الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 607الرجوع إلى "الثقافة"

كيف, ملء ملعقة من السكر, ملء ملعقة من السكر

Share

ارمق ببصرك وعاء السكر الذي فوق المائدة بمنزلك . ثم أغمض عينيك بعض الوقت ، وعمل انك واقف تحت أشعة الشمس المحرقة بإحدي بلاد المناطق الحارة ، إنك في ذلك الوقت تشاهد جموعا من الوطنيين منهمكين في شئون زراعاتهم ، وتري بعضهم يقطعون سيقان نباتات متناهية في الطول ، إذ يبلغ طول احداها أحيانا عشرين قدما ، ويبلغ سمكها بوصتين ، ويتيسر لك في مشهد آخر أن تري آخرين يحزمون العيدان المقطوعة ويحملونها العربات المرسلة إلى محطات السكة الحديدية لتنقل منها إلى المصانع التي تعج بالآلات التي تستخرج العصير وتحوله إلى سكر يشحن بالسفن التي تنقله إلى مختلف المواني ، وبذلك يستطيع البدال القائم حانوته إلي جوار منزلك أن يملا وعاءك منه .

يرد معظم سكر القصب من جزائر الهند الغربية ، من جاميكا ويربادوز وكوبا ، وهي بلاد الشمس الساطعة والمطر الغزير

ارمق ببصرك وعاء السكر كرة أخري ، فماذا تري ؟ . إنك سوف لا تكون في هذه المرة تحت اشعة الشمس الساطعة ، فلا تري السيقان القارعة الطول ، بل تري بدلا منها البنجر ذا اللون الأصفر ، تراه منزرعا في حقول منبسطة مترامية الأطراف ، وبدلا من أن تقع عيناك على عمال من أهل المناطق الحارة ، تشاهد عمالا من أهل أوربا ، فتري عمالا من الإنجليز في " إبست إنجليا " ومقاطعة نورفولك بانجلترا هي مركز صناعة سكر البنجر هناك ، وربما كان

السكر الذي يقدمه إليك البدال مجاوبا منها ، وإن القصب والبنجر لمنافسان قويان ، وسواء أكان السكر فوق الطاولة أو بداخل فمك ، فإنك لا تستطيع أن تميز من أي النباتين صنع ، ومن أي مكان يرد السكر ، تجد خلف كل ذرة منه عصارة نبات وأشعة شمس ومطرا وآلات .

وإنك لتجد السكر بهيئات مختلفة ؛ فمن سكر ناصع البياض ذي حبوب مجروشة أو بلورية إلى سكر ما كينة ، أو رءوس أو بلاط إلى سكر أصفر إلى مسكرات وحلويات إلي عسل أسود وشراب ، وقد صنعت جميعا من عصير النبات ، إن مادة السكر توجد بجميع أنواع الفاكهة ، وهذا هو الذي يجعل الذباب والنحل تبحث عن الرحيق الحلو بالأزهار ، ولما كانت النحل تصنع عسلها من هذا الرحيق ، فهو لاشك يحوي هذه المادة الحلوة ، ومما لا ريب فيه أنك تذكر كيف تطن الزنابير والذباب حول العسل والمربي الذين تأكلهما عند ما تكون في رحلة خلوية ، أو في نزهة بحديقة غناء ؟ إن حب المواد الحلوة المذاق شئ طبيعي بالنسبة لهذه الحشرات ، كما هو بالنسبة إلينا بني الإنسان ، فلا تلومن إذا الذبابة التي تدب فوق السكر وتلعقه قبل أن تتمكن من طردها عنه أو قتلها .

ولو أن السكر عرف في الهند منذ ثلاثة آلاف سنة تقريبا ، إلا أن أقلية ضئيلة من الناس في أوربا قد علموا بأمره في القرن الثامن عشر ، وعند ما ادخل السكر إلى أوربا كانت أسعاره مرتفعة للغاية ، ولم يكن يأكله لمجرد

اللذة ، حتى القادرون على دفع هذه الأثمان الباهظة ؛ فكان استعماله في ذلك الحين مقصورا على اعتباره دواء ، ثم استعمل بعد ذلك لتحلية الأشربة المختلفة ، وخصوصا بعد أن عرف الناس الشاي والقهوة وبدءوا يشربونهما ، مما كان له اكبر الآثر في التوسع الجدي في زراعة القصب بالمناطق الحارة ، واستخدام أحدث الآلات لاستخراج أكبر كمية ممكنة من العصير يتيسر الحصول منها على أكبر قدر من السكر بدلا من الطرق العتيقة البطيئة المسرفة .

