لم اشعر قط وانا فى الثانية عشرة من عمرى أكتب ابيات الحب الاولى أنى اطمح الى شهرة ادبية أو محاكاة شاعر كبير ، كان همى فى ذلك الوقت ان اتحدث الى نفسي ، واعرف منها ما خفي عني منذ احسست بالزلزال فى اعماقها البريئة ووقفت وجها لوجه امام المرآة طفلا من الاطفال لاسلاح لي فى دنيا العواطف ولازاد .
وسرعان ما احسست برغبة جامحة فى مواصلة التجربة لكنى تخليت عن الحب وصغت أبياتا لا أذكر شيئا منها قد تكون فى الازمة التى عاشها الشعب فى السنوات الاولى من الخمسينات واشتداد الضغط الوطني على الاستعمار الفرنسى ، وأفضت بى الدراسة الى الجلوس على مقاعد المدرسة العربية الفرنسية بالقيروان امام محمد الحليوى ، أحد اعلام مجلة "ابولو" وصديق الشابى الذى لم اكن اعرف عنه فى ذلك الوقت سوى انه أديب كبير لا يقاس بمثله من اساتذة المعهد ، واكتشفت نفسى على يديه رغم حدة فى طبعه آذتني أول الامر ولم تلبث ان تحولت الى صداقة متينة وعلاقة تواصلت الى آخر ايام حياته - رحمه الله - اذ كتبت افتتاحية كتابه الاخير " مباحث ودراسات " واشرفت على طبعه - وبدأت اكتشف مع محمد الحليوى روائع الادب ، فكان يعطيني من مكتبته الخاصة كل نادر نفيس ، ويقرأ علينا آخر مراسلاته مع رشيد سليم الخورى واذكر انه أول من لفت انتباهى فى الخمسينات الى قصائد نزار قبانى المنشورة فى الآداب ، وهكذا كان اللقاء الادبي الثاني الذي زاد فى اغرائى بسحر الكلام واكتشفت فى نزار قبانى هذا الشاعر الذى لا أكاد اتبادل معه التحية كلما التقينا ولكنى أعده أهم ظاهرة في الأدب المعاصر بعد جبران خليل جبران . ورغم اعجابي المبكر بقبانى فانى تجنبت مجاراته فى الشعر الحر وأعتقد ان البيئة القيروانية كان لها دور كبير فى هذا الموقف ، لقد كانت
القيروان عاصمة الأدب والفكر ، فلما ضاع منها الملك لم تفرط فى ميولها القديمة وهاجر منها السلطان ولم تهاجر الكلمة الجميلة .
وفي هذا العصر الذي حمل فيه ذكر الأدب بقى للاديب فى القيروان شئ من مجده القديم تحترمه العامة والخاصة ويشار اليه صمتا وايماء حين يمشى فى الطريق واحتفظت المدينة أيضا بسنة المجالس الادبية التى تدور فيها المساحلات فكان الشاب المتأدب ينظر الى هذه الحلقات بلهفة واعجاب ويتهيب ارتيادها ما لم تصقل اداته ويفتح له الطريق ، ولكن ادباء القيروان كانوا ينصتون إلى محاولات الهواة وبعضهم ممن جمعوا بين صناعة الادب ومهنة التعليم يحسنون تشريح تلك المحاولات وإصلاحها . على أنى لم اعرض قصيدة واحدة من قصائدى الاولى على استاذى محمد الحليوى الذي كان يشجعني في القسم - كما قلت - ويشير الى انكبابي على قرض الشعر أحيانا اثناء حديثه عن حظ الاديب في المجتمع قائلا : هذا ما ينتظرك ان شئت ان تكون شاعرا فكنت اتتلمذ على الحليوى فى الادب باكتشاف أعلامه والاطلاع على تياراته الحديثة وتذوق نصوصه الجميلة وفي نفس الوقت اشحذ اداتي لدى شعراء المدينة مثل محمد مزهود والشاذلى عطاء الله ، علمني شعراء القيروان اختيار الكلام وعدم التسامح في بناء هيكل القصيدة وكنت أحس ان اذواقنا لا تتفق وهم لا يحرجون بذلك ، بل يحبونه ويشجعون عليه .
