! هوذا القصر ! وعدونا اليه كأسراب الطير فاذا هو محكم الابواب عال ، وتقدمنا اليه فما وجدنا له منفذا ، فطرقنا الابواب طرقا شديدا كالرعد يزمجر ، فاذا صوت من فوقنا ينادى فرفعنا اعيننا فاذا عملاق بهي الطلعة ، اسيل الخد كأن لم تمسسه شمس واذا هو يقول : ايها الاقزام كفوا ! اما تستحون ؟ لقد ازعجتموني ونغصتم على ! اما كفي الا اراكم لي ساجدين ؟ ألا اين احترام الرعاع للامير ؟ فتبادلنا النظرة ، فقال احدنا هذا قصر الامير لا تدخلوه ، ولكن احد الاقزام رفع صوته وقال : لست لنا أميرا ! لن تكون لنا اميرا ما لم تكن قرة عين ! فأجابنا من فوقنا بل انا قرة عين ! فصحنا جميعا لا ! لن تكون قرة عين حتى يلفحك حر الشمس ، وتتمرغ كالافاعي على الرمل ، وتتجرع غصص الحياة ومرارة الجدب ! لا لن تكون لنا اميرا .. قال أبو المدارك : وهتف بنا احد الاقزام : الى القصر فخذوه ، والى العملاق فغلوه ، إن بقاءه مظهر من موتنا ! إياكم والنسيان والغفلة .. إياكم والنسيان والغفلة ! وتغنينا جميعا : القصر لنا القصر لنا ، ثم تقدمنا الى الحواجز فحطمناها ، والى الابواب فخلعناها ونظرت حولى فاذا كل قزم قد انقلب عملاقا !! ثم انتبهت مذعورا وانا اردد "ان بقاءه مظهر من موتنا ... "

قال هفان : وما انتهى أبو المدارك من رؤياه حتى كان قد ذهب من الليل ... فاستأذنت وخرجت وأنا استعيد كلمات ابى المدارك : " لن يكون لنا اميرا ما لم يكن قرة عين" .

اشترك في نشرتنا البريدية