الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9 الرجوع إلى "الفكر"

محجوب بن ميلاد

Share

عزيزي محمد مزالي . تحية فكرية وتقديرا انسانيا . اما يعد فاني اجد نفسي حريصا كله الحرص على ان اعرب لك ولكل من يهمهم مصير مجلة الفكر أولا ، ومصير القيم الثقافية بهذه البلاد ثانيا ، عما ادخلته على نفسي . من دواعي الغبطة ، وعوامل الاطمئنان ، واسباب التفاؤل ، الرسالة التي وجهتها الي وطلبت مني ان اجيب عما تضمنته من الاسئلة حول شؤون الثقافة ومشاكلها " في الظرف الانتقالى الخطير " الذي انتهينا اليه . .

ذلك ان رسالتك - بما اشتملت عليه من الاسئلة الدقيقة - تنم نميمة صادقة - خلافا للمتعارف من ضروب النميمة على ان مجلة الفكر وفقت كنه التوفيق في تخير مناهجها ، واسلوبها ، واهدافها واهتدت الى الطريقة الناجعة التي تمكنها من " عض الواقع " لتحوير شؤونه ، وإصلاح اوضاعه ، واحداث الثورة العقلية المنشودة ، في نطاق الأخلاص

للمهمة التي قررت - مريدة ، مختارة ، متبصرة - الاضطلاع بها بهذه البلاد . . .

وليس يمكن النظر في صيغ الاسئلة العشرة التي طلبت مني الاجابة عنها دون الاقتناع بأن مجلة الفكر تهاجم - مجابهة - على حد اصطلاح العسكريين - مشاكل يتعلق بحلولها مصير المجتمع العربي الاسلامي برمته ، ومصدر قيمه العليا ... فلا تزويق في العبارة ، ولا تزييف في اللفظ أو في الصيغة ، ولا تمويه في الاغراض .

وانما هي العبارة البينة ، والاسئلة الدقيقة ، والحقائق المحدودة - كدت اقول المحصورة - مما يدل - واضح الدلالة على ان نظرتنا للاشياء اخذت تعود اليها حدتها ، فنورها فصفاؤها ، فصدقها !. . .

ولئن ابى الانسان الا ان يجد في رسالتك عيبا او مأخذا فانما هو واحده في سعة الافاق المدهشة التي تفتحها امام العيون ، وفي بعض الاغراض التي تدعو مراسليك الى ان تتعلق بها هممهم ! ...

هو البرنامج الحافل العريض الذي يستحق لا تأليفا واحدا بل تآليف عديدة تكون فرصة من اسعد الفرص التي يتحينها المغرمون بالتفكير الرصين ، والبحث الجدي ، والتحليل الخصب ، والكشف النير والابتكار المقتدر ! ...

الا اني ممن يباركون هذه الدعوى العريضة ، وهذه الافاق الواسعة ، وهذه الأهداف البعيدة : فهي هي المنيرة . وهي هي المنعشة . وهي هي المحيية . سيما بعد ما اجتازت الاقطار العربية الاسلامية دهورا لم تعرف منها سوى ضيق الآفاق ، وضعة الاهداف ، وفسولة المرامي ، وحقارة المقاصد !

وانه ليكفي مجلة الفكر فخرا ان تكون لسان هذه " الدعوة " الموجهة لادباء تونس ، وان تكون مجمعا لآرائهم ، وملتقى لمختلف نزعاتهم ومشاربهم !

ومن يدري ؟ لعل تلك الدعوة ستكون بدء انقداح الزند ، وبدء تطاير شرار الفتح المبين !

من يدري ؛ لعلها ستوجه العقول بهذه البلاد نحو جوهري الامور دون عرضيها ونحو اللبوب دون القشور ، ولعلها ستحملها على تصفية " حسابنا الفكري " لاستئصال فوضى عقلية مهولة ، ونشر مغامرات روحية اصيلة . . تكون اروع الصور للعهد الجديد الذي نستقبله !

