أتينا في العدد الماضي علي اسرة النحل فوصفنا النحل الثقال وعمله ، والنحل الفكر وكمله ، والنحلة الملكة وهي أم الخلية ؟ واليوم نعود إلي وصل ما انقطع من الحديث
ادارة شئون الخلية :
وتتألف شئون الخلية من وظائف موزعة على سكانها ، وقد ذكرنا أكثرها . وهي إجمالا تنقسم قسمين : وظائف في داخل الخلية ووظائف في خارجها .
وظائف النحل داخل الخلية :
أما الوظائف الداخلية فتتضمن أولا تدفئة الخلية ، وثانيا بناءها من الشمع وهندسة حجراتها ، وثالثا ولادة الخلف ، ورابعا تهيئة الطعام بل الأطعمة المختلفة للمواليد المختلفة وتوزيعها عليها ، وخامسا وأخيرا تنظيف الخلية
أما الوظيفة الأولى فيقوم بها النحل الشغال الصغير ، إذ يجلس على الخلايا التي بها البيض والأفراخ فيدفنها . وجلوسه هذا اشبه شيء بجلوس الدجاج على بيضه ، فهو نوع من الحضانة . وهذا النحل الجالس لا يبرح الخلية إلا إذا اشتد الحر في وسط النهار ، فهو عندئذ ينتهز الفرصة فيخرج عنها ليتعرف ما حولها . ومن العجيب انه وهو يطير حولها يتجه برأسه دائما نحوها ، فكانما يخشى أن يضل إذا هو أبعد عنها
اما الوظيفة الثانية فيؤديها النحل الشغال بما يفرز من جمع ، وهو يفرزه مما يا كل من العسل والطلع ، ويفرزه
في ساعة استراحته بعد الطعام ، وهو يفرزه مجتمعا ، فتتشابك النحلة مع نفر من اخواتها تشابكا هندسيا كصفوف الحند ، ثم تعكف على الإفراز في سكون عميق لا تكاد تطرف فيه عين أو تنبس شقة ، لو ان للنحل شفاها .
أما الوظيفة الثالثة فمن عمل الملكة ، فكل وظيفتها البيض . ولكنها ملكة كيسة لا تبيض اعتباطا ولا تلد للجوع والهلاك ، فهي تبيض على قدر وبصيرة ، فهي تزيد في بيضها زيادة كبيرة في سنوات الخيرات ، والأزهار كثيرة والحصاد وفير ، وتزيد في الربيع ! اكثر من زرادمها
في الصيف ، لأن الربيع أكثر أزهارا ، ويزيد في بيضها سعة الخلية ، فكلما اتسعت الخلية وكترت مهودها ملأت
الملكة هذه المهود . ويزيد فيه كثرة عدد الشغالة ، فهن حاضنات أولادها . وإذا طاب الزمن وكثر الخير ، ولدت الملكة ما بين ألفين وثلاثة آلاف بيضة في اليوم .
أما الوظيفة الرابعة فمن عمل الشغالة الصغار ، فهي التي تحضر الطعام للدود الناشئ من العسل والطلع إذ تمزجهما بلعابها مزجا ، ليطيبا طعما ويسهلا هضما . ويذكرني هذا ببعض الأمهات من بعض الطبقات ، إذ تمضغ الطعام الصلب كالبندق واللوز ، أو " تدغدغه " قبل أن تطعمه أولادها
أما الوظيفة الخامسة فهي تنظيف الخلية من فتات الشمع وهو المتخلف من البناء ، وكذلك مما يتخلف من الدود ومن جثث الموتي من النحل . ويقوم بهذا الشغالة ، وصلته بصحة النحل وسلامة المجتمع النحلي لا تخفي .
وظائف النحل خارج الخليه :
ويقوم بها " شغالة " النحل . ومنها حراسة الخلية عند بابها ، وبقوم عليها النحل الصغير إذ يرقب كل عابر إلى الخلية وراخ عنها ، ولا يأذن للدخول فيها إلا لأعضاء
الأسرة . وأكبر الظن أنه يتعرفها بالشم . فإذا كشف نحلة غريبة طاردها شر طراد . إلا أن تكون حاملة عسل ، فهذه يجبرها على تسليم حملها من العسل ثم يطردها جزاء وفاقا على عدوانها ، والبادئ أظلم . وقد تأتي الزنابير برود الخلية طمعا في خيرها ، فلا يكاد النحل الحارس يتبين الزنبور حتى بصرخ صرخة الحرب ويتالب عليه بقضه وقضيضه وتدور معركة من احمي المعارك يسقط فيها من النحل ما يسقط ، وهي حرب كالحروب ، فيها الغالب والمغلوب .
