الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 229 الرجوع إلى "الثقافة"

كفاح الموت، ترجمة الدكتور أحمد زكى بك، الرجل الذي طارد الموت في فراش الامهات

Share

وصل الفائت : " دوامل طبيب شاب في القسم الأول المستشفى عام للولادة في عاصمة النمسا ، ورئيسه ( إكلين) رجل شيخ ذو رأي عتيق  ، وحمي النفاس الفتك بالنساء فتكا، ولا يجد زامل رغم محاولاته لها سببا ، حتى كاد يجن . وأخيرا يقع على السبب ، كان يفحص هو وتلاميذه جثث الموتي ، ثم يغسلون أيديهم بالصابون ، ثم ينتقلون إلى فحص الأمهات الحاملات وتعلق بأيديهم رائحة من الجثث فيفتخرون بها لأنها دليل العمل والبحث ، ثم يحدث أن يطيش مشرط طالب في قاعة الجثث فيشك طبيبا فيموت ، عندما ينتبه زامل الي أن موت الطبيب كموت النساء ، وان هذه الرائحة التي حملوها على أيديهم من قاعة الموتى علي النساء يدخلونها إلى أرحامهم ، حملت في طيها الوباء فيعمد هو وتلاميذه التي غسل الأيدي بماء الكلور قبل فحص النساء فتنقص الوفيات نقصا  كبيرا لأول مرة في التاريخ . فلا يجد على هذا النجاح من الأطباء ومن رئيسه (إكلين) غير السخرية والكفر والأذي . والآن اقرأ :

إن كثيرا من مكتشفات اليوم نجد طريقها سريعة إلي الطبع ، فالنشر ، حتى قبل اكتشافها . وعلي هذا القياس كان للمرء أن ينتظر من " زامل " ان يذيع ما  اكتشف في كل مجلة طيبة تصدر في أوربا ، ولكنه لم يفعل . قال : ليس اثقل على نفسى ولا اكثر مناقضة لطبعي ، من الكتابة كائنة ما كانت .

وقيض الله له ثلاثة رجال ، ثلاثة أساتدة يدفعون عنه ويشدون أزره . وليس منهم من كان طبيبا مولدا . كان أحدهم طبيب جلد هو الدكتور هبراHebra ؟ ، وكان الثاني خبيرا في تشخيص الأمراض هو الدكتور إسكودا Skoda وكان ثالثهم البثلوجي الشهير روكيتانسكى Rokitansky؟ وبلغوا من شد ازره انهم حاضروا للعلماء

في موضوع كشفه ، وقرنوا اسمه باسم الطبيب الأشهر جينار Jenner مكتشف التطعيم ضد الجدري ، تكريما له وتعظيما . أما هو فانصرف إلي عمله بقسم الولادة الأول ، ينقص من نسبة الوفيات فيه شهرا بعد شهر . حتى جاء شهر اكتوبر عام ١٨٤٧ . ففي يوم من هذا الشهر كانت أمهات ثلاث عشرة على أسرتهن في صف واحد ينتظرن وضع أحمالهن . وكن جميعا في مأمن من سم تلك الجثث العفنة في قاعة الموتى ، لأن " زامل " لم يدع احدا يدخل إليهن إلا من غسل يديه ايما غسل بماء الكلور . ولكن حدث على غير انتظار أن كل هؤلاء الأمهات الثلاث عشرة ،

جاءتهم الحمى ، إلا الأم الأولى في هذا الصف . ثم ماتت من الاثنى عشرة إحدي عشرة امرأة . فنهض " زامل " كالبرق وراء السبب يتصيده .

كانت المرأة الأولى في هذا الصف مصابة بالسرطان ، وكان يخرج منها صديد لا يكاد يختلف عما كان يصيب يديه وايدي تلاميذة  من تلك الجثث المتحللة الفاسدة عند الكشف على الموتي . فالذي حدث هنا انهم فحصوا المرأة الأولى ، ثم ذهبوا تواً يفحصون سائر النسوة في هذا الصف الواحد دون ان يغسلوا ايديهم إلا بالماء والصابون .

