الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 289الرجوع إلى "الثقافة"

1 - حقوق المرأة

Share

في تاريخ المرأة مواضع ينبغي أن نقف عندها قبل أن ندرس حقوق المرأة في العصر الحديث . وقد اختلف الباحثون في شأن المرأة اختلافا كبيرا لا سبيل إلي تلافيه . ذهب بعضهم إلى أن المرأة مخلوق أدني من الرجل ، وإلي أن الاختلاف البيولوجي بينها وبين الرجل لابد أن يحدث اختلافا اجتماعيا . وذهب بعض النفسيين إلي أن المرأة ليس لها وجود قائم بذاته ، فهي تعتمد على سائر الناس الذين يلتفون حولها وتلوذ هي بهم ، فشخصيتها تتمثل في أبيها وزوجها وأبنائها ؛ أما الرجل فله شخصية مركزة فيه . وذهب بعض أصحاب الاقتصاد إلي أن مكان المرأة إنما هو المنزل والمطبخ ، وإلى أن واجبها يتصل بتربية الطفل فحسب ؛ أما منافسة الرجل في مجهوده الاقتصادي فهو ضار بها وبالجتمع . ثم ذهب بعض الشعراء إلي أن المرأة ملاك كريم ، وليس الغزل إلا صفحة من العلاقات الوجدانية بين المرأة وبين الرجل

وكل هذه النظرات التي أسلفنا جانبا منها ، تدل على أن المرأة وجدت نفسها منذ العصور الأولى في مر كز أدني من الرجل . وقد أثرت في مركزها أربعة عوامل هي التي وضعتها ذلك الموضع الأدنى ، ونريد أن نجمل هذه العوامل الأربعة فيما يلي :

خلقت المرأة أضعف من الرجل ، واختصت بقسط من العمل الجنسي غير قسط الرجل . وقد كان الرجال في معظم الحضارات قوامين على النساء ، ولأن المرأة كانت ضعيفة ، ولأن الرجل كان قويا فقد استضعفها في أكثر عصور التاريخ ؛ وقد تحيف حقوقها حتى أنزلها في بعض الأحيان منزلة الرقيق ، وحتى تصرف فيها كما يتصرف في أملاكه الخاصة . وهذا الاستضعاف هو أول هذه العوامل التي هبطت بمركز المرأة ، وهو أكبرها شأنا

ثم إنه قد غبرت عصور طويلة والإنسان يحيا حياة الخوف والحرب ، وكانت حياة الكفاح التي يعيشها الجنس الإنساني بوجه عام أدعي إلي أن توكل السلطة للأقوياء الذين يستطيعون أن يحموا أنفسهم وذويهم . وكانت المرأة مستضعفة ساكنة ، فكانت هذه الحياة الحربية الخطرة وبالا عليها ، لأنها أصبحت بضعة من المتاع الذي يسلبه المحاربون ، وكذلك تأثر مركز المرأة ، وجعل لها المكان الأدنى بعد الرجل في كل هذه البيئات المحاربة . فذلك ثاني هذه العوامل

ثم إن القوي الاقتصادية كانت كلها تعاكس المرأة في تاريخها القديم ، فحيث أرادت المرأة ان تشارك الرجل في الأعمال المأجورة التي اختص بها نفسه ، وجدت سياجا يحول دونها وتلك الأعمال . تعرضت المرأة في حياتها الاقتصادية لكثير من الغبن ، مما صدها عن أن تنافس الرجل في الصناعة والزراعة والتجارة وغير ذلك من الأمور ؛ فإنه لم يسمح لها بنفس الأجر الذي سمح به لنفسه ؛ وكذلك خرجت المرأة في هذه القرون الحديثة وهي كل على الرجل ، بل هي قد خرجت في حياتنا الاقتصادية الحاضرة وهي خصم للرجل ينظر إليها شزرا ، لأنها تشاركه الرزق ، ولأنها تتقاضى أجورا أقل مما يتفاضاه هو نفسه . فهذه القوي الاقتصادية هي ثالث العوامل التي أنزلت المرأة منزلة أقل من منزلة الرجل

وقد كان في تاريخ الفكر الإنساني جانب عظيم يدور حول عفة المرأة . وقد كانت المحافظة على عفة المرأة والاستعلاء بشرفها عن أن يمس ، السبب الأكبر لاعتزالها بمنأي عن الرجل . وقد أقامت الجماعات المتحضرة وغير المتحضرة وزنا كبيرا لفضائل المرأة الجنسية وعفاقها ، حتى لقد تأثر تاريخ المرأة بذلك أشد التأثر ؛ ففي عصور كان يحكم على المرأة بأن تقبع في عقر دارها ، ولكن كل عصر من هذه العصور لم يدم طويلا ، لأن كل شدة

في أخذ المرأة انتهت باللين ، وانتهت بفورة من التهتك والتبرج . فالمحافظة على عفة المرأة عامل رابع وجه تاريخ المرأة وجهة خاصة غير وجهة الرجل .

