كان القرن التاسع عشر، عصراً حافلا من عصور الأدب الإنجليزي ، غنيا بالكتاب والشعراء المجيدين، وكان وليام موريس من مجيدي شعر الله ، ولكنه يمتاز عن غيره من شعراء ذلك العصر ، بل عن شعراء الإنجليزية كافة ، بشخصية فذة، وأصالة مكينة ، وعقلية وخلق مستقلين استقلالا عظيها ، فربما يره تنيسون، أو برونج، أو غيرهما من شعراء ذلك العصر، فى براعة القصيد ووفرة الإنتاج الشعرى ، ولكن موريس يفوق من عداه بشخصيته وحياته أكثر مما يفوقهم بشعره وإنتاجه
ولد وليام موريس في العقد الرابع من القرن التاسع
عشر، لتاجر في أورث الله ثروة طيبة أعنته عن الكدح في سبيل العيش ، فاستطاع التفرغ للفن والتأمل ؛ وتلقى علومه في جامعني مليرا واكسفورد، حتى حصل على شهادة فى الهندسة، وورث من أبيه مع تلك الثروة مواهب التاجر الحصيف، فعرف كيف يستخدم ترونه ويؤتلها . وعاش وليام موريس إلى ما قبل انصرام القرن التاسع عشر بأربعة أعوام، فهو قد عاصر العصر الفكتوري الثاني وكان من أعلام أدبائه
نشأ موريس في بحبوحة الثروة ونال من العلم حظاً عظيما ، ولم يكد باقى في حياته الموفقة السعيدة عناء ولا بلاء. وكان في مقدوره أن يحيا أهنأ حياة وأروحها ، ولكنه كان شعلة ذكاء تتوقد وحركة دائبة لا تهدأ ، قد نال السعادة كلها في نفسه ، ولكنه ما يزال معنيا بإرشاد غيره إليها ، قد عدم أسباب الشقاء فى ذات نفسه ، ولكن كان يشقيه أن يرى الآخرين يشقون، ومن ثم ألف هو وزمرة من زملائه وهو ما يزال طالبا ، جماعة غرضها إصلاح العالم وتهيئة السعادة لبنى الإنسان، وأصدروا لها مجلة دعوها مجلة أكسفورد وكمبردج ، وكان موريس أكبر مساهم في الكتابة فيها
وتأثر موريس في عهد طلبه العلم بكتابات وسكن الذى كان دائما يدعو إلى الجمال ويروج للفنون ويندد ما كان يتجلى في حياة ذلك العصر من قبح وبشاعة في الأذواق ،
لا سيما بعد انتشار الصناعات الآلية وسريان تيار المادية من جراء الانقلاب الصنافي، ثم تأثر موريس فيا بعد بشخصية الشاعر المصور دانتي جبريل روزيني الذي أعجب يشعر موريس إيجاباً شديداً، ولكنه حصه على مزاولة التصور أيضاً. وما لبت موریس و روزینی و صديق لهما ثالث المصور بيرن جوز المصور وكريستينا روزيني شقيقة دانتي، أن ألفوا جماعة فنية تدعى ( جماعة ماقبل الرافائيلية » ذات مبادى خاصة في الشعر والتصوير وغيرها من الفنون
اشتغل موريس أول أمره بالأدب الخالص ، فنظم قصصاً شعرية رائقة ، وكتب غيرها نثراً، فلما حضه صديقه روزينى على التصوير أقبل على التصوير بعزيمته الخارقة ومواهبه الغزيرة، فما لبث أن حذفه وأغرم به غراماً شديداً ، وأصبح يعتقد اعتقاد روزيني أن التصوير ضروري لشكل إنسان ، واشترك الاثنان في تزيين بعض قاعات جامعة أكسفورد، وهناك تعرفا بفتاة بارعة الحسن تسابقا إلى تصويرها فأجابت طلبهما، ثم فاز موريس بيدها فكانت أسعد شريكة لحياته فيما بعد ا
ولما أراد أن يختار منزلا لحياته الزوجية ، لم يجد في لندن كلها بيتا يروقه ذوق بنائه ، فاشترى فى كنت قطعة أرض بني عليها بيتا يلائم ذوقه بساطة وجمالا، ولما أراد تأثيثه لم يرقه في حوانيت لندن كلها أثاث واحدرا، فعول على إنشاء مصنع نموذجي للأناث، ولم يكن موريس بالخيالي المهازل فى مشروعاته ، فسرعان ما حقق عزمه ، ونجح المصنع وتوسع في صنع الأثاث والزخارف وورق الجدران، بأذواق رقيقة ، كان لها الفضل في القضاء على الطرز الفئة البشعة ، التى كانت سائدة في العصر الفكتوري الأول ، وظل مصنع موريس سنين طويطة مهزع كل راغب في تأثيث بيته تأثيثا جميلا وكان موريس يرسم بنفسه التصميمات والزخارف ، كما كانت زوجه وأختها تنوليان التطريز.