وصادف ان شيخ الشعراء الشاذلى عطاء الله حملنى ذات يوم قصيدا الى ناشر وقرأته فوجدت ببيت منه خللا فاقمته ولما أعلمته بالكلمة التى زدتها قال لى متهللا : تلك هي كلمتى نسيتها بالدواة ، أما انت فلا خوف عليك منذ اليوم .
واندرج شعراء القيروان فى سلك شعراء العكاظيات ، اى الشعراء الذين يشاركون في الاعياد الرسمية والمسابقات التى تنظم بالمناسبات الوطنية ، وكنت أغمز بالمداحين في شعري ، فلا يضيقون بي ولا يغضبون ، بل كثيرا ما يعبرون عن اعجابهم كما حصل ذلك حين قرأت عليهم قصيدة الاصنام التى خاطبت فيها القيروان قائلا :
يا قيروان بماذا عدت من سفري لم يبق لى فيك الا الظل من ذاتي
اين الاحبة اين الأنس أنسهم وهل يعود لنا صفو المودات
كنا هنا كطيور الايك يجمعنا راد الصباح وآصال العشيات
فشرد السرب وانفضت مجالسنا واغتال حلم بنيك العاصف العاتي
مازلت تحتملين الدهر في جلد وتصبرين على كل الملمات
كم في جهادك من درس وموعظة ومن براهين للدنيا وآيات !
وللعروبة كم أعطيت من بطل جاز البحار باحكام الرسالات
دار الزمان وصادتنا غوائله ونكس العرب هامات ورايات
يا قيروان وانت العز موطنه ماذا احدث عن أهل الخيانات
ثم التفت الى شعراء المديح فقلت لهم :
لا تحسبوا الشعر الفاظا مكبلة تحنى الجباه بأعتاب البلاطات
ذل المديح وذلك كل قافية لم تنفجر مثل الغام العصابات
رصاصة الحرف ان سددت طلقتها تطوى العصور وتجتاز المسافات
وفي عيون طغاة الأرض عاصفة نثيرها نحن قبل الانقلابات
ذلك هو العامل الاول من عوامل البيئة : القيروان وشعراؤها ، أما العامل الثاني فالعاصمة تونس والاحتكاك بوسط ادبى جديد يتميز بالتنوع والحركية والمشاكسة أحيانا . بدأ هذا الصدام مع الواقع الجديد فى المبيت المدرسي حيث لم أعد ألقي ما يلقاه الأديب في البيئة القيروانية من عناية اللهم ما شملنى به الاستاذ عمر الجمالى وهو قيرواني الاصل من عناية ثم تطور هذا الصراع وانتقل الى المدينة والتحول الكبير الذى حصل فى ذلك الطور هو اتصالى باسرة الفكر التى كان يرأس اجتماعاتها الاسبوعية الاستاذ محمد مزالي بنفسه وقد نشرت في المجلة بعض القصائد قبل أن التحم بتجربتها طيلة الستينات ولابد ان اذكر ان مدير المجلة دعاني في زيارتي الأولى لحضور تلك الجلسة فكنت استمع باحتشام الى ما يقرأ على اسماع كبار الادباء والنقاد المجتمعين بنادى قدماء الصادقية وفجاة رأيتني استوقف الدكتور غازى الذى جاء بقصيدة لأقيم له وزن بيت مختل ، وتكرر ذلك مرتين ، فالتفت الاستاذ زين العابدين السنوسى - رحمه الله - وسأل عني - ولعله جاء متأخرا عن دخولى الى النادى - فقدمنى له مدير المجلة وطلبا مني معا أن أنضم الى الأسرة وأحضر جلساتها الاسبوعية وقد ذكرت ذلك في القصيدة التى حييت بها مجلة الفكر فى عيدها الخامس والعشرين حيث قلت :