ومن وظائف النحل عند باب الخلية القيام بتهويتها . فيقوم علي بابها صفا ثم يحرك اجنحته جماعة بسرعة هائلة حتى لا تظهر فيها للجناح صورة واضحة من سرعة تتابع أوضاعه فكانه مروحة الكهرباء . وهو يفعل ذلك في اليوم الصائف الشديد الحر . ويفعله في مساء يوم الحصاد الطيب والعسل الكثير ولأن هذا العمل يكون عند جمعه رهيفا خفيفا لكثرة مائه ، فلابد من تبخير بعض هذا الماء ، والتهوية تفعل ذلك فششخنه وتركزه .
ومن وظائف النحل خارج الخلية جمع الرحيق والطلع من الزهور ، ويقوم تجمع الرحيق محل يقوم بجمع الطلع غيره . هذا إذا كثر الزهر وعم الخير ورطب الجو . وعندئذ تري النحلة تحط على الزهرة فتتريث عندها وتطيل مكنها عليها . ثم إذا هي شالت شالت ثقيلة ، وإذا هي حملت على عتبة الخلية خطت ثقيلة ، ثم تدخل الخلية وليدة . إما إذا قل الزهر ونضب الخير وجف الهواء فتري النحلة الواحدة تجمع من الزهرة رحيقها وطلعها في ان ، وتطير خفيفة سريعة من زهرة إلى زهرة ، " فاذا حطت على باب الخلية حطت خفيفة ثم لا تلبث أن تدخلها .
والنحل يجمع للخلية الماء من مجاريه ومساكنه .
وكذلك يجمع من الشجر نوعا من الصمغ يزيد به قوام الشمع في الخلية صلابة
النحل والزهر شريكان متعاونان على الحياه :
ولا يحسبن حاسب أن النحل عندما ما يزور الزهر إنما يعيث فيه بالفساد ، فيستلبه رحيقه وطلعه ثم يتركه يندب حظ الضعيف السليب من تلف وتوار فالحق ان الزهرة تصنع من حبوب الطلع أكثر كثيرا مما تحتاجه للتلقيح . ولابد لتلقيحها من حمل هذا الطلع - وهي الجرثومة الذكر - إلي مبايضها لتتولد الثمرة منهما . والذي يحمل الطلع الريح ، فإن لم تكن فسائر الحشر كالنحل والفراش من زوار الأزهار هو الذي يضطلع بهذا ، فان لم تكن ريح ولا حشر لم تتلقح الزهرة فينضمر مبيضها وتموت دون إثمار
فالنحل إذ يزور الزهر لمص الرحيق بدفع ثمن ذلك بالخدمة التي يؤدها ، فهو إذ يغوص بخرطومه وراسه في أجزاء الزهرة يمس أعضاء التذكير والتأنيث منها فيخلط ما حمل من هذا بذاك وهو لايدري ، ولكن الطبيعة من ورائه تدري ، ومشيئة الله تريد كذلك ارادت مشيئة الله أن النحلة الواحدة تختص بزيارة النوع الواحد من الزهر حتي تحمل إلي الزهرات من طلعها لا من طلع غيرها . والزهرة بدورها تنبت الورق الأصفر والأزرق والآحمر ، وهي لا تدري ما اللون ولا كيف يقع في العين . والزهرة بدورها تصنع الطيب ، وتنشر العطور ، يتأرج بهاجوها ، وهي لا تدري للعطر معنى ، ولا تعرف كيف يقع في الأنوف . ولكن الطبيعة من ورائها ، ومشيئة الله من وراء ذلك ، ارادت أن يكون في الأزهار لون وطيب يحذبان الحشر والنحل لتنم مهما الحياة وليببلغ كلاهما بالكون مداه .