ولقد تأثرت منزلة المرأة الاجتماعية بهذه العوامل الأربعة التي ذكرنا ، لا فرق في ذلك بين جماعة وجماعة . ولنذكر دائما أن عمر الإنسانية على ظهر الأرض يمتد إلى أعماق سحيقة من التاريخ ، بحيث لا يقاس به هذا المدى القصير الذي أنتج الحضارة قديما وحديثا . وقد ورثت المرأة من الإنسانية تلك العوامل الأربعة التي ذكرنا ، حتى لقد ذهب خصوم المرأة إلى أنها لابد أن تبقى حيث كانت . على أن هذا الوضع نفسه لم يكن يحول في كثير من عصور التاريخ بين المرأة وبين بعض الحقوق . وإذا كانت قد سلفت بيئات تاريخية وجغرافية احتقرت فيها المرأة احتقارا شديدا ، كبيئات الصيد والقنص ، وكبيئات البدو ، فإنه قد سلفت أخرى ارتفع فيها مركز المرأة حتى كاد يساوي مركز الرجل ، كبيئات الزراعة والتجارة

ويذكر مؤرخو المرأة أنها كانت قد بلغت شأوا بعيدا في الحضارات الزراعية الأولى : ارتبطت بالخصب عند المصريين القدامي ، فلقيت كثيرا من ضروب التكريم ، وأصبحت الأمومة عندهم عنصرا هاما من عناصر الدين ونشأت من ذلك عبادة " إيزيس " ثم ارتبطت بالخصب أيضا عند البابليين ، وأنتجت الحضارة البابلية قانون حمورابي، ففي سنة 2350 قبل الميلاد، استطاع حمورابي أن يشرع للمرأة قانونا يرتفع بمنزلتها إلى الدرجة القصوي من الاستقلال والحرية ؛ فقد أثبت أن الزواج لم يكن إلا تعاقدا بين الرجل وبين المرأة ، وأنه ليس للرجل أن يتزوج بأكثر من واحدة ما لم تكن زوجه عاقرا أو مريضة مرضا لا سبيل إلى الشفاء منه ؛ وكان الرجل مسئولا عن زوجه : مسئولا عن الديون التي تستدينها ، وعن البيت الذي تأوي إليه ، وعن الميراث الذي يخلفه لها ولأولادها ؛

وكان الطلاق مباحا بيد الرحل ، فإذا طلق الرجل امرأته كان لها أن تحتضن أولادها ، فإذا أثبت أنها شريرة استطاع أن ينزلها منزلة الإماء ؛ وكان للمرأة أن تقاضي الرجل إذا شاءت ، فإذا أرملت استطاعت أن تحل محل زوجها في ملكية الأرض والوصاية على أولادها ؛ وكان للنساء أن يكن قاضيات وحاكمات وشاهدات وكاتبات . وكذلك تري أن مركز المرأة في شريعة حمورابي كان أرقي في كثير من الوجوه من مركزها في القرن التاسع عشر في أوروبا .

كذلك لم تحل هذه العوامل الأربعة بين المرأة وبين بلوغ بعض حقوقها في الحضارة الرومانية . ونحن نلتقي بالمرأة الرومانية في أول عهدها ، فإذا هي تابعة لأبيها ، وإذا مركزها القانوني نفسه يتصل أشد الاتصال بمركز الذين حولها من الذكور . لكن هذه التبعية ما تزال تهن ثم تهن حتى تزول ، فتخرج المرأة الرومانية في القرنين الثالث والثاني قبل البلاد ولها حظ كبير من الاستقلال والكفاية القانونية ! ثم تخرج من هدين القرنين وقد توثقت العلاقة بينها وبين زوجها ، ووهنت العلاقة بين الأب وبناته . وكانت الحياة الرومانية العامة هي التي جعلت للمرأة شخصية مستقلة محترمة ميزت الحضارة الرومانية عن الحضارة الإغريقية التي أهملت فيها المرأة إهمالا تاما .

والشريعة الإسلامية قد فعلت ذلك الذي فعلته شريعة حمورابي ، من حيث الطلاق والزواج والكفاية الذاتية وحرية التصرف ؛ وزادت على ما فعلته قوانين الرومان ، فهي قد جعلت للمرأة شخصية مستقلة وكفاية مدنية خاصة . والمرأة في الشريعة الإسلامية لا تفقد شخصيتها بقرانها ، بل تظل متمتعة بحقوقها كما يتمتع بها كل من كان حرا مستقل الإرادة ؛ وهي مطلقة التصرف في ثروتها تفعل بها ما تشاء في حدود القانون ؛ ولها أن تزرع وتتاجر وتفيد من أرباحها ، من غير أن ترجع في كل ذلك إلى

زوجها ثم لها أن ترث زوجها وبنيها ، وأن تدخل في المعاملات المالية ، وأن تطلب العلم ، وأن تسعي للرزق الحلال إن لم يكن لها من يعولها . نقول إن هذا جميعه زاد على ما قرره القانون الروماني ، لأن هذا القانون لم يجعل للمرأة شخصية مستقلة في أمورها المدنية . ونقول بل لقد زاد عما قرره لها القانون الإنجليزي في القرن التاسع عشر ، لأن القانون الإنجليزي لم يعترف باستقلال المرأة وكفايتها في الأمور المدنية إلا في أخريات هذا القرن .

يتبع

اشترك في نشرتنا البريدية