الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الثقافة"

هل تنقص المرأة، بعض المواهب الفنية ؟

Share

أردت أن أطالع كتاباً للروائية « بيرل بك » ، التي قالت هذا العام جائزة نوبل للآداب، فما كنت أذكر أنى أقرأ لامرأة ، حتى استوقفت ذهي حقيقة وضعتى موضع المتأمل : تلك الحقيقة هي أنى لم أقرأ بعد حتى اليوم شيئاً لامرأة كيف وقع لى ذلك ؟ وكيف لم ألتفت إلى هذه الثغرة فى مطالعانى قبل الآن ؟ وما تلك اليد التي وضعت على عينى فلم أو أدب المرأة كما رأيت أدب الرجل ؟

من الأسراب في القول ان ازعم اني ثم اقرا في الصغر شعر الخنساء ، أو لم أعجب بعنان جارية الناطفي ، كما أني معترف بأن مكتب لا تخلو من مؤلفات شهيرات النساء في أزهي المصور . غير ان الذي استطيع ان اففي به دون أن أكذب ، هو أني لم أفتح هذه المؤلفات ، ولم أكر يوما من قراء كاتبة من الكاتبات ، لا ينبني أن يفهم من هذا أبي أهل شأن المرأة عن عمد ، أو أبي أنكر عليها الموهبة والنبوع . الأمر على النقيض . فأنا أقف من نفس وقف المعاتب العنف ، لا موقف القانع الراضي . ولقد اعشدت في كل شؤولي الفكرية ان اترك القياد

لنفسي ولغريزتي الفنية : فهي التي تختار لي ما ينبغي أن اقرا ، وهي التي ترشدني إلي ما يصلح عذاب لي ، وإفي لامر واجهات المكتبات في اليوم مرات منذ سنوات طويلة ، فاري كل ما يعرض بعجبني ، وبلذلي النظر إلي الكتب فجرد النظر ، وتأملها كما تتأمل المرأة الثياب الزاهية في الخوانيت .

ولو انى تركت الأمر لرغبتى والذى لاقتنيت حتى اليوم من الكتب ما يملأ قاعات، وتسكنى مع ذلك أقل الكتاب شراء الكتب، فأنا لا أشترى إلا لأقرأ ولا أقرأ إلا ما أحس بغريزتي الفنية أنه يحدث في مجرى تفكيرى أثراً . ولقد هدتني نفسي حتى اليوم فأحسنت هدايتي . ولقد راجعت اختيارها لى فألقيته في الحق أحكم اختيار فما بالها إذا قد صدقت عن مؤلفات النساء ؟

كان هذا موضوع تساؤلى الليلة ؟ وهبطت إلى أعماق ى، فاستكشفت الجواب : إن ميولى الفنية قامت منذ الصمر على عمادين : النزعة الفلسفية ، والتركيز في الأداء . لهذا اتجهت مطالعاتي إلى نوعين من الكتب : المؤلفات الجافة التي تتصل مباشرة بالفلسفة أو العلم ، أو المحتوية على مادة فكرية خالصة . ثم القصص التمثيلي ، وهو الوحيد من مظاهر الأدب الإنشائى الذى وجدته مبنياً . «التركيز» فى الأداء. هذان النوعان بالذات لم أجد للمرأة

فيهما أثراً بارزاً أو غير بارز. فليس للمرأة منذ أن ظهر لها إنتاج في تراث الفكر البشرى مؤلف واحد في مسائل الفلسفة أو شؤون الفكر العويصة . وليس المرأة حتى اليوم قصة تمثيلية واحدة اتخذت لها مكاناً في تاريخ الأدب التمثيل تلك ظاهرة عجيبة في طبيعة المرأة : إن المرأة منذ فجر التاريخ حتى اليوم قد برهنت على ذكاء عظيم ، ودقة إحساس تستثير الاعجاب . ولقد ظهرت في ميادين النشاط الفكري شاعرة فياضة بالوحى الالهى ، وناثرة قديرة على إيقاظ أنبل مواطقنا الانسانية ، ولقد استطاعت أن تكون ملكة وحاكمة وفائدة جيوش وسياسية محنكة وصانعة تماثيل ومصورة ومغنية وراقصة وعازفة كل شيء قد برزت فيه ، وساوت فيه الرجل ، وفاقته أحياناً ، وترك الناس فيه أحدوثة باقية وذكراً خالداً نعم ، كل شيء استطاعته المرأة خلا شيئين : أن تكون  (  فيلسوفة ) وأن تكون مؤلفة قصص تشيلي )