النحل ولون الازهار :
إن الصلة ما بين النحل وألوان الزهر صلة قال بها العلماء منذ قرن ونصف قرن ، بل قال بها بعضهم وخالفهم البعض ، ومن هذا البعض الآخر من ذهب إلي ان الحشر جميعه ومنه النحل - يعمي عن الألوان فهو لا يدركها أبدأ ، وإن الصلة بين الوان الزهر وزورة زواره من نحل وفراش صلة من نسج الخيال ولونة من الشعر أصابت العلماء فافتنوا أفانين الشعراء . فلم يكن من رد على هذا إلا التجريب .
وقد قام عالم انجليزي اسمه جون لبك john lubbock منذ ربع قرن يجرب لترجيح احد الرايين . فوضع على مقربة من عش نحل شيئا من العسل على ورقة زرقاء على منضدة . فجذبت رائحة العسل النحلات واحدة بعد اخري . فاستمر على إطعامها على الورقة الزرقاء بكل غذاء شهي ، وهي تذهب إلي عشها لتسلم إلي سكان العش ما جمعت وتعود في طلب غيره . فلما استقرت على هذا واطمأنت ، رفع صاحبنا الورقة الزرقاء واستبدل بها ورقة اخري زرقاء . نظيفة وورقة حمراء وضعهما على المنضدة في غير مكان الورقة الأولى . وعادت النحلات فإذا بها تحط على الورقة الزرقاء مباشرة وتغفل الورقة الخمراء إغفالا . فاستنتج من ذلك ان النحل يستطيع التفرقة بين الألوان ، أو إن شئت الدقة فبين الأحمر والأزرق
ولكن بأي اسلوب فرق بينهما ؟ ابأسلوب الرجل العادي منا ، أم بأسلوب طائفة قليلة من الناس تري الأشياء ولكنها تعمي عن الوانها ، فإن فرقت بينهما فيفروقي في ظلالها ؟ إن الرجل الذي يعمي عن اللون يري الأشياء كما يراها في الصور الفوتوغرافية : بيضاء وسوداء ثم ظلالا رمداء بين البياض والسواد . فإذا أنت جئته باللونين الآحمر
والأزرق معا تبين الأحمر لاسوداده ، وتبين الآزرق لا بيضاضه ، وعدا هذا فهو لا يحس من حقيقة اللونين شيئا . فهل هكذا فعل النحل في التجربة الماضية فعرف الورقة الزرقاء لخفة ظلها ؟
بهذا تساءل العالم الالماني فن فريش von friseh وقام منذ قريب بتجربة لا تدع للشك مجالا :
جاء بمنضدة ونضد عليها أقراصا عديدة من الورق متساوية الحجم مختلفة الألوان ، ولكن الوائها جميعا رمادية ، تتدرج من السواد الفاحم إلي البياض الفائح ، ووضع بينها قرص ورق أزرق . ووضع عليها جميعا أوعية زجاج صغيرة مفرطحة . وملا الزجاجة التي على الورقة الزرقاء وحدها بماء السكر . ثم أطلق سبيل النحل اليها جميعا . فلما اعتادت أن تجد السكر على الزرقة غير مواضع الورقات وما عليها ، فوقعت دائما علي السكر على الورقة الزرقاء . ثم رفع كل هذا وأتى بورق جديد من نفس الألوان لم يلؤنه النحل ، وبزجاجات جديدة من نفس الأنواع والأحجام ، وجاء بالورقة الزرقاء فوضعها حينما اتفق بين الأوراق وعليها زجاجتها ولكنها خالية من السكر . ثم أطلق النحل فإذا به يقع على اللون الأزرق . إذا فالنحل بتبين الأزرق بلونه لا بشدة ظله
وبمثل ذلك اثبت صاحبنا ان النحل يتبين غيره من الألوان ، إلا الأحمر فإنه يعمي عنه فلا يفرق بينه وبين السواد . وهكذا تعمي عين الكمرة عند التصوير فتريكهما سوادا ، وهذه نتيجة جميلة بديعة ، فالنحل في الطبيعة لا يزور النباتات حمر الزهرات ، كذلك أثبتت التجارب أن النحل يخلط بين الأزرق والأرجواني والبنفسجي . كذلك هو يخلط بين الأصفر والبرتقالي والأخضر . فهو لم يبلغ في التفرقة بين الألوان مبلغ الإنسان
النحل وعطر الازهار
وقد أوحي هذا القصور في تبين الفروق الدقيقة بين الألوان إلي الأستاذ الآلماني أن يجري تجارب اخري علي غرار تلك ، يرجو ان يثبت بها ان النحل لا يقتصر على اللون في تعرف الزهر بل يستعين بالشم على ذلك . فوضع على المنضدة صناديق سواسية مثقوبة الاعلي ، ووضع في أحدها السكر وقطرات من طيب ، ثم أطلق النحل عليها فعرف السكر بطيبه . ثم غير مواضع الصناديق حتي لا يألف النحل المكان ، فعرف السكر بطيبه مرة أخرى . ثم رفع كل الصناديق وابدلها بأخري جديدة لم يلوثها النحل ، واخلي الصندوق ذا الطيب من سكره ، فلما جاء النحل اخذ يتشمم عند ثقوب الصناديق ثم دخل في الصندوق الذي به الطيب وأشاح عما عداه .
