حدثتك من قبل عن الأستاذ البحاثة عبد السلام هارون ، وعن هذا العمل الضخم المثمر الذي وقف عليه جهده كله ، وأعني به إحياء الآداب العربية ونشر تراثنا القديم الزاخر بالذخائر نشرا علميا صحيحا طابعه التحقيق والدقة ، واليوم أقدم للقراء الجزء الثالث من سفر عظيم من تلك الأسفار الممتعة التي يزخر بها هذا التراث ، وهو " معجم مقاييس اللغة " الذي يعمل الأستاذ منذ سنوات على تقديمه للمكتبة العربية في سبعة أجزاء بعد طول رقاد في ظلمات المخطوطات ، والكتاب بذلك جدير ، فهو يعد بحق مفخرة من مفاخر الفكر العربي .
أما مؤلف الكتاب فهو ابن فارس الرازي ، أبو الحسين أحمد ، صاحب " المجمل " و الضاحي وأحد أساطين النهضة الإسلامية في القرن الرابع الهجري .
والأستاذ عبد السلام هارون يحدثنا أن كتب التراجم " لم تعين تاريخا لولادة أبي الحسين " وقد رجعت إلى ما تحت يدي من مصادر فوجدتها - مع الأسف - قد اغفلت ذلك تماما ، ولكنني بعد شئ من الجهد ليس باليسير - عثرت على تاريخ يؤرخ مولده في " الديباج الذهب " لابن فرحون ؛ إذ يقول في ترجمته :
" كان أدبيا شاعرا ، توفي سنة إحدي وتسعين ومائتين ) كذا . وهو خطأ مطبعي ، صوابه وثلاثمائة سنة ست وقيل ثمان ومائتين . . "
وقد ترجم ابن فرحون لابن فارس باعتباره فقيها مالكيا ، وأكبر الظن أن الأستاذ الناشر لم يسلك هذا المصدر في عداد المصادر التى اعتمد عليها في التقديم للكتاب .
وقد اضطرب صاحبنا أبو الحسين في كثير من البلاد الإسلامية ، ثم استقر به المقام - إلى حين - في " همذان " حيث اتصل بأبن العميد ، وتتلمذ له فيها البديع فأخذ عنه جميع ما عنده واستنقد علمه واستنزف بحره " كما يقول صاحب " اليتيمة " .
ولكن المقام لم يطل بصاحبنا في " همذان " فقد ضاق بها أو ضاقت به ، فما إن دعاه - إلى مدينة " الري " - أبو طالب بن فخر الدولة البويهي ، ليقرأ عليه ، حتى لبي الدعوة مسرعا ، وقد صور لنا ضيقه بهمذان وسخطه عليها في أبيات ساخرة مريرة ، إذ يقول :
سقي همذان الغيث لست بقائل
سوى ذا وفي الاحشاء نار تضرم
ومالي لا أصفي الدعاء لبلدة
افدت بها نسيان ما كنت اعلم
نسيت الذي أحسنته غير أنني
مدين وما في جوف ببني درهم
وبالري قضي أبو الحسين بقية حياته ، وقد تحول إلى مذهب مالك بعد أن كان شافعيا حاذقا ، لا لشئ إلا لأن
" الرى وهي - كما يقول الأنباري - " أجمع البلاد للمقالات والاختلافات في المذاهب علي تضادها وكثرتها كانت تخلو من أتباع لمالك بن أنس . قال ابن فارس :
" دخلتني الحمية لهذا الإمام ) يعني ما لكا ( القبول علي جميع الألسنة أن يخلو مثل هذا البلد ، يعني الري ، عن مذهبه . فعمرت مشهد الانتساب إليه حتى يكمل لهذا البلد فخره
وبالري تتلمذ له الصاحب بن عباد الذي شهد لشيخه بقوله : " شيخنا أبو الحسين ممن رزق حسن التصقيف وأمن فيه من التصحيف " .