يا رعى الله ركن ناد صغير لفه الصمت فى الدجى والجلال
جئته خائفا بجيبى قصيد وعلى الوجه حيرة وسؤال
حدجتنى به عيون وقالت : كيف يرتاد جمعنا الاطفال ؟
وانبرى سيد بشخصى حفيا ودعانى لقربه حين قالوا
قد رأى فى الصبى ما لم يروه ووقاه العثار منه انتشال
وكذا المصلحون فى كل عصر لهم فى الغيوب سبق وفال
ثم كانت بداية فى حياتي وعلى البدء قد يكون المآل
كنت فى نفس الوقت اكتب بتوجيه من احد اساتذتي اللامعين فى مجلة التجديد التى كان هو احد اعضاء اسرتها وكان يغلب على هذه المجلة التى ضمت اسرتها بعض الشيوعيين طابع الالتزام ، ولكنى لم استطع ان اثبت امام اغراء الاتجاه الحر لاني ميال بطبعي رغم طفولتى البائسة التى تهيئني للدفاع عن قضايا المحرومين الى حرية الكتابة ، وهذا الاتجاه عرضني لحملات عنيفة فى الصحافة من انصار الالتزام الذين أعد فيهم كثيرا من الاصدقاء ، وأظنني تجنبت فى ذلك الوقت مواجهة جبهتين فى آن واحد جبهة الشعر وجبهة الالتزام ، وكثيرا ما الفنا جبهة واحدة أو لعلي قصدت تجزئة الصعوبة كما يقال....فكتبت بعض القصائد المتحررة من البحر لاقامة الدليل على ان الحرية فى الشعر لا تكون مطلقة وان كل فن له قيوده الذهنية التى لابد للفنان ان يقبلها عن طواعية ومما نشرت فى هذا اللون قصيدة " الملاح " التى اتحدت فيها صورة البحار المتعب الباحث عن الارض بصورة العاشق اللاهث الى عينى حبيبته ، وجاء في لوحتها الثانية :
اذا ولى من الآفاق ملاح
بحبات من الياقوت والالماس والجوهر
وما فى بحره الابيض والاسود والاحمر
من اللؤلؤ لا أغرى ولا أغرب
واصداف مدى الأيام لم تثقب
عليها الشمس كم حطت لكى تشرب !
وسر النجم كم أمسى لها يتلى !
اذا ولى
وراح يلملم الاصداف فى زهو ويستائر
ويستجلى ويستحلى ويستكثر
أنا انظر
أنا انظر
الى عينيك فى صمت
فالقى فيهما اكثر
وكان يريعنى من جماعة الالتزام انهم يتاجرون بالقضية فقد تكاثر شعراء الثورة الجزائرية ممن لا يستقيم لهم بيت واحد كما تكاثر اليوم شعراء الثور الفلسطينية ومن لا يشترى الشهرة والنجومية بتمجيد ابطال الاوراس ومحنة المعذبين فى السجون ؟
عشرات الاسماء ظهرت كالفقاقيع وانطفأت بانطفاء الثورة وقد احسست فى وقت من الاوقات بأنى اتنكب عن الشعر والالتزام تحديا لدعاته المتزمتين حتى وجدتنى وجها لوجه مع القضية تلاحقني حيثما سرت وتطوقني حيثما اقمت وتأملت فى الامر فوجدتني لا التزم ابتغاء مرضاة جماعة من الناس او فرارا من تهمة النقد العنيف بل يقينا واقتناعا وتقبلت الامر رضي النفس مرتاح الضمير كان ذلك أول الامر بعد نكسة 1967 فصورت تحت عنوان ( سائح عربي في باريس ) مشاعر الغربة والانكسار فى البيئة الاوروبية المعادية على أثر الهزيمة .