فالنحل يستتم بشمه ما قصر عنه بصره ، وهذا معني ذ مغزي كبير إذا نحن ذكرنا أن النحلة لا تحط على كل أنواع الزهر ولو كان به الرحيق ، ولكنها محط على نوع من الزهر بعينه تتخصص فيه ، وقد ذكرنا حكمة الطبيعة في ذلك . فان كان اللون مما تخطئ المخلوقات في ارتياده لا سيما عند تشابه الآلوان ، وإن كانت الرائحة مما تخطئ المخلوق في ارتبادها والشم قاصر ، فان احتمال الخطأ في تعرف في الزهر أبعد ما يكون إذا كان الدليل عليه حسين : الشم والابصار
ولن يفهم مما قلت ان شم النحل قاصر ، فقد أجريت تجارب كالسابقة درب النحل فيها على معرفة طعامة برائحة خاصة ، فكان يقع على هذه الرائحة في صندوقها بين روائح عديدة اخرى تبلغ الثلاثين والأربعين وأجريت تجارب أخري خفف فيها الطيب تخفيفا كبيرا حتى لم يستطع النحل ان يستهدي بها ، فعرف منها ان قوة الشم عند النحل تقارب قوته عند الانسان . والإنسان
لا يستطيع الشم من بعيد . فالنحل لا يستطيع أن يتشمم زهره من بعيد ، فهو إذا يتعرفه بلونه أولا تعرفا تقريبا ، حتى إذا اقترب زاده شمه تحققا
مذاق النحل :
كذلك للنحل مذاق . فهو يشرب الشراب إذا بلغ سكره ٢٠ % من محلوله . ويشرب منه إذا بلغ عشرة في المائة . حتى إذا بلغ ٥ % شرب منه البعض وعافه البعض تبعا للاختلاف في ذوق الفرد . فان نقص عن هذا عافه الجميع ، ويبلغ مقدار السكر في رحيق الزهر في المتوسط نحوا من ٤٠ %
وليس كل ما يحلو على لسان الإنسان يحلو في مذاق النحل ، فالسكارين saccharin أحلى من السكر بنحو ٥٠٠ مرة ، ومع هذا لا يجد النحل فيه حلاوة اصلا ! والنحل في هذا كثر إصابة وأكبر توفيقا . فالسكارين سكر مكذوب لا ينتمي من حيث تركيبه الكيميائي إلي السكر ولا إلي أي نوع من أنواعه ، وهو من قطران الفحم لا سكر القصب ، وهو ليس بغذاء للجسم ، وإنما يتعاطاه المرضى بداء السكر في الشاي والقهوة وكل ما جرت العادة بتحليته تعلة عن السكر ، واسترضاء لشهوة لسان شق عليه الحرمان (١)
لغة النحل
إن مجتمعا كثير الأفراد كثرة النحل في خليته ، متعدد الوظائف مختلفها تعدد وظائف النحل داخل الخلية وخارجها ، يعمل لخير الكل ويدفع السوء النازل على بيت الجميع يبذل الحياة ، ويدين لام ملكة واحدة ، مجتمع لا يمكن ان ينتظم العمل فيه هذا الانتظام بدون تفاهم بين أفراده . فما وسيلة هذا التفاهم بين النحل ؟ لابد أن تكون لغة من اللغات . وقد تكون لغة أصوات . وقد تكون لغة حركات . ولكن حديث هذا يطول فالي فرصة أخري .

