هل استطعنا إلا أن نهب الأشياء من تقديرنا ، ونهبها من حبنا بمقدار ما تهبنا من السعادة ؟ وهل هي حقا نظرة عادلة إلى الأشياء والحياة ؟ أن تنظر إليها من وراء أنفسنا ومن وراء مصالحنا ؟ .
هي نظرة كنظرة ذلك القاضي الذي حكمت نفسه بحكم رأته عادلا ، ويريد القانون شيئا غير ما أرادته نفسه ، وهو مقيد بقانونه، لا يملك إلا أن يسير حكمه معه ، ولا يملك إلا أن يضحي بنظرته تلك التي يراها عادلة .
وعن في نظرتنا إلي الأشياء مقيدون بقانون هو القانون الذي تفرضه علينا مصالحنا ، وتختفي وراء ذلك القانون الحكمة ، ويختفي وراءه العدل ، فلا يظهر إلا الصالح وبمقدار ما تهبنا الحياة يكون حكمنا عليها .
فنحن حقا إذا نقدر الأشياء ونهبها من حبنا ونخلع عليها من المعاني ، بمقدار ما تهبنا من السعادة وما تشبع من مصالحنا . فهل استطعنا أن ننظر إلى الأشياء كأشياء مجردة بعيدة ، نقرب منها عقولنا ونطرد عنها الشهوات والمصالح ؟ وهل استطعنا أن ننظر إلى الحياة كحياة مجردة ، فتكون نظرتنا إليها دائما حكيمة وواحدة ، لا تختلف باختلاف الأشخاص والأهواء ؟ .
لا أحسب رجلا أراد أن يصل إلى سابح في الماء فلم يسبح بدوره . فهل رانا نستطيع ان نصل إلى التجرد دون أن نتجرد ؟ .
لن نستطيع في يوم أن نصل إلى حقيقة للحياة المجردة إلا مجردين من أهوائنا وشهواتنا ومصالحنا ،
وهذا أعسر مما نتصور ، وأهواؤنا معنا في كل مكان ، وشهواتنا غرائز فينا ، ولا عاش إنسان إلا وله في حياته مصالح ؛ فلنحتفظ إذا بأقل ما يمكن من الأهواء ، وأقل ما يمكن من الشهوات والمصالح ، ونسبح إلي حقيقة الحياة المجردة ومعناها المجرد ، فهل نجد لها مهما سبحنا إليها متجردين ، معني ، وهل نصل إلى حقيقة
وإنما هو بحر هائل يعجزنا فيه أن نصل إلى شيء . انعدمت فيه المعاني وانعدمت الحقائق ، وإنما هو ماء في كل جهة ، وترانا نعود متعبين منهوكين دون أن نبلغ للحياة المجردة معني ، ولا نبلغ لها حقيقة ، وإذا بنا نصل إلى شاطئنا الذي بدأنا منه . . وإذا بنا نصدم صدمة عنيفة تتحطم لها ثقتنا في عقولنا وثقتنا في حكمتنا ، فإذا بنا على هذا الشاطئ الذي بدأنا منه نجد المعنى ونجد الحقيقة ، ذلك أننا تجردنا من المعنى والحقيقة قبل أن ننزل لنبحث عنهما . . لقد تجردنا قبل أن ننزل إلى البحر من الأهواء والشهوات والمصالح
إن ذلك الذي نزل يسبح باحثا عن الحقيقة المجردة للحياة ، وقد تجرد من الحقيقة قبل أن يسبح ، وذلك الذي عاش حياته على شاطئ الحياة دون أن يكلف نفسه أو بدنه عناء البحث ، فهو أقرب إلى معناها من ذلك الذي نزل إلى بحرها المضطرب يبحث عن المعنى فأتعب نفسه ولم يصل إلى شيء .