يا للغباوة النادرة ! ولكنه تعلم من هذه الغباوة علما جديدا : ان حمي النفاس لا تأتي من جثث الموتى وحدها ، ولكنها تأتي كذلك من الأمراض العفنة بأجسام الأحياء وإذن وجب على الأطباء أن يغسلوا أيدبهم بماء الكلور كلما انتقلوا من فحص أم إلي فحص أخري .

وجاء عام ١٨٤٨ ، وجاء اخره . فكم مات فيه عند " زامل " من حمى النفاس ؟ في عام ١٨٤٦ مات بهذه الحمي تسع وخمسون وأربعمائة ٤٥٩ . أما في هذا العام ، فالعدد الذي لم يستطع ان يرجع من النساء إلي منازله سعيدا مغتبطا بلغ خمسا وأربعين فحسب ، خمسا وأربعين امرأة من ست وخمسين وثلاثمائة وثلاثة آلاف ٣٣٥٦

عندئذ أمكنت الفرصة ( إكلين ) الشيخ من " زامل " وكان امتلأ منه قلبه ، فقام بطلب رأسه ، وفي سبيل ذلك اتصل بصديق له يدعي روساس Rosas . وكان رجلا طفيليا حقيرا ، يجري في ظل الكبراء ، ويستعين تجاههم في تدبير المكائد ونسب الأشراك . فحمله (إكلين) على تبليغ أولى الأمر وذوي السلطان إن " زاامل " لبس شارة الثورة التي قامت عام ١٨٤٨ ، وكانت قبعة مريشة .

فلما طلب " زامل " تجديد عقده عام ١٨٤٩ ، أجابه " إكلين " بأن عين في وظيفته رجلا يدعي إبراون "Brown مهد لتعيين نفسه بأن أذاع عنها أنه لا يؤمن كل الإيمان بهذه الحذلفة البالغة في غسل الأيدي . ثم عرض "إكلين " على زامل وظيفة اخرى عمل صاحبها شرح الطب للطلاب على الدمي ، علي تماثيل للنساء لا حركة فيها ولا إحساس .

ولمن هذه الوظيفة ؟ لزامل الذي اكتشف قبل كل الرجال كيف ينجو الأمهات من الموت . فلم يكن يد أن يترك " زامل " عمله في عاصمة النمسا ويعود إلي عاصمة الهنغار ، مسقط رأسه ومقام أهله وفي الشهر الذي أقبل فيه مات من حمي النفاس في قسم الولادة الأول عشرون امراة .

وأغمض " إكلين " على هذا الرقم عينه . وكيف لا يغمضها وهو يسخر من غسل الأيدي بالكلور ، وله الآن مساعد جديد مهاود مطواع .

ترك " زامل " عمله في ثينا ، يردهب إلي بودايست يعمل في مستشفى القديس روكس St Rockns وكان يعمل فيه بالمجان . وفي اليوم الذي بدا فيه العمل في هذا الحجر اللعين وجد ستا من النساء قد القين أحمالهن . ومن هذه الست وجد واحدة قد ماتت ، وإخرى في سبيل الموت ، والأربع الآخريات تكاد تقضي عليهن حمى النفاس .

علم يستغرب " زامل " لهذه الحال ، وعرف توا سببها

أليس مولد هؤلاء النسوة وهو هو بعينه الجراح الأول بالمستشفى ؟ إذن فلقد جاء هؤلاء النسوة ، وعلى يدية اسباب الموت مما أجري من عمليات عقلة

هذه كانت ملاحظات زامل بسيطة ، فظيعة في بساطتها ، تضرب في أسس الأمور ضربا . وأخذ يتشمم في هذا المستشفى كل موبأة يصدر منها الداء ، وتتسمم من جرائها الدماء . فكان من ذلك انه في الست السنوات التالية لم يفقد من ألف أم دخلت هذا الحجر المخوف غير ثمانية