ولقد كان ابن فارس - إلى جانب تفقهه وإمامته في اللغة والنحو - شاعرا ظريفا ، يقرض الشعر فكها سهلا خفيفا وقعه على الأذن والقلب ، فجمع - كما يقول التعالبي بحق - بين " إتقان العلماء وظرف الكتاب والشعراء " . ومن شعره :
قد قال فيما مضي حكيم
ما المرء الا بأصغريه
فقلت قول امرئ لبيب
ما المرء إلا بدرهمية
ويقول وكأنه يخاطب أبناء هذا الزمان
إذا كنت في حاجة مرسلا
وانت بها كاف مغرم
فأرسل حكما ولا توصه
وذاك الحكيم هو الدرهم
ويقول مصورا لنا ذلك الحظ العائر الذي يلحق دائما بالعلماء والأدباء كأنه ضربة لازب :
وصاحب لي أتاني يستشير وقد
أراد في جنبات الأرض مضطربا
قلت اطلب أي شئ شئت واسع ورد
منه الموارد إلا العلم والأدبا !
وقد أورد الأستاذ هارون في الصفحة الثامنة من مقدمته للجزء الأول من كتاب " المقاييس " هذا البيت :
ونفسك فز بها إن خفت ضيما
وخل الدار تنعي من بكاها
وأكبر الظن أن الدار لا تنعي من بكاها وإنما تنعي من بناها ، وقد نقل الأستاذ البيت محرفا عن طبعة دار المأمون لمعجم ياقوت ، مع أن القائمين على أمر هذا المعجم قد صوبوا البيت في قائمة الأخطاء المطبعية بنهاية الجزء الرابع .
ولقد كان أبو الحسين قبل هذا كله أو بعد هذا كله . يتمتع بقسط وافر من حرية التفكير ، وقد قدمت لك في مقال لي جنوان " كم ترك الأول للاخر ) ٤١ رسالة له بعث بها إلى أبي عمرو محمد بن سعيد الكاتب ، ورواها لنا التعالبي في " يتيمة الدهر " يثور فيها على وثنية التفكير إن صح هذا التعبير - وأعني ذلك التقديس الأعمي لما ورد عن الماضين ، عظم أوهان . وإنها حقا لوثيقة رائعة من وثائق النقد الأدبي الحر عند العرب في القرن الرابع الهجري .
وبعد حياة مديدة مثمرة توفي أبو الحسين بمدينة الري ودفن في محلة بها تدعي المحمدية مقابل مشهد القاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني ، وقد عرض علينا الأستاذ الناشر خلاف المؤرخين في سنة وفاته ، ومما نسبه الي ابن خلكان قوله ) ص ٩ من المقدمة ( : " وذكر ابن خلكان أنه توفي سنة ) ٣٧٥ ( بالمحمدية . " وقيل إنه نوفي سنة ) ٣٩٠ ( ذكر ذلك ابن خلكان أيضا " .
وهذه العبارة التي أوردها الناشر تشعر باضطراب ابن خلكان وخلطه ، مع أن رواية " الوفيات لا تعطينا هذا الخلط ، إذ يقول ابن خلكان :
" توفي سنة تسعين وثلاثمائة رحمه الله تعالى بالري . ودفن مقابل مشهد القاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني ، وقيل إنه توفي في صفر سنة خمس وسبعين وثلاثمائة بالمحمدية والأول أشهر " فعبارة ابن خلكان هذه لا تشعر بالخلط الذي يتبادر إلي ذهن القارئ مما نسبه إليه الأستاذ الناشر . ومهما يكن من شئ فكلا التاريخين مرفوض إذ وجد ياقوت الحموي خط يد أبي الحسين على كتابه " الفصيح وقد كتبه عام ٣٩١ هجرية ، والحق أن وفاته كانت في شهر صفر عام ٣٩٥ - ديسمبر ١٠٠٤ م كما رجح كثير من المؤرخين ؛ قال السيوطي في ) بغية الوعاة ( : " قال الذهي وهو أصح ما قيل في وفاته .
أما كتاب أبي الحسين " معجم مقاييس اللغة " الذي نحدثك عنه اليوم فهو كما يقول ياقوت - " كتاب جليل لم يصنف مثله " وقد وضعه ابن فارس في اخريات حياته فركز فيه ثقافته اللغوية ، فجاء الكتاب فتحا جديدا في معاجم اللغة ، بد به الأولين وأعجز الآخرين ؛ فاصبح أبو الحسين - كما يقول ابن خلكان بحق إماما في علوم شتى وخصوصا اللغة فإنه أتقنها .