يخيل لى أن كل العيون تعيرنى عندما تنظر
انا عربى هنا بينهم علامته لونه الاسمر
على وجهه حزنه ظاهر وفي قلبه جرحه يقطر
ارانى غريبا على ارضهم وفى وطنى غربتى اكبر
وقد نشرت هذه القصيدة فى الملف الذي اعدته مجلة الآداب البيروتية عن النكسة واحسست فى ذلك العهد ان كل شىء تغير وان الحب لم يعد له طعم الامس وان الصراع عن الالتزام اصبح غير ذى معنى وزاد في تعميق هذا الاحساس احداث جدت بتونس وغيرت مجرى السياسة كانت فيها محاكمات ومراجعات ايديولوجية فأنشأت قصيدة جرت لى كثيرا من المشاكل طالعها :
يسود بحكم العسف غر وجاهل وتؤكل اكباد لنا وقلوب
وكان للاستاذ محمد مزالي مدير مجلة الفكر فضل نشرها فى تلك الظروف العصيبة ، وكان نشر هذه القصيدة بداية مواجهة مع السلطة لا يتسع المجال
لذكرها وذكر تفاصيلها ، ظهر ذلك في قصائد كاملة وتارة فى ابيات بالتورية والتلميح وتغذت هذه المشاعر القومية بمناسبة مؤتمرات الادباء العرب التى كانت تنعقد بعواصم عربية لها تاريخ نضالى بارز مثل دمشق والجزائر ولقائل ان يقول : انها شعر مناسبات وانا أسال هل توجد قصيدة واحدة ليست لها مناسبة ؟ فالحال الشعرية هي مناسبة القصيدة ولكن الشاعر هو وحده القادر على اقتناص المناسبات الحبلي بالخصب الشعرى وتجاوز الحالات الانفعالية المتكلفة التافهة . هل يستطيع الشاعر ان يخلق مناسبة القصيدة ؟ انا اجيب : نعم ولم لا يكون الشاعر فى عمله الابداعى شبيها بكل فنان يحذق فنه فيعد ريشته واصباغه او ازميله او الآلة التى يستلهم منها الحانه .
حدثني الشاعر محمود حسن اسماعيل - رحمه الله - فى بلغراد وكنا التقينا آنذاك في الامسيات الشعرية لمقدونيا عن الظروف التى لحن فيها الموسيقار محمد عبد الوهاب رائعته الفنية ( دعاء الشرق ) ، وقد يكون محمود حسن اسماعيل حكى ذلك لغيرى من الناس فصدقوه أو لم يصدقوه ولكنى ما زلت أرى فى الجو الذي انشأه الملحن فى ليلة من ليالي القاهرة جمع فيها لوازم المتعة المادية والروحية جوا خليقا بألف ليلة وليلة ، وهو فى نظري مناسبة لاذكاء عواطف الفنان وصقل آلته الفنية ، واظن ان بعض المدارس النقدية أورثتنا افكارا جاهزة كبلتنا بتصورات خاطئة ، ولفرط ما كفر الناس بالمديح ولفرط ما تعلقوا ايضا فى نهاية القرن الماضى ومستهل هذا القرن بالتصور الرومنسى للشعر والشاعر أصبحوا يتأففون من كلمة المناسبة ولا أدرى ماذا يبقى لنا من الشعر العربي لو رفضنا شعر المناسبات دون الاعتماد على مقياس فنى واضح ولا استشهد بالمتنبي الذي اضطهده النقد بمدائحه فى سيف الدولة وكافور ، ولكن الم تكن قصيدة المعرى ( غير مجد فى ملتى واعتقادى ) . قصيدة بمناسبة ؟ انا ارفض ان يكون الشعر فيضا واشراقا يتلقاه الشاعر فى غيبوبة المتصوفين فيكتب أو يتكلم وهو لا يشعر حتى اذا استيقظ من غيبوبته التى غلبت عليه وجد فى جيبه قصيدة الشعر عملية خلق عسير تتضافر فيها كل طاقات الانسان الحية لتصنع من اللغة الآلة خلايا نشيطة تتحرك وتنمو في كيان متناسق ومتناغم وتجد مجالا لنموها وتوالدها في ذهن القارىء وخياله ، كيف تحول الكلمة الجامدة الى خلية ؟ تلك هى العملية الشعرية التى يسميها الشاعر الفرنسي رمبو " كيمياء البيان"
انا أرفض مفهوم الشعر الفيض الذي يحول الشاعر الى اناء جامد تنهمر عليه شابيب الوحى فشياطين الشعر كلها ماتت الا شيطانا واحدا هو الموهبة والموهبة ليست قوى خارجه لامكان فيها لارادة المتلقي انها فى نظري مجموع الاستعدادات
الفطرية للتفاعل مع الكون والناس والقدرة على الدخول فى حالة انفعال خصب ، ومراجعة نتيجة هذه العملية الانفعالية على الآلة الفنية التى نعد من عناصرها الذوق والثقافة المعرفية ان صح التعبير والتجارب الشخصية فاذا عرضت القصيدة على اجهزة هذا المخبر الدقيقة وطفرت ببطاقة المرور او الظهور واجهها امتحان آخر هو لقاؤها مع الجمهور .