من يدري ؟ لعلها ستكون من بوادر " التحقيق الهائل " الذي سيمكننا من ان نرد نفوسنا بعد ان ننفض ما تراكم عليها من صدأ القرون ، فنوفق الى ان ننطلق - من جديد - في ميادين العمل ، وفي ميادين الخلق ، مخلصين - مطلق الاخلاص - لما يختمر في اقدس اقداس ضمائرنا الحية من اعز المشاعر ، واسمى الاشواق ، وازكى المطامح ، مستمدين من " الفكر " زاد نوره وناره لتحقيق طريف المصائر !

عزيزي محمد مزالي . ان كان هذا هو " الرهان " فالاسئلة العشرة التي اشتملت عليها رسالتك في

حاجة - لا الى اجوبة مرتجلة ، تعتمد الاحكام العامة ، والقضايا الشاملة - بل الى بحوث دقلقة والى " دراسات جزئية (١)  " من طراز الدراسات التي تسمى بالفرنسية Monographies تستقصى الامور ، وتستقرىء جميع ما انتجته القرائح الخصبة خلال الدهور ؛ في شتى الميادين الفكرية والدينية والروحية والفنية والسياسية والصناعية والعلمية في الشرق والغرب معا ... للكشف عن اخص خصائص الفترات التاريخية الكبرى ، وعما امتاز به - بالضبط - مختلف الحضارات الشرقية والغربية في غضون تطوراتها ، واستحالات شؤونها ، ومن وراء تداخل تياراتها بعضها في بعض ، واخذها بعضها عن بعض ، وتأثر بعضها ببعض ؟ . :

اليس معنى هذا اني لست اطمح في ان اجيب - في بعض صفحات - عن اسئلتك ، مثلما اريد ...

اليس معنى هذا اني ساكتفي - مكرها - بالتلويح والاشارة الى العناصر الجوهرية ، والخطوط الرئيسية والاتجاهات الكبرى ؟

ولئن كان هذا الموقف لا يمكن ان يخلو من ضرب من ضروب الاجحاف او من شكل من اشكال التعسف فهو على كل حال - حري بان يقدم الى جمهور الادباء ما يمكن ان يكون " طعمة " للجدال الخصب ، والنقاش النزيه ، والبحث المخلص .

وهل اردت شيئا آخر من وراء اسئتك العشرة التي يلذ لي ان ارى فيها - على حد اصطلاح رجال المنطق - " الألفاظ العشرة (٢) " التي يجب ان نعتمدها في مضمار تصفية " حسابنا الفكري " في العصر الحاضر !

١

كلمة " الثقافة " من تلك الكلمات التي كثيرا ما تذكرها الالسن في المجالس او تتداولها الاقلام في الفصول والمؤلفات . . الا انها لكثرة استعمالها فقدت معناها الصحيح الدقيق واصبحت تثير في الاذهان كثيرا من المعاني ، والصور والاخيلة هي بالغموض والابهام ألصق منها بالوضوح والاشراق . وخيمت على مدلولها ضروب من الظلمة واشكال من اللبس . فاضحى من الضروري ان نبذل مجهودا ذهنيا خاصا لاستخلاص ذلك المدلول . ولا ريب في ان " فقه اللغة " أيسر مدخل لذلك المجهود . . .

" الثقافة " - في اللغة - مصدر فعل ثلاثي يدل على التقويم والتصويب ... فالثقاف هو العود الذي كان معوجا قصوبه البدوي بالنار ليشد به اطنابه .

فالثقافة اشتقاقا هي التقويم ، هذا معناها الاصلي . ثم حادث الكلمة - وفقا لسنن اللغة - عن المعنى الاصلي واصبحت تدل على معان اخر على طريق المجاز ...

نقول " فكر مثقف " فنلوح الى كونه فكرا مهذبا لم يبق على فطرته لما وقع من الاعتناء به منذ الصغر لتنمية قواه الطبيعية ولتزكية مواهبه ولما وقع من تزويده به من شتى العلوم والمعارف .