وأصل اكتشاف أمر السكر بالهند منذ ثلاثة آلاف سنة لا يعرف بالتحديد ، ولا يمكننا في هذا الصدد سوي الحدس والتخمين بأن بعض الوطنيين من ذوي الإقدام قضموا ومصوا مصادفة بعض قطع من قصب السكر قطعوها بغير اكتراث من حيث ينمو بريما ، كما يفعل بعضنا أحيانا عندما يضع بقمه ساقي إحدي الحشائش ويأخذ في قضمها ومص عصارتها بغير وعي ، ثم بدءوا يعصرون عود القصب بطرقهم البدائية بعد أن تذوقوا حلاوة عصيره ليستخلصوا منه ذلك العصير الحلو بسهولة ، وربما كان صنيعهم هذا هو الذي قادهم إلي صنع السكر لأول مرة .

وقد انتقل الاهتمام بالسكر من الهند إلي الصين ، وبمرور الزمن انتشرت زراعة القصب في جميع انحاء المناطق الحارة ونشأت الصعوبات في بعض الجهات بسبب انعدام المطر كلية ، لأن قصب السكر نبات شديد العطش ، ولكن المهندسين دعوا إلي ري الأراضي الجافة التي يعوزها الماء وسرعان ما جعلوا الماء يفيض إليها ؛ فزرع بها القصب فنما وترعرع وامتلأ عصيرا وبلغ منتهي طوله .

وهكذا تري كيف نشأت عن عادة مضضع النصب عند الهنود صناعات بدونها نكون في عوز شديد إلي شئ نستطيع بواسطنه أن على ما يقدم إلينا من قهوة أو شاي أو كاكاو ، وإنه لمن العسير حقا ان نتصورنا الحاضر بغير سكر ،

وقد تقدمت صناعة السكر في الوقت الحاضر بعد أن مرت بالخطوات الأتية : ١ - في الأيام الأولى للسكر كان الوطنيون يعدونه نوعا من أنواع الترف ، أي ذي المذاق الحسن ، ولم يعرفوه

كطعام يبني العضلات ويجدد النشاط ، وكانت طرقهم الخاصة بعمل السكر من العصير بطيئة وفيها إسراف كبير ؛ فكانوا بعد أن يقطعوا العيدان من الحقل يخرطونها قطعا صغيرة ويضعونها في أوان كبيرة ثم يدقونها بعصى غليظة ذات أطراف ثقيلة . وكانوا في عملهم هذا بعيدين عن الترتيب والنظام كما كان العصير المتجمع في الآنية بعيدا كل البعد عن النظافة حتى ولو نفي من بقايا قطع القصب المهشمة بعناية .

٢ - ولما تقدم الأمر قليلا وزاد الطلب على السكر ادخلت على صناعته تحسينات كثيرة ؛ فاستعملت معاصر كانت في باديء أمرها بسيطة ، وكانت مزودة بأسطوانات خشبية صغيرة تمر بينها عيدان القصب ، عود أو عودان في كل مرة ، وكانت الخيول والتيران تدير هذه الأسطوانات ، وكانت عدة الحيوان متصلة بعمود خشي بمستوي الكتف ، وكان طرف هذا العمود يتصل بالمعصرة بطريقة تجعل أسطوانات العصارة تدور كلما سار الحيوان الأعجم ، وكان العصير المتساقط يتجمع في دلو باسفل العصارة ، وبهذه الطريقة امكن عمل السكر ببعض السرعة ، كما امكن التخلص من أجزاء القصب الكثيرة التي كانت تختلط بالعصير .

ح - إن الخطوة التي تلت ذلك هي إنشاء معصرة تديرها الرياح ، كان يضم المعصرة بناء شامخ مشيد من الطوب ومزود بآلات العصير التي تعمل بقوة الريح فتدير شراعها المقام بأعلى البناء ، وما زال كثير من هذه المعاصر فائما حتى الآن ، ولو ان المعاصر الحديثة تدار بالبخار والكهرباء

هذا ولم يكن المستعملون الأولون للسكر يهتمون كثيرا بأمر نظاقته ولم يكونوا يعيرون بياض لونه في المرحلة الأخيرة من صناعته كبير اهتمام ، ولم يكن عدم تحقق ذلك يضايقهم كثيرا ، ولذلك ألقوا طريقتهم البطيئة الخاصة بتحويل عصير القصب إلي سكر .