والشاعر العربى يقرأ حسابا لجمهوره منذ القديم لأنه يعتمد الاعتماد الكبير على الانشاد ويطلب الطرب وقد عملت الثقافات فى تطوير الذوق العرب وتنازلت الذاكرة عن كثير من حقوقها المكتسبة واصبح الشعر يقرأ كثيرا وتطرب قراءته مثلما كان يطرب انشاده ولكن العربى بقى فى قرارة نفسه مستمعا للشعر حتى اثناء قراءته له ولقد رأيت فى بعض اللقاءات الشعرية بالمشرق حالات من الانفعال اثناء الاستماع لشاعر كبير يحسن الاننشاد تركتني مدهوشا وجعلتني اتساءل الا يكون هذا الانفعال الشديد دليلا على اننا مازلنا بدائيـى العواطف ؟ صحيح ان الطرب كان متعة الشعر الاولى وان جيوبا كثيرة شقت بحق او بغير حق في تاريخ الأدب العربى ، ولكن الغريب ان جمهورا مثقفا كما لاحظت ذلك فى بعض المرات ينفعل بحدة لصراخ شاعر قوى الصوت عصبي الحركات اذا نظرت في قصيدته مكتوبة وقراتها بهدوء لم أجد فيها ما يبرز فى نظري غيبوبة الجمهور .
هل معنى هذا ان الشعر يقرأ ولا ينشد وان طرب الجمهور للقصيدة شهادة ادانة لها ؟ لا ولكن طرب الجمهور لا ينبغي ان يكون المقياس الوحيد ولا الاول . لأن العمل الفني احببنا أم كرهنا هو عملية ابداعية راقية لا تتجه الا لمن أوتي القدرة على ادراك أهميتها وعناء الفنان فى ممارستها وبراعته فى الخروج منها بتلك الحصيلة وانا لا اعطى الحق لكل الناس فى تقييم قصيدة شعرية اما الانفعال فيمكن ان تكون اسبابه كثيرة ، وهذه الاسباب منها ما هو ظرفى عابر كالشعارات السياسية بمعنى ان ما يطرب جمهورا ما قد لا يطرب جمهورا آخر لا يدين بنفس الافكار ولا يعتنق عين المبادئ اما الطرب الذي يصلح ان يكون مقياسا للجودة فهو الفرحة الفنية ( La Joie Esthetique ) التى تبقى من نصيب كل الاجيال وهو لذلك لا يكون عنوان الجودة فحسب بل عنوان الخلود ولكن الشاعر يواجه اليوم مشكلة خطيرة فى انصراف الناس عنه الى متع أخرى هيأتها الحضارة الجديدة وزهد الناس في الشعر شرقا وغربا - حقيقة لا تنكر ولا يفيد الشعراء شيئا ان يشتموا الادب ويسبقوا اعداء الادب الى الحط من شأنه طمعا في ان تكفر عنهم ثوريتهم المزعومة ! ان ازمة الشعر ناتجة عن انقلاب حضارى لا تراجع فيه لقد انتهت حضارة الادب وقامت حضارة العلم واذا
اعتبرنا ان هذا الانقلاب ستعقبه صحوة فكرية تجدد مجد العواطف لا محالة لان الناس مازالوا مسحورين بفتوحات الآلة فلا نظن ان الانسانية ستستعيد حضارة الادب من جديد ! ربما ينقض هذا الغلو المشهود فى الحط من شأن الكلام ولكن لن يجد الشعر على المدى الطويل مكانا آخر غير مكان التسلية المريحة فى نشاطات الانسان الجديد .