وهنالك معنى مجازي ثان لكلمة الثقافة . فهى بهذا المعنى الجديد مجموعة كل انتاج حي طريف جادت به قريحة حية ، زكية مثقفة ثقافة صحيحة بالمعنى الاول . على هذا نقول فلان صاحب ثقافة علمية او صاحب ثقافة فلسفية او صاحب ثقافة فنية . فالثقافة في هذا المعنى يشترط فيها الطرافة ، والاصالة ، وصفاء النبع وطابع الابداع والابتكار وترمز لضرب من البطولة العلمية او الفلسفية او الفنية ... بلغة عبد الرحمان بن خلدون هي الحجة على " رسوخ الملكة " العلمية او الفلسفية او الفنية ! ...

وللكلمة معنى مجازي ثالث اوسع نطاقا لانطباقه على الجماعات لا على الافراد . نقول : ثقافة عربية . ثقافة فرنسية . ثقافة المانية . ثقافة يونانية وهكذا دواليك ...

فثقافة امة من الامم - على هذا المعنى - هي مجموعة آثارها الفكرية التي انتجتها العناصر الحية الفاتحة من تلك الامة طيلة مسايرتها الدهر في جريانه

وتدفقه وطيلة مصاحبتها التاريخ في توليده المتصل ...

هي متحفها الشريف بل كنزها الذي لا يقدر لانه يضم عرائس الفكر والوجدان ونابض الاحاسيس ورائع الاندفاعات في شتى الميادين : الادبية ، والعلمية والفلسفية ، والدينية ، والفنية ، والعمرانية ...

٢

الفارق بين الثقافة والتعليم يتضح لك اذا امعنت النظر في مقاصد التعليم وفي طرقه . .

فالطفل يتلقى في المدرسة ايام تكوينه صنوفا من العلوم والمعارف ... الا ان المدرسة مدرستان .

احداهما توجه جهدها الى حشو ادمغة الاطفال دون ان تقيم وزنا لقدر عقولهم ودون ان تحرص على ان تقدم لهم العلوم والمعارف على ضوء مبادىء التربية الصحيحة فتخبط على الاطفال عقولهم - حسب عبارات الغزالي - فيصبحون عاجزين عن التصرف بما تلقوا من العلوم والمعارف ولا يتجاوزون ابدا طور التقليد وطور ترديد الاقوال . شأنهم شأن الببغاوات وليس يصبح في حقهم مطلقا ان نقول انهم اصحاب ثقافة ...

اما المدرسة الثانية فانها تقدم للاطفال العلوم والمعارف معتبرة اياها آلة لا غاية . . اعني انها انما ترغب في ان تمرن بتلك العلوم والمعارف مواهب الطفل وقواه العقلية والوجدانية والارادية . شأن تلك العلوم والمعارف شأن الالعاب الرياضية . . فان شاركت في تقوية عضلاتنا وفي تحقيق " انسحام ما " بين صنوف اقتدارنا الجسمي قلنا انها اصابت الهدف والا فلا ...

او ان شئت فقل ان مثل العلوم والمعارف بالاضافة الى العقول كمثل الحطب بالاضافة الى النار !

فقد يكون الحطب مبللا فيطفيء النار وقد يكون جافا فيزيدها اضطراما ! كذلك العلوم والمعارف ... قد تزكي العقول فتصبح ثقافة اي توليدا وقدرة على الابتكار . وقد تغمر العقول بأكداس فوضاها فلا تتجاوز طور التعليم ان لم تنقلب خبطا ...

فالمدرسة الاولى تحشو الادمغة بعقيم المعارف . اما المدرسة الثانية فتصقل الاذهان وتروضها وتصفيها وتشحذها . هي مدرسة الثقافة !

المدرسة الاولى تكون المقلدين و " الخزانات المتنقلة " من العلوم ... اما المدرسة الثانية فتكون المجتهدين والمستقلين في النظر ، اولئك الذين يمكن لهم ان يساهموا في تنمية كنوز ثقافتهم الموروثة على قدر مواهبهم المزكاة ...

بلغة علماء الكهرباء نقول ان المدرسة الاولى تكون " خزانات للتيار الكهربائي اما المدرسة الثانية فتكون الآلات لتوليد الكهرباء " !...

٣

قلنا إن ثقافة امة من الامم هي مجموعة آثارها الفكرية التي انتجتها العناصر الحية الفاتحة طيلة الدهور ...