ومن هذه الصناعات تطرق موريس إلى غيرها ، فدرس الصباغة ، وقرأ من أجل ذلك الكتب القديمة ، حتى أحيا من قواعد تلك الصناعة ما كان درس بتأثير الانقلاب الصناعى، وبرع في صنع الستائر المطرزة وتجمع لديه عدد كبير من قصائده ، وأراد نشرها في ترقه حروف من السائدة في الطباعة إذ ذاك ، فمول على إنشاء مطبعة له خاصة . وكان هو نفسه خطاطا ، وكان مولعاً بالمخطوطات اليدوية القديمة ، فكتب لنفسه أحرفا جديدة صبت طبعته ، وبها طبيعت كتبه في فسق جميل ، ولم يكفه ذاك حتى صنع بنفسه الخير الذى به تطبع أشعاره.
هكذا كان موريس شاعرا كاتباً مهندساً مصورا خطاطا صانعا تاجراً ، وكان في كل ذلك أصيلا مبتكرا مستقلا، يفعل ما يفعل من نفس طموح وذوق سليم وفهم للحياة والجمال، ورغبة في التمتع بهما صادقة . كان يختلف عن تنيسون و برونج وغيرهما من الشعراء ، في أنه لم يكن ينظم الشعر » فحسب، بل كان «يحياء» كان يحيا حياة الشاعر الصادق المحب للجمال. لم يكن يكفيه أن ( يفكر » في الجمال والمعانى الشعرية ، بل كان ضروريا في نظره أن « يعمل » عمل الشاعر . كان لا يحب أن يكون رأسه وحده هو المعبر عن شاعريته وحبه للجمال ، حتى تصيريد، أيضا من ذلك الحب. ولا يكفيه أن يحيا في حياة من الجمال متخيلة لا تعدو مخيلته وقصائده وأمانيه وأوهامه ، بل يرى ضروريا أن تكون حياته الواقعية جميعها وكل ما يحيط به فيها جميلا حسن الدوق ممتعا النفس عجيبا إلى النفس الشاعرة
فموريس لم ينشئ مصنعه ومطبعته بغية الربح ولا لنزعة مادية ، وإنما فعل ذلك البرضى فنه وذوقه ، بعهد أن عجز صناع عصره من إرضائهما ، وموريس لم يزاول بنفسه الصناعة والحرف المختلفة لحاجة به إلى مزاولتها ، بل المقيدة في نفسه بأن واجب كل إنسان أن يصنع وأن يعمل بيده، وأن يتمتع بالعمل ويلتذ ثمار عمله . وكان يرى نقصا كبيرا
في الإنسان المفكر - مهما بلغت عبقريته الفكرية - أن يكون عاجز اليد عاطل الجسم لا يفهم لذة صنع الأشياء . وكان موريس يعتقد أن هذه الأشياء - هذه الآلات والأدوات والآثاثات التي تحيط بنا في حياتنا اليومية - أدل على مدنية المجتمع مما نسمية الفنون الجميلة من شعر وموسيقي وتصوير ، بل كان يعد صناعة تلك الأشياء من صميم الفن
كان الذوق الفكتوري الذي نشأ موريس في صميمه ذره قبيحا منفرا : كانت المنازل تبني علي طراز ثقيل سمج ، وتكدس تكديسا بالاثاث دون تدبر في نفعها او عدمه ، وكانت تلك الاثاث ذاتها مثقلة بالتحلية والتوشية المستهجنة ، وكان الناس يفتنون كل ذاك - كما قال موريس - لا لرغبة في تلك الأشياء ، ولا لحاجة إليها ، ولا لاعتقاد بجمالها ، ولكنها العادة الجارية والبضاعة الموجودة التي تعرضها المحال الكبيرة والرغبة السائدة بين الأغنياء في التفاخر بالمقدرة على اقتناء تلك الأشياء الكثيرة الغالية الثمن ، لا لقيمة في ذاتها تجعلها غالية ، ولكن لأنها تنطق بأن مجهودا كبيرا قد انفق في صنعها ، وإن يكن قد انفق في تقبيحها لا في تجميلها .