كانت هذه النتيجة خيرا وبركة على الاثنين والتسعين والتسعمائة ٩٩٢ من الأمهات اللاتي تركن الفراش بولائدهن في صحبة أزواجهن فرحين مستبشرين ، ولكنها لم تكن خيرا وبركة على غير هؤلاء ، لا سيما الأطباء . فإن زامل " لم يفتأ يستحنهم كل آن ويخطبهم كل حين ، ويشتد في خطابه . والممرضات وتوابعهن ظل يضايقهن ويجد الاخطاء في اعمالهن ، والقوابل نا كدهن فأغضبهن ، والطلبة صرخ فيهم ، حتى الأطباء ، ولهم حرمتهم ولهم وقارهم ، لم يسلموا من امره ونهيه ، فقد كان يلح عليهم ، لا في تطهير ايديهم فحسب ، بل كذلك في تطهير عدوهم ومحافهم وأربطتهم ، حتي المياول لم يفته أمرها .

أثر في نفسه موت هؤلاء النسوة تأثيرا بالغا همه هما شديدا ، فلم يعد يطيق في امرهم زلة كبيرة كانت صغيرة

ونصبوه أستاذا في جامعة يودايست فدخل مستشفاها فوجد الحاملات يلدن على اسرة عتيقة تكاد تهم بالسقوط عليها أغطية بالية وأفرشة أطلق حشوها ، ووجد حجرهن تملوؤها رائحة كريهة تأتي من مداخن المعامل الكيميائية ، ورائحة أشد كرها تأتي من ردهة المبني حيث المراحيض وقاعة الموتى . فحتي هنا حبس الموت عن ضحاياه ، ولكن

بعد أن كره ، الناس فيه . وكل حيلته النظافة ، والنظافة وحدها . فالنظافة هي كل ما اجراه من تجارب ، فلم يكن لدية وقت للتجارب ، ولم يكن له معوان عليها . لم يكن لديه من أدوات البحث أرتب أو قار أو أنبوبة اختبار . والمكيروبات كانت عند ذاك سرا من أسرار الوجود .

وظل هذا الهنغاري الغريب يعمل في عنابر تلك المستشفيات الحارة ، ويمسح العرق عن جبين زاده الصلع اتساعا ، فكشف عن كل المصادر الي تنتج تلك الحمي ، ولا تزال تقتل أمهاتنا إلي اليوم ، كشف عن كل هذه المصادر إلا مصدرين اثنين صغيرين  فلم يكن في وسعه ان يعلم أن من الأطباء ، ولو اصحاء ، من يحمل في جسمه ميكروب الحمي دون أن يدرك حامله عنه شيئا . وهو كذلك لم يذكر شيئا عن خطر المضاجعة والوضع على الأبواب .

وفي عام ١٨٥٦ كشف عن آخر مكشوفاته . ذلك أنه كان قد وصل بمستشفي الجامعة إلي خير حال ، فلم يعد يموت عند الوضع أحد من نسائه ، ثم إذا بالداء يندلع من جديد . فنظر فاذا به يحد النسوة راقدات في فرشهن على ملاءات بها آثار قيح وصديد . واستعرف فعلم ان هذه الملاءات كان يرفد عليها قبلهن مرضي ذهبوا إلي رحمة الله ، وان إدارة المستشفى فعلت هذا اختزالا لنفقات الغسيل

فصاح " زامل " وصخب . فلم يتحرك احد لصخبه وصياحة . وكيف يتحرك قوم ليس منهم من يلد حتى تمسه العاقبة من قريب ، عندئذ زاد صياح " زامل " فصار زثيرا قاصفا . فلما اعياه الامر جمع هذه الملاءات ، وذهب بها - بقدارتها وبما تحمل من أخطار - إلي موظف في الدولة كبير وفود ، ذهب بها إلى فون تندار Von Tandier ودخل بها إلي مكتبه ، والقي بها تحت انفه . فاقشعر الرجل المهذب منها . فكان ان انقطع موت النساء في

المستشفى من جديد .