فالثقافة الغربية هي اذا مجموعة آثار العناصر الحية الفاتحة من ابناء المغرب ... ولكن الناظر في آثار الغربيين يجدها تدل على " أجواء " مختلفة او على مشارب متنوعة . . . بل على ثقافات متباينة رغم كونها غربية جميعها !

فللالمان ثقافة . وللفرنسسين ثقافة ، وللطليان ثقافة وللاتقليز ثقافة ، وللروس ثقافة ... ولكل واحدة من هذه الثقافات طابعها الممتاز ، وخصائصها الفريدة ، وملاحمها الطريفة !

إلا ان المغرم بالتحليل ، الحريص على الكشف عن " العناصر الاصولية " لا يمكن له الا ان يتبين - خلال هذه الثقافات الغربية جميعها عوامل تنقسم الى قسمين اثنين :

أ ) عوامل توحد بينها جميعا ، ب ) عوامل تفرق بينها .

أما العوامل التى توحد بينها فمجموعة من المفاهيم والمعاني والقيم يمكن لنا اعتبارها " وشائج القرابة " التي تجعل من الغربيين جميعهم افرادا مختلفين من " الاسرة الغربية الكبرى " وهي هي التي يمكن لنا ان نسميها " الابعاد الفكرية الغربية " ...

وتنحصر فيما ورثه الغريبون عن ماضيهم من تيارات روحية ، ومجار عقلية ،

وتقاليد دهرية تداخلت بعضها في بعض ولقحت بعضها بعضا وانتجت ثمارا طريفة ! ويمكن ارجاع ذلك التراث الغربى الى اربعة اصول :

١ ) التراث اليوناني وما اشتمل عليه من حكمة ومن شوق الى الانسجام والاعتدال والنغم والجمال .

٢ ) التراث الروماني وما اشتمل عليه من مفاهيم اهمها مفهوم النظام ومفهوم القانون .

٣ ) التراث المسيحي وما اشتمل عليه من مبادئ التقديس ومفاهيم الحب والاحسان والسلام .

٤ ) الفتوحات العلمية الفنية العصرية وما اشتملت عليه من حرص على استكناه اسرار الوجود للهيمنة عليه واستغلاله الى اقصى حد !

اما العوامل التي تفرق بين الثقافات الغربية فراجعة الى ما يشاهد بين شعوب الغرب من اختلاف في اللغة وفي العقلية وفي الحساسية وفي الطبع ! ...

وإن نحن فكرنا في ان كل عقلية جماعية من العقليات الغربية المتباعدة تفاوتت حظوظها من تلك العوامل والاصول لاسباب مختلفة ، فكان الطليان من الناحية الفنية اقرب الى التراث اليوناني وكان الفرنسيون أشد توغلا في الميدان العقلي ، وكان الالمان اشد التحاما بالعنصر الارادي وبالتصوف الوجداني ، واوثق اتصالا بالعنصر العلمي الصناعي الحديث ، وكان الاسبان اقرب الى الفطرة الساذجة البدائية واقوى تعصبا للتراث المسيحي - إذا نحن فكرنا في كل ذلك ادركنا - حق الادراك ان كل عقلية من تلك العقليات الجماعية الغربية المتباعدة كانت بمثابة " بوتقة " خاصة صهرت مختلف قيم التراث الغربي المشترك صهرا خاصا بها وباسلوب خاص بها فكان إنتاجها الثقافي ممتازا بميزات تعتبر وقفا عليها ! ...

وكان شأن الشعوب بالاضافة الى المجموعة من القيم التي تنهض عليها " حضارة شاملة " ما شأن الافراد انفسهم : فالادباء والمفكرون الاسلاميون العرب مثلا تختلف " أجواء " إنتاجهم اختلافا بيتا وإن اتحدوا في تنفسهم في " جو عام " هو جو الثقافة العربية الاسلامية !

فشتان بين " الجو الحنفي " و " الجو الحنبلي " بين " الجو الجاحظي " و " الجو الغزالي " بين " الجو النواسي " و " الجو العتاهي " بين " الجو الجوزي و " الجو الحياني " (١)

اشترك في نشرتنا البريدية