والكتاب محاولة ناجحة فريدة لإرجاع مفردات كل مادة من مواد اللغة إلى معني أو معان تشترك فيها هذه المفردات ، قال الأستاذ الناشر ) ص ٢٣ من المقدمة ( :
" وقد انفرد من بين اللغويين بهذا التأليف لم يسبقه أحد ولم يخلفه أحد ، وأرى صاحب الفضل في الإيحاء إليه بهذه الفكرة العبقرية هو الإمام الجليل أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد ؛ إذ حاول في كتاب الاشتقاق أن يرد أسماء قبائل العرب وعمائرها وأفخاذها وبطونها وأسماء ساداتها وثنياتها ) ١ ( وشعرائها وفرسانها وحكامها إلى أصول لغوية اشتقت منها هذه الأسماء فجاء ابن فارس - كما يقول الناشر - يطرد في كتابه " المقاييس " قاعدة الاشتقاق فيما صح لديه من كلام العرب .
و " دائرة المعارف الإسلامية تطلق على معجم أبي الحسين اسم " كتاب الثلاثة " قال " محمد بن شقب " كاتب المقال :
" وقد حاول فيه ابن فارس أن يثبت أن الكلمات التي تتكون من ثلاثة حروف متماثلة ، والتي يمكن أن تتركب حروفها في ثلاثة أوضاع مختلفة تكون متقاربة في المعنى " . والمؤلف نفسه يحدثنا في مقدمة معجمه عن سبقه للغويين بهذا التأليف الفريد ، كما يحدثنا عن قيمته العلمية وعن منهجه في البحث فيقول ) ص ٣ ( :
" قال أحمد : أقول وبالله التوفيق : إن للغة العرب مقاييس صحيحة وأصولا تتفرع منها فروع ، وقد ألف الناس في جوامع اللغة ما ألفوا ، ولم يعربوا في شيء من ذلك عن مقياس من تلك المقاييس ولا أصل من الأصول ، والذي
أومأنا إليه باب من العلم جليل وله خطر عظيم ، وقد صدرنا كل فصل بأصله الذي يتفرع منه مسائله ، حتى تكون الجملة الموجزة شاملة للتفصيل ، ويكون المجيب عما يسأل عنه مجيبا عن الباب المبسوط بأوجز لفظ وأقربه .
ثم هو بعد ذلك يحدثنا عن مصادره في الدرس ، وهي كما يقول - كتب مشتهرة عالية ، وحوي أكثر اللغة ، فأعلاها وأشرفها كتاب أبي عبد الرحمن الحليل بن أحمد ، المسمى ) كتاب العين ) ١ ( ثم كتابا أبي عبيد القاسم بن سلام " غريب الحديث ( و مصنف الغريب " و ) كتاب المنطق ( أو ) إصلاح المنطق ( لابن السكيت ، وكتاب ) الجمهرة ( لأبي بكر بن دريد ، قال أبو الحسين : فهذه الكتب الخمسة معتمدنا فيما استنبطناه من مقاييس اللغة ، وما بعد هذه الكتب فمحمول عليها وراجع إليها " .
وجد ، فلا يسع الباحث المنصف إلا أن يقدر للأستاذ هارون عمله ويشكر له جهده ، وينتظر منه أن يتم هذا العمل الجليل بإخراج بقية أجزاء " المقاييس " الذي يقول فيه الطيب الذكر العلامة أنستاس ماري الكرملي :
إن " اللغوي الذي وضع معجمه مبنيا على المواد ، واحدة واحدة ، وذكر ما لكل مادة من المعنى الخاص بها هو ابن فارس ، فإن سفره الجليل ، الذي لا يمكن أن يقوم هو ) المقاييس ( الذي يجد فيه الباحث كل ما يتمناه من خصائص الأصول وتراكيبها الأصلية .
والله نسأل أن يعين الأستاذ الناشر ويوفقه لإخراج بقية هذا الكتاب ، وغير هذا الكتاب ، مما يعمل علي إحيائه وتقديمه للقراء . وأن يجزيه عن لغة الضاد خير الجزاء
