بعد أن تناول الكاتب فى الجزء الاول والثاني من دراسته بالبحث خصائص الفكر التونسي الحديث وبين أهم المدارس التى كانت الباعث لمختلف التيارات الفكرية ها هو يحلل فى هذا العدد مجالات الفكر التونسي
من المنافذ ) * ( التى شعت وتعددت فى ربوع البلاد ، والتى يرجع بعضها الى ما قبل الحماية الفرنسية ، خلص الفكر التونسي الحديث الى : انواع المعرفة العصرية ، يستكمل منها بناءه ، ويثرى بها تكوينه . ولمزيد من التعمق في التحصيل اتجهت نخبة من الشباب المتعلم الى اوروبا للتخصص فى جامعاتها بينما تولى فريق ثان اداء رسالته فى الاجيال الصاعدة ، ونحا فريق ثالث للعمل الاداري بوفر منه قوته فى غير انقطاع عن النشاط الاجتماعى البناء
وتفرقت السبل بكل فريق غير ان الشواغل الوطنية كانت تجمعهم فيما اعطوا من انفسهم لامتهم ووطنهم . فاذا انحاز البعض لناحية من النشاط السياسى او التربوى او الاجتماعي عادت روح الثورة والاصلاح ونزعة التطور والطموح تشدان الجماعة الرائدة الى بعضها بنيانا مرصوصا للوقوف بالمرصاد فى وجه الاطماع ثم لاقتياد الشعب فى معارك النضال ضد الاحتلال ودعم معنوياته كيلا تخور عزائمه ، ولا يفقد اتجاهه على درب التحرير المسلح . . ولا فى هدأة استجماع القوى لكر جديد .
وهكذا هب قادة الفكر السياسي لقيادة المجاهدين فى ثوراتهم ضد 1- جيوش الاحتلال اثر توقيع معاهدة الحماية سنة 1881 وظهر نشاط الفكر التونسي في مجال : السياسة والمقاومة .
" . . واتخذت عندئذ مقاومة الاستعمار الاشكال التي سمحت بها الظروف والتي راها قادة الفكر في ذلك العهد من اهل النخبة الموجودة في البلاد . ومن هنا جاءت حركة جريدة " الحاضرة " (19) ثم بعدها حركة " التونسي " (20)
" فالحركة القومية بدات على ايدى رجال كان لهم شعور بحال بلادهم وثقافة مركزة امتلات بها نفوسهم هما وغما ، فخرجوا من فترة السكوت الهمسات في الزوايا ، الى مرحلة الكلام المكتوب والمنشور بالصحافة . ولو اردنا امعان النظر فيما كانوا يكتبون لوجدنا من بينهم : فريقين ، ولو انهم كانوا يعملون سويا :
فريق يجتهد لزرع بذور الاعتزاز بالتاريخ وبالماضى والعروبة والاسلام ، المحافظة على الكيان ، وعلى الشخصية ، ومميزاتها ، وخصائصها
وفريق غلبت عليه الثقافة الفرنسية يعمد الى مطالبة فرنسا نفسها بتحسين حالة التونسيين ورفع الضيم عنهم والغاء الفوارق بينهم وبين الفرنسيين ) 21 ( .
وكان من دعاة الاتجاه الاول نخبة من علماء الزيتونة المتفتحين وخريجى المدارس العصرية المعتدلين امثال : محمد السنوسى ، والمكى بن عزوز محمد بيرم ، والبشير صفر ، ثم الخضر حسين ، وعبد العزيز الثعالبي وحزبه .