وكان موريس - ومن شابهه من جماعة ما قبل الرافائيلية - يعزون هذا الذوق القبيح السائد في عصرهم إلي امرين : الأنقلاب الصناعي الحديث الذي اخذ الناس على غرة ، فلم يدروا كيف ينتفعون بالالات ، وكيف يستخدمونها في توفير راحتهم ، وتوفير وقت فراغهم الذي يستطيعون انفاقه في الفن والصناعة الفنية ، وتملى الجمال عملا وفكرا . والأمر الثاني اقدم عهدا ، وهو النهضة الأوربية الكبيرة في القرن الخامس عشر المعروفة بإحياء العلوم ، فقد انجبت تلك النهضة رافائيل وميكال انجلو وليوناردو دافنشي واقرابهم من عظماء المصورين والبنائين والحفارين . كانوا عظماء حقا ، ولكنهم اتجهوا بالفن وجهة مسرفة في الزخرفة مغرقة في التجميل ، تزايدت حتى أفرطت على ممر
العصور ، هذا من جهة . ومن جهة اخرى اتجه أولئك الفنانون العظماء من رجال النهضة بالفن اتجاها فرديا ظاهر الاثرة ، إذ صار الفنان يتولى العمل الفني كله مهما عظمت ضخامته ، ويصرف من يعملون تحته من صناع وفنانين كما يشاء تماما ، لا يحيدون عن إرادته قيد انملة ، حتى عادت الأعمال الفنية متشابهة راتبة مسئمة
أما قبل عصر النهضة أو الإحياء ، فكانت الأعمال الفنية اكثر بساطة وأظهر رجولة ، وأبعد عن التكلف والإسراف ، وكانت في الوقت نفسه اعمالا اجتماعية مشتركة تسمح لكل فنان بإظهار شخصيته ، واستخدام مواهبه . ومن ثم عاد موريس واصحابه إلى ذلك العهد السابق لعهد النهضة ، واتخذوا نماذجهم من الفنانين الذين عاشوا قبل رافائيل ، من امثال جيوتو الايطالي وغيره ، ومن ثم عرفت حركتهم بما قبل الرافائيلية ، إذ كان مثلهم الأعلى في الفنون فنون العصور الوسطى
إلي العصور الوسطي التفت موريس في كل شئ إذ كان يري العصور الوسطي أسعد مجتمعا وأصح بنية وأجمل ذوقا وأرقي فنا من عصره . ومن ثم كان يختار معظم موضوعات قصائده وصوره من العصور الوسطى وتاريخها وأساطيرها وحروبها ، وإلى كتب العصور الوسطى رجع حين أراد إحياء ما احيا من صناعات فنية كانت اندثرت ، ودرس من ذلك اللغة الإيسلندية ، وترجم عنها الاساطير نثرا وشعرا ، واختار لحروف مطبعته طرازا قوطيا ، وكان يفضل المباني القوطية على كل طراز آخر من المباني في قديم العصور أو حديثها ، بفضله بلا تردد على مباني الآغريق والروسان . وبالجملة كان موريس مولعا بكل شئ قوطي ، وكانت العصور الوسطي بما يري فيها من جمال مفزعه الذي إليه بفرع مما بري من مقابح ومساوي في عصره الفكتوري ، يفزع إليها فكرا فينظم القصائد في أحداثها ، وعملا فيحي الغابر من صناعتها وفنونها وطرزها . كانت ميزة موريس الكبرى أنه يفعل ما يقول ،
لا كغيره من الشعراء الذين يقولون ما لا يفعلون ، أو الذين يكتفون بالشكوي والتأفف دون عمل شئ صالح لانفسهم أو لمجتمعهم . فلم يكتف بالنظم والتأليف ، حتى جمع إليهما العمل اليدوي . ولم يكتف باطراء العصور الوسطى حتي احيا فنونها ودرس اللغة الشمالية من اجلها . ولم يكتف بالتغني بالجمال في شعره حتى احاط نفسه به في داره : اختار لنفسه زوجا جميلة وبني دارا جميلة ، وصنع بنفسه كل جميل من الأثاث ، وخطط بنفسه حديقته ، وكان بارعا في فلاحة البساتين براعته في تصوير محاسنها شعرا ، وضرب في النظم والنثر كما تقدم القول بسهم وافر ، وفاز باعجاب معاصريه الحار من امثال روزيني وميريديث وسوينيرن وستيفنسون ، ولم يكتف بالنظم حتى ترجم الاساطير عن لغة أهل الشمال ، وترجم ملحمة فيرجيل عن اللاتينية ، والأوديسة عن الإغريقية .