وعندما كان يتجمع لديهم بالمعصرة كمية كافية من العصير كانوا يضعونها في أوان كبيرة غير مغطاة ، وقد كانوا يفعلون ذلك يقينا ، وما زال ذلك متبعا في بعض البلاد الاستوائية التالية ، وتساعدهم على ذلك حرارة الجو عندهم وتجعله ممكنا ولو أنه غير متيسر في جو اوربا ، ويلي ذلك

وضع مسحوق الجير أو الطفل في الأواني المحتوية علي العصير ليساعد على تنقية السائل الذي يغلي بعد ذلك ، وفي أثناء غليانه تتجمع الأقذار . ألياف القصب الصغيرة وغيرها من الشوائب ، وترسب باسفل الأواني ، ثم تنتزع الرغوة الطافية فوق العصير وينقل إلى أوان اخري معدة في الخلاء ليبرد ، وبعد مرور يومين تفرغ الآواني من محتوياتها وتجفف بلورات السكر التى تكونت خلال هذه الفترة بتعريضها لأشعة الشمس - ويتبقى بأسفل الأواني كثير من العصير السميك الذي يطلق عليه اسم العسل الأسود Moiesses وهذا كان يتخلص منه بالرمي قديما في حين أنه يستعمل اليوم في أغراض شتي .

ويلاحظ أن السكر الناتج بهذه الطريقة كان قاتم اللون لاختلاطه بالعسل الأسود ، وطبيعي أنه بغير التكرير المعنى به لا يتيسر الوصول إلي البياض الناصع المعروف للسكر .

إن هذه الطرق العتيقة تذكر لمجرد الذكري وهي مضياع متلاف ، لأن كمية السكر المستخلصة من العصير بواسطتها لا تزيد عن نصف الكمية التي يمكن استخلاصها منه ، ومعامل التكرير الحديثة تستطيع أن تصنع الطن الواحد من السكر المعد للاستهلاك من حوالى تسعة أطنان من القصب تقريبا دون أن تضيع شيئا منه - وبعد استخلاص السكر الممكن استخلاصه من العسل يحول العسل الباقي إلى شراب ذهبي اللون يصنع منه نوع معين من السكر يدخل في صناعة بعض أنواع الخمور وفي صناعة بعض أعلاف الماشية ، كما أن الرواسب المتخلفة عن المرشحات تستعمل في تسميد الأرض ، وتدار مصانع السكر بواسطة ألياف القصب بعد عصره فهي وقود جيد لآلات توليد البخار .

ولا يجري العمل مجميع المعاصر الحديثة علي وتيرة واحدة ، ولو أن الفروق بينها ليست ذات بال . إن عيدان القصب تصل إلى بعض هذه المعاصر وقد قطعت أطرافها العليا وأوراقها وجذورها ، في حين أنها تصل إلى البعض الآخر بكامل طولها فتوضع العيدان فوق حمالات مصنوعة من شبكة من السلاسل التي لا تتيح للعيدان أن تفلت أو تنزلق ، وفي أثناء سيرها بواسطة هذه الحمالات إلى الآلة

التي سوف تهشمها تقطع إلي شرائح بواسطة مدى دائرية لقافة ، ثم تذهب شرائح القصب إلي آلة التهشيم ومنها إلى أسطوانات معدنية مزودة بفتوءات بارزة حفرت فيها أسطوانات هذه العصارة تجهز حيث تكون كل اثنتين أو ثلاث منها مع بعضها وبلغ ارتفاع الأسطوانة الواحدة ثلاث أقدام وطولها سبعا ، وما إن يتم عصر قطع القصب بهذه العصارة حتى تفقد القطع كل شبه لها بعيدان القصب ، لأن ضغط هذه الاسطوانات يعادل خمسمائة طن وتمر هذه القطع بثلاث أو أربع من هذه الأسطوانات .

إن السكر الآن لا يزال بعيدا عن سلطانيته بمنزلك ، ولكنه يتقدم بسرعة نحو هذه النهاية السارة .

عندما تفرغ آلات العصر من عملها يصفي العصير ثم يسخن إلى حرارة ١٨٠ درجة ثم يتجه إلى حوض يمزج فيه بماء الجير والكبريت ثم ترفع درجة حرارته مرة ثانية إلى ٢٣٠ درجة ، ووقتئذ يصبح رائقا ويكسب لون العنبر ، لأن جميع ما يحويه من الشوائب يكون قد رسب باسفله نتيجة للعمليات الكثيرة التي أجريت عليه - يتجه العصير الرائق بعد ذلك إلى حوض آخر في حين يصفي الجزء غير الرائق ليحصل منه على كل نقطة من العصير الجيد يمكن استخلاصها من هذه الحماة ) الوحل ( .