اما الفريق الثاني فيمثله على بوشوشة ، وعلى باش حانبه وانصارهما وفي سنة 1929 ظهر على مسرح القيادة السياسية فئة من الشباب المتخرج من جامعات اوروبا يتزعمها محام ثائر هو الحبيب بورقيبة ) 22 ( الذي لم يكن مقتنعا لاول عهده بالانضمام الى الحزب الحر الدستورى التونسى - بجدوى المحاولات التى جربوا بها تغيير سياسة الاحتلال لصالح المواطنين ، ولم ير لقادة الحزب انذاك خطة واضحة ، ولا غاية محددة ، ولا تنظيما مرسوما
وبهدى من ثقافته العميقة ومشاهداته الواعية لما كان يجرى داخل مجلس النواب الفرنسي من جهة ، وفي ميدان الصراع الحزبى بين اليسار واليمين في باريس من جهة ثانية ، حاول ان يرد على الحركة الوطنية ما فاتها من مقومات العمل المركز . غير ان الايام تكشفت عن اختلاف جوهرى فى وجهات النظر بين فريق الشاب وحزب الشيوخ . . وانتهى الامر الى انفصال الفئتين عن بعضهما وانقسام الحزب حزبين
ومع ولادة الاتحاد الجديد سنة 1934 بدأ القادة الشباب بتحديد اهدافهم التى استمدوها من تسمية الحزب نفسه ومن اجلها استبقوا لحركتها شعاراته الاولى " حرية ، دستور ، سيادة تونسية محضة " ، وبايمان وطيد شرعوا في
نطاق " الحزب الحر الدستور التونسى الجديد " بوضع منهاج واضح للنضال يقوم على ركيزتين اساسيتين هما :
أ - الشعب ، لجمع كلمته ، ورص صفوفه ، والاهتمام بتوعيته ، واثارة نخوته ومثله . ومن ثم اخذ مبدأ " الاتصال المباشر المستمر بجموع الشعب فى مختلف انحاء البلاد الى اوغلها ضربا فى الصحراء والجبال والبداوة - من ثم اخذ - اهمية قصوى لدى رواد الحركة الجديدة
ب - اهمية الخصم نفسه ، بدرس نفسيته ، وفهم خططه ، وتتبع اوضاعه ، وانتهاز البوادر المواتية من ظروفه ، وتحويل نوبات اشتداده فى جنب القضية الوطنية بلا وهن ولا خور . . والى هذا المقوم مرد ما عرف للحزب الجديد من مرونة فى الوسائل على استمساك عنيد بالاهداف ، ولم يستنكف عن توزيع العمل على مراحل موصله ، ليتصلب فى الحفاظ على مدلول السيادة
اما الراي العام الدولى فلم يكن بدرجة تينك الركيزتين من حيث الاهمية وان وقع الاهتمام بالاستفادة من تأييده
ودابت مدرسة " الحزب الحر الدستورى الجديد " تكون لنفسها - منذ البداية - مذهبا سياسيا واضحا ، وتقيم من تجاربها " ايديولوجية " نافذة استطاعت ان تثبت فى مراحل النضال على مدى عشرين سنة توجت باستقلال البلاد ، لتنهض من جديد باعتباره بناء الدولة ، واستكمال مقومات السيادة وتحقيق الاستقرار والعدالة والازدهار . . (23)
2- وانعكست جهود الاصلاح منذ المحاولات المبكرة على : الصحافة ، ابتداء من جريدة " الرائد التونسي " التى ظهرت سنة 1860 أول صحيفة تونسية مهدت باسلوبها الحديد ومقالاتها المتنوعة ثم بحرصها على نشر الاخبار المحلية المختلفة ونقل اهم الانباء الدولية وخاصة ما يتعلق بدار الخلافة الاسلامية والاقطار العربية - مهدت - لقيام صحافة وطنية ناجحة خلفتها فى اداء الرسالة القومية بعد ما عطلت سلطات الاحتلال نشاط الفكر فيها خوفا من مغبة الافكار التحررية التى كانت تروج لها فى صفوف الشعب الغاضبة . فكانت جريدة " الحاضرة " وما تبعها بالظهور من جهود صحافية مناضلة امتدادا لاتجاه اولى الصحف الوطنية استرد بها الفكر متنفسه للحركة ، والنشاط ، والتوعية
وعلى اعمدة " الحاضرة " و " التونسى " و " العمل " و " الزهرة " و " النهضة " وعدد هائل من الصحف والمجلات خاض رجال الاصلاح مختلف شؤون الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والأدبية والدينية وتعددت اتجاهات الفكر بين انصار القديم ، ودعاة التجديد
وحمي الجدل الصحافى فى القضايا الاجتماعية الحساسية ونالت قضية النهوض بالمرأة اهتماما خاصا من جهود الكتاب ثم الكاتبات ) 24 (
3- ومنذ اوائل القرن التاسع عشر والمجالس الثقافية والمعاهد العلمية والاندية الادبية تشهد نشاطا ثقافيا مزدهرا ، وخاصة على منابر الجمعية الخلدونية ) 25 ( ، وجمعية قدماء الصادقية ) 26 ( ، ثم فى غيرهما من اندية الشيوخ والكهول ، وفي جمعيات الشباب المختلفة
وفى قاعة الخلدونية القى الشيخ محمد عبده فى زيارته الثانية لتونس سنة 1903 محاضرته " العلم وطرق التعليم " ) 27 ( ، وعقدت له المجالس للمناقشة والبحث سواء من قبل انصاره ، او من طرف منتقديه ، واشتد جدالهم له فى مسائل كثيرة لم يخرجوا فيها عن تعظيمه ) 28 ( .