بعد ذلك أخذت تتجمع عناصر الثورة في حنايا صدره وتهم بالهبوب . ففي الأحدي عشرة من السنوات الماضية لم يدخل في دينة الجديد من اساتذة أوروبا غير أستاذين أثنين ، بينما كانت عشرات الالوف من النساء يمتن بالولادة ، وقد سارت دايا ويحدث ان يشتد احيانا ما أسموه وباء ،

حتى إذا أفزع ، أغلقوا المستشفيات ، ثم يحدث ان تكثر حوادث الإجهاض وقتل الولائد أو تركهن على قارعة الطريق ، فتعود السلطات إلي فتح المستشفيات ، ومع هذا لم يكتب " زامل " في الموضوع كلمة علمية واحدة وإنما كتب الكتب الكثيرة إلي الأطباء الأساتدة يشرح لهم ما صنع . وكانت كتبا بسيطة لا أثر للصنعة فيها ، وكان فيها اللفظ الدارج الذي لا يأذن به اللغويون . فكان رد هؤلاء الأساتدة على هذه الكتب الإغفال .

وفي غينا ضحكوا منه وأسموه مخبول بودايست - وفي مستشفاها كان خلفه إبراون Brown يأفك عنه ، ويكذب في نتائج غسل الأيد بالكلور ، ويقول إن النساء زادت ضحاياها بالرغم من ذلك .

ضج زامل من كل هذا ، وفرغ صبره . واخيرا ، في عام ١٨٦١ ، نراه يخرج إلي العالم الطبي قنبلة تتفجر تحت أنوف أطباء أمراض النساء في أوروبا . تلك هي المقالة البديعة الذي عنوانها حمي النفاس ، عللها ، ومفهومها ، والوقاية منها " . وهي خير ما كتب . وقد كانت مقالة في العلم فريدة في شموسها واختلاطها وتكرارها وكثرة لفظها ومع هذا فقد كانت فريدة في صحتها ودقتها وقيمتها التي لا تبلى على الزمان ، وكذلك في مسامها القريب بقلب الإنسان . وقرأ رؤساء الطب تلك الوثيقة الدامغة . فذهلوا ، فصمتوا . كانت وثيقة ليس لحججها

من جواب .

ورأي " زامل " في هذا الصمت تعمد إهانته ، والحط من مقدرته . فاختار من هؤلاء الرؤساء رؤوسا خصها بكتب له مفتوحة منشورة يريد ان يقضي بها على أصحابها .

كتب إلي الاستاذ اسكنزوني Sconzoni في قمر تسيرج Wurzburg يقول : أشهد الله والناس أنك لذباح سفاح

فلم يجبه هذا الأستاذ بشيء . عندئذ أتي زامل أمرا لا يغتفر ، امرا جانب فيه الذوق السليم ، وشر من ذلك أنه خرق به آداب اللياقة بين الأطباء ، وشر من هذين أنه نشر هذا التهجم الثائر في مجلة علمية وهدد فيه الاطباء بأنهم إن لم يصغوا إليه فسيوجه خطابه من فوق رؤوسهم إلي جمهور الناس ، إلي من يصابون في ذواتهم بهذه الرزايا والبلايا

( أيها الآباء ! يجييء الوضع نساء كم في فتدعون لتوليدهن الأطباء والقوابل . فهل تدركون ما تفعلون إنكم تغامرون بحياة نسائكم . أيها الرجال ، إذا أردتم أن لا تترملوا ، وإذا أردتم لأولادكم أن لا يتيتموا ،

استطعتم ذلك بقرش أو قرشين . اشتروا بهذين القرشين مسحوق كلور الجير ، وصبوا عليه ماء ، فإذا اتاكم الطبيب أو القابلة فامنعوه وامنعوها ان يمسا نساءكم للفحص حتى يغسلا أيديهما في هذا الماء . . وامنعوهما أن يمساهن حتى يكونا قد أطالا هذا الغسل فتزلجت منه أيديهما " .

فكان من أثر هذه الكتابة وأمثالها أن جرت في الناس دعوة رددها المجامع والمحافل : " لقد ان لهذه المذبحة أن توقف " .

(يتبع)

اشترك في نشرتنا البريدية