لماذا ؟ لماذا وقفت عبقريتها عاجزة أمام هذين " النوعين " ؟

باثري " التفكير " و " التركيز " صفتين كناقصتين عند المرأة ؟

لا أحب أن أقطع بذلك. ولكني أريد أن أقول إن الشعور » و « التحليل » هما الدعامة التي شيدت عليها المرأة كل آثارها الخالدة في تاريخ الآداب والفنون . فمن شاعرات العرب والإسلام وسافو ، إلى مدام دى ستال وجورج ساند وجورج إليوت ، إلى كوليت ومارى وب وكاترين مانسفيلد وسجريد أندست. كلمن قد ارتفعن متألقات في سماء الفن على أجنحة « العاطفة » الرقيقة . وكاهن قد أظهرن من البراعة في التحليل » ماقصر عن إدراكه كثير من نوابغ أهل الفن من الرجال .. و التحليل » هو الملكة التي لا بد منها لكل كاتب يعالج الرواية الخالصة . فهذا النوع من الأدب إنما يقوم على النفوذ الدقيق إلى نفوس الناس وضمائر

الأشخاص ، مع التفات خاص إلي كل ما يحيط بحياتهم من أشياء ، ومع عناية كبري بذكر التفاصيل التي تخفي علي العين العابرة ، والإسهاب في تحليل المشاعر المستقرة في نفس الكاتب كلما سمحت بذلك ظروف الموضوع . وهنا مجال التفوق بتسع للمرأة . وهنا استطاعت بالفعل أن تظهر من طول الباع وقوة الجلد علي تحليل التفاصيل ما أثبت النقاد الأدب من الرجال أن " الرواية الخالصة " نوع توشك المرأة أن ترفع عليه علم السيادة . ولقد قرأت ذات مرة كلمة دهشة لناقد قرأ رواية لمكانية انجليزية ذكر عنها بعض تلك الصفات التي تميز المرأة في كتابة القصة ، فتأملت يومئذ أنا أيضا الأمر وقلت لنفسي : " لا يجب ! إن المرأة تمسك " بالقلم " لتصنع قصة كما تمسك " بالأبرة " لتصنع ثوبا من " التريكو " وإن هذا الجلد من ذاك . وإن " القصة " النسوية بما فيها من تفاصيل دقيقة لشئون الحياة اليومية ، ومن إسهاب وإحصاء لتفاهات الحوادث المنزلية ، ومن وصف وتحليل لأبسط الاحساسات الداخلية ، ومن بسط وتجميل لكافة المشاعر الإنسانية . كل هذا ليس في حقيقة الأمر سوي نوع " من شغل الابرة " !

هذا في الأدب. أما في ألوان الفن الأخرى فالمرأة كذلك قد تخلفت كلما تطلب الفن ملكة ( التركيز ) والتركيز هو الصفة اللازمة للبناء». والبناء عمل يحتاج إلى شيء من التفكير، بل إلى شيء من الذهن الرياضي فهو ليس مثل التحليل » مجرد بسط التفاصيل (١) وطرح للمناصر. إنما هو اختيار ذهبي لخير التفاصيل وأصلح المعاصر التشييد جسم فاتم له فى ذاته حياة ، وله جال، وتنبعث من مجموعه فكرة.

لهذا لم تستطع المرأة أن تكون ( مهندسة » في من العمارة. ولم تجد لها ذكراً بين أولئك العباقرة من الرجال الذين شيدوا الهياكل فى الزمن القديم ، ولا بين مؤلا، الذين يقيمون الآثار الجميلة في الزمن الحديث.

فن الموسي أيضا تقف أمامه الرأة هذا الموقف الغريب . فهي عازية بارعة ومغنسية حذقة . لأن " شعورها " العميق بعينها على اداء الألحان خير أداء ولكنها ثم تستطع حتى اليوم ان تكون هي " واضمة الألحان . لم يشهد تاريخ الوسيتي " امرأة ملحنة " وضعت قطعة ساعدونية او تركت " أوربرا موسيقية ؛ لها ذكر بين الآثار الموسيقية المعروفة في التراث القديم أو الحديث . لماذا ؟ لأن وضع " قطعة موسيقة أو سانفونية هو ايضا " بناء وتشييد مثل بناء معبد او بناء قصة كثيلية

احسبي قد وصحت لنفسي وللناس سر صدوفي عن أدب المرأة . هنالك مع ذلك شئ آخر ، قد يكون سببا

لما تقدم أو نتيجة له ، لست أدري على وجه التحقيق . هذا الشئ وهو : ان كره في غالب الأحيان قراءة القصة . نعم ، لا مناص لي من الاعتراف بهذا الامر المخجل . ليس في صير ولا جلد علي مطالعة قصة خالصة ، وقد حرمت بذلك الإطلاع على كثير من أروع أكثر الأدب الحديث . ومن بينها بالضرورة أدب المرأة ، وهو كله قصص خالص .

كل شئ إذا قد باعد بيني وبين المرأة في مجال الخلق والفن . فانا أحب الفلسفة ، والقصص التمثيلي ، وفن العمارة ، والتوسيقي الساتفونية

أعمدة أربعة من عمد البناء الذهني يقوم عليها عالم في عظيم ، ثم تأذن الطبيعة للمرأة في أن تساهم في رفعه بنصيب

اشترك في نشرتنا البريدية