عجبا لهذه القبة المرفوعة من غير عمد على هيكل العالم ، ودهشا لهذه الخيمة الشاسعة وما حوث مثلها الخيام المشدودة الأطناب على أباطح البيداء ! ويا هولا البحر الهواء الأزرق يخفق أمواجه في فضاء الأرض نسيما عليلا ، أو أعاصير هوجا ! وفي الليل حيث لا يمتد الغمام ولا يسود الضباب ، يترامي علي اديم الأرض سجاف غريب أسود نطل من خلاله كوي رفاقه الومضات ،
ناحية الألحاظ من دون أجفان ، وقد شقت المجرة الكبرى دربها في ذاك الأديم إلي آفاق بقيه فيها الخيال وتصل العقول ، ويفكر أيد الدهر ألوف العلماء والحكماء ، ولعل البشر منذ ارتقت أعينهم إلي السماء قلبوا الطرف طويلا في النجوم ومداراتها ، فأخذوا بلائها المتكسرة الأنوار ،
المتفاوتة الأجرام ، وخطاف أبصارهم شهابها الثاقب ، وقد هوى من أعطاف السماء ، ثم استسر في مداها البعيد حتي وقعوا في شرك الحيرة والتفكير ، وطفق إذ كياؤهم في عصور الوعي والمعرفة ، يتداولون الرأي والنظر في مطالع الكواكب ومغاربها ، ويرقبون خنسها ومسالكها
وسطوع نورها أو شحوبه ، فكان العرب وهم فوق صححاتهم الأملس من اليمن حتى بادية الشام من احذق الأمم العريقة في معرفة النجوم ومداراتها ، فقد رحلو جمالهم تحت جنح الليل على دلائلها ، وسرت قوافلهم تخبط سحنة الرمل بأخفاف الإبل علي نور مشاعلها
لما اجتمع جرول الخطيئة بالزيرقان بن بدر من امراء العرب في بعض لوي الصحراء دعا هذا الأمير الكريم ذلك الشاعر الهجاء إلى زيارته ، فدله على أهله ومنازله ، وقال له ، وكان الوقت ليلا :
- يا جرول ، إستقبل مطلع الشمس ، واسأل عن
القمر ، وامض قليلا فثمة بيوت قومي !
وهكذا كان الأعرابي يرد المياه بغير هاد ، ويطوي البيداء بلا دليل ، فإن بك من الضلال قالوا له :
- خذ الشعري العبور عن يمينك ، وانبع سمت الرامح ، فإذا طلعت عليك في شمالك نجمة الصبح فأنت على مبارك طيئ ... فيا للعلم الخارق ، أولئك العرب في الجاهلية ، لقد كانوا رصدة لجاثم الفلك بدون مرصد ولا منظار ! وقديما أخذ العرافون والكهان بسحر الليل ، واستهونهم تهاويله ، فربطوا مصائر الحظ وما كتب على الحبين بمصابيح السماء ، ومن ذلك السحر الأخاذ
نشأ علم النجوم عند العرب ، فتعلموا منه ما يدلهم على سبيلهم في البر والبحر ، وهدوا به إلى مواقيت الفصول والرحلات ، وكان هذا العلم كأكثر علوم الإنسان ، له جذور غائصة في الأساطير ، ثم تناول الغربيون علم الفلك عن الشرقيين فأرق اساطيتهم اعيناً سادرة في مسارب
الدراري ونشوء السدائم ، وساروا على غرار العرب في تأليف الكتب عنها ، ثم فاقوهم في هذا العلم وابتداع مراقبه الحديثة ، وفي كشف الغطاء عن مجاهل الكون فاسدوا إلى الثقافة والحضارة فضلا عظيما ، إذ وسعوا بذلك آفاق التفكير ، وأطلعوا من حالكات الظلمات نورا للعقول ، فهم الذين شيدوا المراصد على قمم الجبال نقلتها القلاع ، ونصبوا تحت قياسها كل منظار هائل تحسبه المدفع ، وطوي علماؤهم أعمارهم في رصد النجوم ،
وخصائصها من غبابة النهار حتى شروق الصباح ، فبدا لهم ما ليس في حسابهم من نجوم لا عديد لها ، وفضاء لا يحده خيال ، وأن ما علموا من سيرة الكواكب وأبراجها لا يبلغ مثقال ذرة مما يحيطوا به علما ، وقد ارونا حقيقة القمر ، وكان يحسب فرصا من فضة فإذا هو كرة كبرى من حجر لا حياة عليها تدور في اجواء الدنيا ، وفيها فوهات
براكين خامدة وجبال شامخة كان يقول عنها الشعراء إنها كلف على عارض البذر فراحوا ينسجون حول تلك الوجنات المتلألئة أرق أشعارهم في الغزل وجعلوا منها لذلك الوجه هالة وما زالوا بجمال القمر يتغزلون ويغني بشعرهم فيه المفتون ، وبات العشاق المؤرقون يتلهون في تقطيع اطراف الليل برعي النجوم كما فعل النعمان بن المنذر في ليالي الشام في دهرها القديم ، فقد أرقته لوعة من أميمة فقال .