يتجه العصير بعد ذلك إلى حوض يصل اتساعه إلى نحو ١٥ قدما ويزيد ارتفاعه عن عشرين قدما حيث يغلي مرة ثانية ، ثم يذهب من إناء إلى إناء حتى تتم نظافته ويغلظ قوامه ، وتتكون بلورات السكر أثناء هذا الغليان ، ولإتمام بلورته يمكث العصير مدة ثلاثة أيام أو أربعة في إناء ويقلب خلالها بصفة مستمرة تقليبا آليا .

إن بقايا العصير أى العسل الأسود يلزم التخلص منها الآن ، ويتم ذلك ينقلها إلى براميل مستديرة ذات ثقوب جانبية وهي تدور حول نفسها بسرعة ١٢٠٠ دورة في الدقيقة الواحدة مما يجعل العسل يندفع إلى جوانها بشدة فيخرج من ثقوبها فتتلقاء جدران أسطوانة كبيرة تشتمل عليها وتبقى باوراث السكر بالداخل ، وعندما يتوقف الدوران يسقط السكر من أسفل .

ثم يذهب السكر إلى آلة التجفيف حيث يسلط عليه هواء ساخن ثم يلف السكر الجاف ويحزم استعدادا لاستعمالة في الأغراض العديدة التي تفتق عنها الذهن البشري .

ولكن ما هي قصة سكر الماكينة وكيف نحصل عليه بالشكل الجميل الذي تعهده إذا كانت الآلات تخرج لنا السكر على هيئة بلورات كما رأينا ؟ تستعمل لذلك قوالب خاصة فيوضع فيها العصير السميك بعد أن يكون قد تم تكريره تماما فتخرج السكر على هيئة بلاط كبير فتتناوله آلة اخري وتخرج لنا منه تلك القطع الجميلة التي تتلقفها الألسنة .

وبينما تجري هذه العمليات المعقدة الخاصة بصناعة السكر لا بد وأن يكون انتاج القصب مستمرا ، ويحصل علي نباتات جديدة من القصب بأخذ عقل من العيدان القديمه وغرسها في جور ، فلا تلبث أن تتكون لها جذور وسرعان ما تنمو عيدانا قوية تقطع بعد اثني عشر شهرا ، ولكن الجذور تبقى في الأرض فتنمو منها في كل سنة عيدان جديدة ، ويتكرر ذلك لعدد معين من السنين حتى تعجز الجذور القديمة عن إنبات عيدان جديدة ، وعندئذ يجب أن تحل محلها نباتات شابة قوية - وعيدان القصب لا تلبث أن تتوج بزهورها ويبدأ قطعها ) كسرها ( بعد ذلك الإزهار مباشرة ، وما أبهج منظرها وهي بالحقل قائمة بألوانها الخضراء والصفراء والقرمزية وخطوطها البديعة التنظيم ، ولكنها سرعان ما تطرح على الأرض تحت وطأة مدية رجل الحصاد الطويلة الحادة ؛ وما ابهج منظر عمال الحصاد بعملهم النافع المجيد ، ولكن عمال زراعة القصب بجزر الهند الغربية ليسوا جميعا من الوطنيين سكان هذه الجزر الأصليين ، وأغلبهم من سلالة العبيد الذين انتزعت عائلاتهم من أفريقيا قسرا في الأيام السالفة التعيسة التي سادث فيها تجارة الرقيق ، وقد رحلوا إلى جزائر الهند الغربية لمدها باليد العاملة الرخيصة للعمل بزراعات القصب في أول عهد هذه الجزر بها ؛ وقصب السكر بالنسبة لهذه الجزر دخيل أيضا ؛ فقد نقله الأسبان إلي جزيرة كوبا ، ومما يدعو إلي الدهشة حقا أن يكون النبات والعمال القائمون على خدمته من الأجانب الدخلاء على مجموعة الجزر التي تعد بحق أعظم مصدر لإنتاج القصب .

ليس ما سبق سوي إحدي القصص التي تتلى عن قصب السكر ، وقد كان عود القصب شغل العلماء الشاغل دواما ، وقد توصلوا اليوم إلى استنباط أنواع منه لا تمتاز بكمية السكر التي تعطيها أكثر من غيرها فحسب ، بل تمتاز أيضا بقوة استعدادها لمقاومة الأمراض والآفات التى كانت تصيب الأنواع القديمة .