توافرت لوريس كل أسباب السعادة ودواهي الفخار . اما الفخار فكان ابعد الناس عنه ، لم يفخر يوما بموهبة ولا عمل ، وإنما كان همه الشاغل أن يعمل ، وكان خوفه شديدا من ان تخمد قواه ويهبط نشاطه بتقدمه في السن . أما السعادة فلم يكن يستطيع التمتع بها وحوله ما يري من مظاهر القبح في حياة الناس ، ولايهدا حتى يرشدهم - في غير زهو ولا تبجح - إلي مثل سعادته التي حققها لنفسه كان يري الشقاء من حوله يتفاقم رغم تزايد الثروة وتقدم الصناعة وترقي الآلات ، كان يري الفقراء اشقياء والأغنياء أشقياء في وقت معا : الفقراء يكدحون طوال أعمارهم ولا يلتذون ما يمارسون من أعمال بل يبغضونها ، والأغنياء - الذين يعيشون على كدح الآخرين - لا يلتذون هم ايضا حلاوة العمل لأنهم لا يعملون ، فلا غرو أن ضاعت بين هؤلاء وهؤلا ، مقاييس الجمال وفسد الذوق وغدت الحياة عديمة المعنى.
وقد صنع موريس في عالم الفن والصناعة كل ما يستطيع لإصلاح الأذواق وتصحيح مقاييس الجمال ، وكان لكتاباته
ومصانعه أثر كبير في تحسين الأذواق ، لا في انجلترا وحدها ، بل في أوربا جميعا ، إذ كان هو أحد القادة الذين قضوا نهائيا علي قواعد العصر الفكتوري وتقاليده ، ولكن موريس ايقن ان عمله الفني والصناعي سيظل محدود الفائدة ما ظلت النظم الاجتماعية علي ما هي عليه - ما دام الفقراء بعوزهم الوقت والمال للتفكير في الجمال والفن ، والتمتع بالحياة الجميلة ، وما دام الأغنياء الرأسماليون واقفين عقبة كؤودا بين المنتج والمستهلك ، يفرضون على المنتج طرزا خاصة من المصنوعات يرون أنها تحوز قبول الجمهور ، وبذلك يثدون شخصية الصانع ومواهبه ومقدرته الفردية على التفنن ، ثم يفرضون تلك المصنوعات على الجمهور الذي لم يخترها لنفسه ، وهم بين هذا وذاك يحتجنون المال ، فلا يجذبهم المال لفساد أذواقهم ، ولا يجدي الصناع الذين حرموه وقبض عنهم . ومن ثم انجه موريس إلي مهاجمة هذا النظام الرأسمالي مهاجمة عنيفة ، وغدا اشتراكيا متحمسا ، وكانت الاشتراكية في بدء ظهورها ، فكان من أظهر رجالها في انجلترا .
لقد كان موريس في الواقع راسماليا ، قد ورث عن أبيه مالا كثيرا ، ولكن المال لم يكن همه ، ولم يكن من غرضه استخدام الصناع والعمال بماله استخداما لئيما . إنما كان همه ان يحيا هو حياة سعيدة ، وان يرشد الاخرين إلى مثل هذه الحياة ، ولذا لم يكن يعد نفسه رأسماليا . وإنما انحاز إلي صفوف الصناع الذين راهم مقبونين في ذلك الصراع الاجتماعي الذي تنبه إليه ، ولم يستخدم رأسماله إلا في الاستغناء عن الرأسماليين والتحرر من ريقهم . فأقام مصانعه وصنع بضائعة ، وعامل جمهوره الشاري بنجوة عنهم ، وكان منهجه حين يستخدم الصناع في مصنعه ان يعلمهم من سر العمل كل ما يجهلون ، ليقدرهم على الاستقلال بأنفسهم .