ولم يكن الشيخ عبده يجهل قبل ذلك وقوعه فى تونس على نخبة من علمائها تشاركه اراءه فى الاصلاح الدينى والاجتماعى والتعليمى ، فعهده بهذه الجماعة يرجع الى ما قبل زيارته الاولى سنة 1884)29 ( وكان لزيارته اثرهما الفعال فى تحريك الفكر ، وخاصة الاخيرة التى اعقبت جدلا عنيفا بين المحافظين والتقدميين من رجال الاصلاح
ثم عرفت الاوساط الثقافية بعيد سفر الشيخ عبده - سالم بن حميدة ، شابا ثائرا تخرج من المدرسة التأديبية ) 30 ( وجامع الزيتونة ) 31 ( عميق الثقافة حاذقا اللغة الفرنسية ، شغوفا بمطالعة انتاج كتابها ، وادبائها ومفكريها ، وسرعان ما اضفى عليه مجايلوه لقب : " الفيلسوف " ، وكان له من عمق النظر وقوة الحجة ، وتفتح العقلية ، وذلاقة اللسان ، وسرعة البديهة ، وقدرة
على الخطابة والارتجال ، وبراعة فى الانشاء ، ما لفت اليه الانظار بآرائه الجريئة ونزعته الثورية فى الميادين السياسية والاجتماعية والتعليمية .
وبدأت اراؤه فى النهوض بالمرأة تظهر بين تلاميذه بجامع الزيتونة ، وفى المجالس التى كان يعقدها بمقهى الديوان ) 32 ( ثم فى الاندية الثقافية وعلى اعمدة الصحف والمجلات
قامت دعوته على مساواة المرأة للرجل فى التعليم والعمل وسائر الحقوق ، ونادى بسفورها ، وانتقد بشدة تقاليد الاسرة والمجتمع فى تربيتها ، وحارب العادات السيئة المتبعة فى الخطوبة والزواج والمهور ولم يتردد فى الافتاء بمنع تعدد الزوجات ، وخرج لبث آرائه تلك فى جماهير الشعب ، ولم يبال بما لقى من صنوف الاذى بتحريض المحافظين ، ثم لم يتردد فى وضع مبادئه موضع التنفيذ فيمن انجب من بنات
وتخرج على طريقته فى اصلاح المرأة فئة من تلاميذه وتلميذاته ، كان احدهم المصلح الاجتماعى الاخر : الطاهر الحداد الذي الف " امرأتنا فى الشريعة والمجتمع " سنة 1930 لنفس الغرض ، وجر عليه من ضروب الامتحان والأذى ) 33 (
4- وانتعش : الادب - شعرا ونثرا باللقاح الفكرى الجديد :
فاتخذت الكتابة سبيلها نحو التحرر من السجع والمحسنات البديعية وان لم تزل قيودها مهيمنة على قلة من ايمة بعض الجوامع فيما يلقونه فى خطب صلاة الجمعة المحفوظة لا على غيرها من انواع فن الخطابة .
وظهرت المقالة الادبية : تاريخا وتحليلا ونقدا . وازدهرت المحاضرة وانتشرت الدراسات . .
وتعرف الاديب التونسى الى فن القصة الغربية بواسطة مترجمات بدأ بنشرها على اعمدة جريدة " الرائد التونسى " ابناء الحاليات الاوروبية ممن كان يجيد الكتابة العربية ، مثل قصة : " تهورات دون كويكشوط " وهي قصة اسبانية (34) .