كليني لهم يا أميمة ناصب
وليل اقاسيه بطئ الكواكب
تطاول حتى قلت ليس بمنقض
وليس الذي يرعي النجوم بأيب
ومن قبل هذا الشاعر تطاول الليل على الملك الضليل فظن نجومه قد ربطت بالحبال إلي رواسي الجبال فقال :
فيالك من ليل كأن نجومه
كل مقار القتل شدت بيذيل
ولو جمعت ما قال شعراء العرب في النجوم ونجواها لما وجدت لها منتهي ، فقد راها منهم المبصرون فما خلا شعر شاعر من ذكرها وتخيلها العمى الكاففيف ، فهي طالعة ابدا في ليلهم الدائم ، وكان المعري اشهر من وصفها منهم حتي كاد يبدأ الناظرين فقال :
وسهيل كوجنة الحب في اللون
وقلب المحب في الخفقان
خرجته دما سيوف الأعادي
وبكت رحمة له الشعريان
فوويل للإنسان الذي الهاه الطمع وأضله الغرور ، فلم يتفكر في خلق السماوات والأرض ! اليس له ان يعود إلي هداء حين يسأل نفسه : كيف وقفت في المراء هذه النجوم ؟ فقد يجيبه من ضميره الجاحد صوت يقول : وقفها الله فأثبتها وحركها فأجراها ، وقد قال في تعزيله العزيز : " والقمر قدرناه منازل حتي عاد كالعرجون القديم ، لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون ،
سبحانك اللهم يا من خلقت على الدجي سربالا أسود فكانت حلاء أزراراً من فضة وجعلت الليل سباتا والنهار معاشا ، فمن حقك على العقل ان تدله النجوم على توحيدك وتشير إليه بحمدك وتمجيدك ، فأنت وحدك السرمدي
الأبدي الذي تعنو له الوجوه وتفي إلي امره مهما عنت وتمردت ، لقد رب الإنسان الجبار سلاحه الكليل امام قدرتك الساحقة ، وألقى ا~لاته الغالية تحت أسرارك الباقية وهو الذي سيطر علي المادة وسخرها لما ربه وتقدم بعلمة ليكشف ماوراء تلك المادة وليجاوز حدود الغيب فباء بالفشل والحيرة وتعليا عليه استطلاع ماوراء السماء .
لقد أفني عمره الفلكي العظيم " فلاماربون " وهو معلق العينين في مدارات النجوم حتى قال وهو يجود بنفسه الأخيرة : يعجز المخلوق عن الإحاطة بعلم الخلاق .
هكذا يا إلهي دل عليك العقل وآمن بك القلب ، ولم يستطع الإنسان ان يجتاز الوصيد الأعلى فقد غلقت بابه وشددته بمسامير الفلك .
دمشق