فموريس كان يري طبقة الرأسماليين طبقة فضولية طفالية نشأت في العصور الحديثة في جملة ما نشأ من مساوي ، وتطفلت بين الصانع والشاري فأفسدت بينهما الذوق
واستتأثرت دونهما بالمال ولم تدرك كيف تنفقه ، وإنما كان المثل الأعلى للصناعة في نظر موريس ان تكون العلاقة بين الصانع والشاري مباشرة ليستطيع الصانع ان يتقن ما شامت له عبقريته ، وليستطيع الشاري ان يتذوق مجهود الصانع ويحسن التفاهم بين الفريقين ، كان موريس يري ان يكون الصانع هو الراسمالي ، هو الذي يمول نفسه ويستقل بأمره ويعامل جمهوره ، كما كانت حال موريس نفسه في مصانعة النموذجية .
هذه العقيدة الفنية ادت بموريس إلي الاشتراكية وهو في هذا ايضا نسيج وحده ، تهدي إلي الإشتراكية من طريق غير الطرق التي ادت بغيره إليها . كان ينقم علي الرأسماليين ويعطف على الفقراء من العاملين ويدعو إلي توزيع الثروة توزيعا عادلا ، لا لغالاته بقيمة المال فإنه كان يري القليل منه يكفي ليعيش المرء سعيدا ، ولكن لتتوافر لكل امرئ الفرصة للعمل والتمتع بلذة العمل التي لا تعدلها لذة ، والتمتع بالجمال في الحياة وفي العمل ، والحياة بغير جمال بغيضة منتهي البغض إلي موريس .
ارتد موريس اشترا كيا متحمسا واشترك في تأليف جماعات اشتراكية ، كان من زملائه في إحداها الشاب برنارد شو ، ونظم القطوعات في الدعوة الاشتراكية . واشترك في تحرير مجلة الاشتراكيين ، وراح يخطب علي رؤوس الطرق في أيام الآحاد . وكان غرضه الأول في كل ذلك النشاط نشر العقيدة الاشتراكية بين الناس . وكان يري أنه متي تم انتشارها جاء الانقلاب المنشود طبيعيا سلميا بلا ثورة ولا عنف ، أما مبادئ الانقلاب المنشود وحال المجتمع المطلوب فبسطها في كتاب ( هو يوتوبيا أو " طوبي اجتماعية ) دعاء (انباء من غير مصدر ) وما زال الكتاب أكثر مؤلفاته تداولا ، وقد كانت فجوات موريس في هذا السبيل آثار واضحة كالتي كانت لمجهوداته في الوجهات الأخرى .
لقد كان العصر الفكتوري مملوءا بالساوي التي زادها الإنقلاب الصناعي بروزا ، وقد احتفي كثير من كتاب ذلك العصر بإصلاح تلك المساوي : عمل رسكن علي نشر حب الفنون وتقدير الجمال ، وفي ذلك خلفه موريس فزاد عليه وأربي ، لأن تعاليم رسكن كانت نظرية ، على حين كان موريسي فنانا صانعا مارس ما يدعو إليه خيرا به ، واهتم ذكنز بإصلاح احوال العمال السيئة التي صورها في قصصه ، ودعا صمويل بتلر إلي إصلاح طرق التربية وتطهير العقائد من الأوهام ، واحتفي ماليو ارنولد بتقويم الذوق الأدبي وتوجيه النقد ، وعمل كارليل علي رفع المثل العليا لعصره عن حمأت المادية والقصور بعرض صور شتي من بطولة التاريخ وعظمة رجاله . أما مهمة موريس التي اضطلع بها في كفلة واستقلال وإصالة وعزيمة ، فكانت اجمل المهمات وأطرفها .
كان غرض موريس جعل الحياة كلها جميلة مادة ومعنى وفكرا وعملا ، وكان يري أن لكل امري بلا استثناء حقا في التمتع بالحياة جميلة ، وان لكل امرئ مقدرة علي انتاج اعمال جليلة أيا كان نوعها وهي تذوق الجمال في شتى صوره ، كان موريس يؤمن بأن لكل امرئ مواهبه ، وإن اختلفت عن مواهب الآخرين . وكانت مواهبه هو نفسه متعددة لا يشبه في تعددها إلا الفنان الايطالي ليوناردو دافتشي ، كما انه كان يشبه معاصره ، تولستوي في ان كليهما خرج من طبقة راقية وكان سعيدا محدودا ، فلم تكفه سعادته حتى يسعد الآخرين . وفي سبيل إسعاد الآخرين أجهد موريس نفسه إلي اخر حياته . ولما مات قال عنه طبيبه ؛ إنما كان داؤه أنه كان وليام موريس ، وانه اشج في حياته من الأعمال في مختلف الفنون ما تكل عنه العصبة أولو القوة .

