الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 289 الرجوع إلى "الثقافة"

لمناسبة الذكري التاسعة والثلاثين لوفاة الأستاذ الإمام :، الأستاذ الامام، وأهل التصوف

Share

لم يكن الشيخ محمد عبده يقر موقف بعض المتصوفة وأصحاب الطرق الصوفية الذين انتشروا في بلاد الإسلام في العصور الأخيرة . كان يأخذ علي فريق منهم ما يزعمون من أن هنالك فرقا بين " الشريعة " و " الحقيقة " ؛ فإذا اقترف أحدهم ذنبا فأنكر عليه منكر ، قالوا في المذنب إنه من أهل الحقيقة فلا تثريب عليه ، وقالوا فيمن أنكر عليه إنه من أهل الشريعة فلا التفات إليه " كأنهم يرون أن الله تعالى أنزل للناس دينين ، وأنه يحاسبهم بوجهين ، ويعاملهم معاملتين !

ويأخذ على فريق آخر تلك الرسوم العجيبة المشهورة باسم " الموالد " أو " حفلات الذكر " - والتي ينفق فيها الأغنياء أموالا كثيرة زاعمين أنهم يتقربون بها إلى الله ، مع أنه " لو طلب منهم بعض هذا المال لنشر علم ، أو إزالة منكر ، أو إعانة منكوب ، لضنوا به وبخلوا ! " .

وقد يتضح رأي الأستاذ الإمام في أصحاب الطرق

الصوفية المحدثين من الحكاية التالية التي رواها هو نفسه بصدد الحديث عن احتفالاتهم الكثيرة . قال : إن بعض كبار الشيوخ في الأزهر دعوه مرة للعشاء عند أحد المحتفلين بالمولد ، فأبي . فلما سئل عن السبب قال : " إنني لا أحب أن أكثر سواد الفاسقين ، فإن هذه الموالد كلها منكرات " وسأل الإمام شيخا صديقا لصاحب الدعوة : " كم ينفق صاحبك في احتفاله بالمواد ؟ " فأجاب الشيخ : " أربعمائة جنيه " .

قال الإمام : " لا شك أن هذا في سبيل الشيطان فلو كلمت صاحبك في أن يجعل ذلك لجماعة من المجاورين في الأزهر يستعينون به علي طلب العلم ، فيكون بذله شرعيا ، وهؤلاء المجاورين يذكرونه بخير ويدعون له !

قال الشيخ : " إن الكون يلزم أن يكون فيه من هذا ومن هذا " .

قال الإمام : " هذا الذي أريد ؛ فإن كوننا ليس فيه إلا هذه النفقات في الطرق المذمومة ، فأحب أن ينفق صاحبك على نشر علم الدين ، فيكون بعض الإنفاق عندنا في الخير ، ويبقي للموالد أغنياء كثيرون " .

فقال الشيخ : " أما قرأت حكاية الشعراني مع الزمار : إذ رأي شيخا كبيرا ينفخ في مزمار ، والناس يتفرجون عليه ، فاعترض في سره ، فما كان من الشيخ إلا أن قال : " يا عبد الوهاب ! أتريد أن ينقص ملك ربك مزمارا ؟ " فعلم الشعراني أنه من أولياء الله !

وما كاد الشيخ ينتهي من هذه الحكاية حتى ترك المشايخ الأستاذ الإمام وذهبوا إلي المولد مطمئنين

وهذه المعتقدات المنتشرة عند أصحاب الطرق الصوفية ، والتي تنطوي علي جهل تام بماهية الدين ، يراها الأستاذ الإمام من أقوى الأسباب لما وصل إليه المسلمون من انحطاط وانحلال . " فببركة التصوف واعتقاد أهله بغير فهم

ولا مراعاة شرع " اتخذ المسلمون شيوخ الصوفية أندادا لله ، وصاروا يقصدون بزيارة القبور والأضرحة قضاء الحوائج ، وشفاء المرضى ، وسعة الرزق ، بعد أن كانت للعبرة وتذكرة القدوة .

ويري الأستاذ أن في أقوال بعض المتصوفة وتصرفاتهم إسرافا يخرج بها عن إنسانية الإسلام واعتداله ؛ فهم قد يدعون أنهم يميلون بالإسلام إلى جانب الروحانية ، ولكنهم يبثون نظريات عجيبة تميل بهم إلى القعود والخمود ؛ ثم هم ينصرفون عن الدنيا ، ولا يرون فيها إلا بؤسا وشرا ؛ يخشون أن يمسوا سلطة الخالق ، فينزعون عن المخلوق كل قدرة على الفعل ، وينكرون أن يكون له أدنى حرية أو اختيار

إلي هؤلاء يوجه الشيخ محمد عبده الحديث ، وكأنما يقول لهم : " لم تريدوننا أن نعتزل الدنيا ؟ إن الدنيا هي التي يجب التغلب عليها . وإن علينا أن نخالط الناس ،

وأن نعيش في المجتمع عاملين ، وإن واجب كل مسلم صحيح الإسلام أن يؤدي رسالة الأمر بالعروف والنهي عن المنكر.. لا لا أيها السادة الصوفية ! إن الإسلام الصحيح بريء من نظرتكم العابسة ، برىء مما تحتجون به من أسباب متواكلة ، وإن الإسلام ليدعو يقينا إلى السعي والعمل ، وإنه ليحض على الإقبال على الحياة ، والابتهاج بها ، والاستمتاع بما فيها من خيرات "

وكذلك لم يرتض الإمام أن يساير المسلم أهل التصوف فيهمل الواجبات الملحة التي تفرضها عليه مهمته في المجتمع ، وأبي أن يذهب معهم في تواكلهم وقلة اكتراثهم بالحياة ، واستغراقهم في التماس لذات قد لا تتاح إلا للقليلين من أهل الصفاء . وكذلك لم ير المصلح تعارضا حقيقيا بين الحياة الباطنية وبين الواجبات الاجتماعية ، بل رأي أن حياة السر والباطن هي عماد الأخلاق التي يقوم عليها المجتمع الفاضل .

اشترك في نشرتنا البريدية