وفى مسارح الجاليات المقيمة فى تونس اطلع التونسيون على فن التمثيل وفى سنة 1905 صدرت " الهيفاء " اول رواية تونسية من تأليف صالح
السويسي كما تكونث فى نفس السنة " جمعية النجمة " للتمثيل المسرحي باللغة العربية
وافاد زواد المسرح التونسي الأوائل من مشاهداتهم لما يجرى فى مسارح الجاليات الاجنبية ، وخاصة مسرح الجالية الايطالية الذي كان لها نشاط ملحوظ في هذا الفن . كما انتفعوا من تجارب الفرق العربية القادمة من المشرق مثل فرقة " سليمان قرداحى " المصرية ) التى جاءت تونس اوائل سنة 1908 ( وفرقة عبد القادر المغربي ) مصرية ايضا قدمت اواخر نفس السنة ( ثم سلامة حجازى ، جورج ابيض ويوسف وهبى
واقبل الكتاب على فنى القصة والمسرحية وحفلت الصحف والمجلات والمكتبات بالنتاج القصصى : اقصوصة وتمثيلية ورواية - وتنوع ما بين التأليف والترجمة والاقتباس وتعددت اصنافها بين القصة التاريخية الوطنية والاسطورية والرمزية والنفسية
ومهر فى كل ضرب من هذه الضروب كتاب قصاصون امثال محمود المسعدى وخليفة السطنبولى ، وعلى الدوعاجى ، ومحمد البشروش ، ومحمد بكير ، وحسن الزملي ، والبشير خريف ، ومصطفى الفارسي ، ومحمد رشاد الحمزاوى ، واحمد خير الدين ، وناجية ثامر ، والحبيب بولعراس .
وفى الشعر استمرت طريقة العمود الشعرى ، اغراضا ، واوزانا ، وقوافى لدى ثلة من الشعراء الاتباعيين ما زالوا يتوارثون صناعة القريض انطلاق من حفظ القصائد القديمة ، ومطالعة اشهر الدواوين ، والتروض على اسلوب الفحول . بينما اخذت قلة اخرى تتحس ذواتها وحياة المجتمع الذي تعيشه ، فنال الشعر من تفتحها نفحة من الاصالة ومسحة من التجدد فى الموضوع وفي الاغراض والمعاني ، وغدا له عند قابادو ، ومحمد السنوسى وسالم بو حاجب ، والباجى المسعودى ، ومحمود موسى ، عصر يحدده ووطن ينتسب اليه وشخصية اقل بحرانا في انماط التقليد . .
ونحا به سالم بن حميدة نحوا فلسفيا تارة ، التزاميا اخرى . كما جرى من قريحة الشابى ثوريا ماردا حينا ، رومنطيقيا سوداويا حينا آخر . وسال فى قصائد محمود بورقيبة شعرا عاطفيا رقيقا . وجاش بحيرة الهادي نعمان فى التوفيق بين الحياتين المادية والروحية ، والرغبة فى المجد والذيوع والانسياق مع الحاجة اليومية الملحة . فغرد انغامه الحائرة واغترفها من متناقضات وجوده المبرحة .
ومع منور صمادح . . تدفق الفيض حاميا ، وتوترت العاطفة مهتاجه بهموم الثائرين فى معارك التحرير فتحدرت فى ميزاب الشعر شظايا النقمة تمور على الطغاة باللعنة والثبور
كما افلت لدى سالم بن حميدة ، ثم محسن بنحميدة ، والعروسي المطوى ، ومصطفى الحبيب بحرى ، وعبد الرحمن الرحمان عمار ، ونور الدين صمود ، وجعفر ماجد ، ومحمد الصالح الجابرى ، والميدانى بن صالح . . - افلت - من تقاليد الوزن العروضي ، ووتيرة القافية المكرورة جريا على الانماط الشعرية الجديدة لتحرير المعنى في سياق التادية ، وصرف الفورة على مستوى تفجرها خاطرة الهام لا تكبلها القيود ، واشراقة ذات لا تعرف الحدود
وتفاوتت محاولات كل فيما اصابت من عمق الثراء الشخصى ، واصالة العنصر الوجودى ، واستواء الاداة ، على تباين خطوط القرائح من الصفاء والتحام الخاطرة الحية بوضوح الرؤى الشعرية ، ونمو الفكرة العضوى بما يجوس فى هيولاها من ثراء النضوج ، ورحيق الاختمار