وأود ان اختم ببعض الملاحظات عن تجربتى الشخصية مع الشعر :
1- يخيل لى فى بعض الاحيان ان لى رغبة فى انشاء قصيدة جديدة فأنساق مع هذا الميل ولكن سرعان ما أجدني أكتب أبياتا لا ترضينى فأرفضها وتتكرر المحاولة مرتين أو اكثر ثم تتهيأ لى ظروف احسن بعد هذه المحاولات فتأتى القصيدة الحقيقية بسرعة كبيرة وبلا عناء .
2 - كثيرا ما تفوتني كلمة فى بيت وابحث عنها بجهد كبير فلا القاها فأترك لها بياضا في المسودة حتى اذا ظننت انى ساسقط البيت كله لفقدان ظهرت كالجمرة من تحت الرماد .
3 - احب كثيرا ان اقرأ شعري على أهل الذوق وقد استفيد من صمتهم حيث انتظر التفاعل مع البيت او المعنى اكثر من ثنائهم على مواطن لم تلفت انتباهى .
4 - قل ان اتعلق بقصيدة انشئها اكثر من اسبوع او اسبوعين ولكن نغمة تلك القصيدة تبقى مسيطرة على حتى اكتب القصيدتين والثلاث قصائد على نفس البحر فمثلا بعد ( رهان على الحب ) وهي على البسيط :
الكون عيناك لا شمس ولا قمر والروض خداك لا غصن ولا ثمر
جاءت ( حلم السندبدباد ) على نفس البحر :
ناجيت فيك خيالا سره بلوى وانت يا حلوتى احلى من النجوى
وجدتنى ذات يوم غير عابئة وكنت اشرب من عينيك لا أروى
وقصيدة ( عصفور الصباح ) التى اهديتها لابنى الثاني في عيد ميلاده الرابع :
يا طلعة الفجر من نومي تنبهني وبسمة الصبح فى مهدى تحييني
5 - قد أنشىء قصيدة كاملة ولا احتفظ الا بالجزء منها كما هو الشأن بالنسبة لهذين البيتين :
أفديك يا وردة بيضاء قد سكنت قلبي كما يسكن العطر البساتينا
لو كنت لى حدثت في الكون معجزة ماذا اكون انا ... ماذا تكونينا ؟
6 - ارانى ميالا الى الصور البحرية رغم نشأتى بمنطقة غير بحرية لذلك تجد خيطا يجمع بين قصيدة ( الملاح ) ( وحلم السندبدباد ) التى جاء فيها :
واننى سندباد عاد مبتهجا على سفينته الحبلى بما يهوى
فعانقيه وضميه مساعدة فانه متعب مازال لا يقوى
وبين القصيدة الاخيرة ( الساحرة ) :
لانك لم تعرف الحب قبلى لان النساء على كل لون وشكل
لان البساتين لا تنبت الورد في كل فصل
وان الطبيعة لا تمنح الخصب فى كل حقل
لانى أحب بعنف واطلب فى العنف مثلا بمثل
فاني ساقتلك اليوم حبا وحبك يعنى كذلك قتلى
سئمت الكلام الذي حفظوه عن العشق والعاشقين
فقل لي كلاما بلا ذاكره
فكل المواعيد الغيتها من سنين وما زلت فوق دروب الهوى عابره
تعبت من البحر والشمس والموجة الثائره
سواحلك الزرق اشتاقها لارتاح فيها من المهاجره
فحسبي انك لى شاعر وحسبك اني انا الساحره
فخذني اليك ووزع شعورى على كتفيك
فانى وجدت اتجاهي والقيت رحلى
لانى أحب بعنف واطلب فى العنف مثلا بمثل
ساقتلك اليوم حبا وحبك يعنى كذلك .. قتلى