وقد تهب الزوابع والأعاصير الهوجاء ، وتكتسح هذه الجزر وتهشم العيدان أحيانا ، وأمام ذلك يعجز العلماء ، ولكن قد صارت لهم اليد العليا نحو الحشرات الضارة سواء منها الزاحفة والطائرة ؛ وفي أوائل هذا القرن أفلقت العلماء  حشرة صغيرة تصيب العيدان فتحفرها وتضعف قوة إنتاجها للسكر ، وقد ظهرت هذه الحشرة في باديء الأمر بجزر هاواي Hawaii الواقعة بالمحيط الهادي ، ولولا اتخاذ إجراءات سريعة فعالة نحو مقاومة ملايين هذه الحشرة المخربة والقضاء عليها تقضي على زراعة القصب بهذه الجزر . استدعي علي عجل خبير الحشرات المدعو مستر موير Muir فما باشر عمله حتى بدأ بإحضار نوع آخر من الحشرات يستطيع أن يتطفل على الخنفساء الحفارة Boring Beetie  ويتغذي عليها ، وبذلك يقل عددها وبقضي عليها . إن طريقته هذه المتضمنة إهلاك حشرة معينة بحشرة أخري عدوة لها من بين الطرق الشائعة في وقتنا الحاضر لمقاومة الحشرات ، ولكنها ثم تمكن شائعة في ذلك الحين . وقد جاهد هذا الحشري الفذ الذي وكل إليه أمر إنقاذ زراعات القصب بجزر هاواي مدي عامين اثنين باحثا منقبا عن الحشرة المنشودة حتى وفق إلي العثور عليها أخيرا في مكان يبعد بنحو أربعة آلاف ميل عن جرر هاواي بجزيرة تقع شمالي جزر الهند الغربية تدعي أمبوينا Amboyna وهناك جمع ذباباته الحية قاصدا حملها معه إلى جزر هاواي ، حيث يربيها ويكثرها ليوقف بها وباء الحفار ، ولكنه مرض أثناء رحلته البحرية فماتت جميع الذبابات لفقد عناية راعيها بعض الوقت ؛ ولما أبل من مرضه اضطر إلي السفر إلي أمبوينا ثانية وجمع عددا أكبر من نفس هذا النوع من الذباب ، وبالرغم من الصعوبات التي صادفته والتي تثير غضب الحليم البقية على صفحة ١٩ (

) بقية المنشور على صفحة ١٥ (

فقد تمكن أخيرا من إيصال شحنته الغالية إلى حيث أراد ، وأطلقت هذه الذبابات على زراعات القصب بهاواي حيث استقرت وتكاثرت وعاشت متطفلة على الخنافس الحفارة تتغذي بها ، وهكذا قضت عليها وانقذت صناعة السكر بهاواي مما كان يتهددها وذهب عنها ذلك على ألا يعود .

لقد شاهدت ما لاقاه الإنسان من جم الصعاب في سبيل السكر ، وما يجريه عليه من العمليات الشاقة حتى يحصل على ملء ملعقة منه ، ولكن هل يوجد للسكر بديل يمكن الحصول عليه بغير هذا العناء الكبير ويحل محله ويؤدي رسالته ؟ نعم ، يوجد هذا البديل ويطلني عليه اسم سكرين  Saccharin ويمكنك شراؤه من الصيدليات على هيئة حبوب صغيرة ، وإذا كان ما تحصل عليه منه من أجود الأنواع ، فيكون أحلى من السكر بمقدار ٥٥٠ مرة ، وليس السكرين طعاما كالسكر الطبيعي ، وما هو سوى أداة للتحلية ، وهو ليس مستخلصا من عصير نباني ، بل يستخرج من القطران Tar  تلك المادة السوداء المتخلفة عن مصانع غاز الاستصباح المستخرج من الفحم الحجري ، ونستعمله لاضاءة الشوارع ، كما نستعمله مصدرا للحرارة بالمنازل ، وإن كثيرا من الأشياء النافعة المدهشة يمكن صنعها من هذه المادة الثانوية ، وليس ادعي إلى الدهشة من

السكرين هذا ، ولو أننا لا نقبل على استعماله كما أقبلنا على استعمال السكر النباتي ، إلا أن بعض الناس لا يد لهم أن يستعملوه ، وهم هؤلاء الذين يعانون مرض البول السكري ، ويوجد السكر في دمائهم بكثرة ؛ هؤلاء محتاجون إلى تحلية شرابهم وطعامهم ، ولا سبيل لهم إلى السكر فيولونه ظهورهم ويلجأون إلى السكرين قيولونه وجوههم ، فهو حقا ضالتهم المنشودة ، ولا يلحق بهم أي ضرر من ناحيته .

اشترك في نشرتنا البريدية