" وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما باطلا " - قرآن كريم -
حيثما اتجه نظرى ، اليوم ، ارتطم بأشباح الملالة . وكلما أصغيت الى حديث او اتجهت الى عمل ، اصطدمت بالتفاهة المريرة . حتى انى قد تقيأت مرارا ، وأصابني الدوار العنيف والغثيان . تثير أعصابي أتفه الاحداث وأحقر الاشياء . انه تطور مفاجئ فى مجرى حياتى ، التى كانت رتيبة ، تسير على نظام لا يتغير . . . القيام فى الساعة السادسة والنصف صباحا . تناول القهوة . الذهاب الى المعهد فى الثامنة . القاء بعض دروس فى الأدب العربى
لتلاميذ جياع ، مساكين . حتى يوم الاحد ، أو ايام العطل الرسمية ، فاننى قليلا ما أغادر المنزل لقضاء حاجة . . . وفي كل ذلك ما كنت احس بقلق ، او ضجر ، إذ أن العمل قد اصبح عادة ، منذ عينت استاذا للآداب ، بهذا المعهد فى هذا الريف الاخضر الجميل ، وحياتي كانت تتدرج ولا قلاقل تعبث بها . ولا " صدفا " تعتريها فتغيرها ! . . .
وها أنا اليوم ، اشعر بهذا الفيض العارم من الضجر والسآمة . . . إني ما كنت من الذين تثير اعصابهم صراخات اطفالهم الصغار . وما كنت أسمع فى احاديث المذياع بهتانا وأكاذيب ، ولا فى غنائه ، أو أغاني الحاكى ، خرخرة وطنينا . إن مجرد الموسيقى اليوم ، تبعث في أعصابي تشنجا واضطرابا . . فما هو مبعث هذا العرم من الملالة والقلق ؟ وما هو سبب هذا الفيض من التفاهة يجترني بعنف ؟ اني كنت ولا أزال ، من الذين يؤمنون بقداسة الحياة وهدفيتها . وما فكرت يوما ب " لا معناها " و " تفاهتها " ! فهل ستنقلب الآية ، ويعبث اللامعنى بقلبي البتول ؟ اللهم رحماك
- " ما بك يا استاذ ؟ ما بك تضطرب ؟ انه ليخيل الى ، ولا مؤاخذة ، أنك اصبحت كالوحش الضارى ، فى هذه الهيئة المزرية الحقيرة إنك ترعبني يا استاذ ! ! عيناك كالشهب ، زائغتان في فراغ ضائع ، لا حدود له ، يبدو أنه غاية فى الجدب والقحط ! ثيابك مهووشة ، قد عبث بها " اللامعنى " وبللها القئ . ما بك يا استاذ ؟ إنك تخيفني إنك مرعب ! إن شبح الموت يخيم عليك . . . آ ! ها أنك ، أخيرا ، تفيق من غيبوبتك ! "
- " بلى! بلى ! إن لعنتكم ، يا سوزان ، قد انصبت على ! انه الضجر ، اللعنة التى صبها القدر على " مدينتكم " ! إجلسى هنا ، بجانبي ، قريبا منى ولكن . . . كلا ! كلا ! دعيني وحيدا ! دقيقة واحدة ! من فضلك ! ان عطورك القوية ، تلفح شعورى ، وتزرع فيه يبسا وجفافا ! إنها تنفث فى سمائى ادخنة من " الضجر " والتفاهة ! دعيني يا سوزان . . ولكن ، قبل ان تخرجى ، اود منك ان تستدعى لى الدكتور ، فى الحال . مرسى .
" بلى إن شبح الموت يتراءى لى . ولكنه بعيد . إنه لا يزال طيفا خفيفا . جيوش من السواد والظلمة تتقدمه . وما ذلك الشبح الغريب ايضا ؟ . . فى مقدمة تلك الحيوش ، ابصر انسانا غريبا . . كلا ! انه ليس بانسان . له ذنب كخرطوم الفيل . ورأس كراس البعير . . . ولكن ساعديه ساعدا انسان . . انه " أبو هول " جديد ! ! يا للهول ! انه يحمل لافتة كتب عليها " مات الاله " ! . . مات الاله ؟ رحماك يا رب ! أين أنا ؟ أفي الجحيم ؟ ما هذه الظلمات التى تكتنفني ؛ ما هذه الخيالات التى تحوم حولى وتدور ؟ رحما . . ك يا . . . أخ - خ - خ - ٠٠
- " إسرع يا دكتور . إنه يتخبط ، ويصطك كالشاة الذبيحة . إنه يخمد . . . ويتكمش
- " لا تخافى يا مدام ! إنه مجرد غثيان سيفيق منه . يبدو أنه قد هذى كثيرا قبل وصولنا . أه . انظري ، ان الدم ينزرع فى وجهه . . بل قد بدأ يفيق رويدا ، رويدا . . بل انه يهم بالكلام . . "
- " لا ! لا ! ابتعدى ! دعينى من فضلك ! " . - " لا تخافى يا أستاذة . اتركيه لى ، ريثما اعالجه "
- " قلت يا استاذ انك القيت امس محاضرة ، فهل نجحت ؟ " - " يبدو أن الناس فى هذه الناحية ، لا يتميز المثقف من " المشقف " منهم . موضوع المحاضرة لم يكن عويصا ، فقد كان عن " المذهب الوجودى والاسلام " . ولكن الفتور الذى لقيته ، كان موئسا جدا . - " إذن ، خرجت من المحاضرة ساخطا ؟ . - " لست ساخطا تماما . - " وبعد رجوعك ، ماذا اعترضك من الاحداث ؟ .
رجعت مكدودا جدا . وطلبت الراحة . فاستلقيت على السرير . ولكن صراخ اطفالى جعل النوم يشمت بى ، وقد كانت امهم غائبة . كان بلامس عيني ملامسة لطيفة ، خفيفة ، ثم يزول . وقمت غاضبا فنهرت الأطفال ولأول مرة ، أشتم سوزان ، وقد كنت أعبدها ، ولا ازال ، منذ كنا طالبين
معا ، فى باريس . وأرجع لأطالب النوم . ولكن حدثا غريبا ، قد وقع بعد ذلك . فقد دخل الدار ، من حيث لا أدرى ، خمس ذبابات شهباء ، كبيرة ، وهي ظاهرة جد غريبة . ووقعت معركة عنيفة ، دامية : حاولت أن أنام ، وكبر مكر النوم بى ، فهو لا ينفك يداعبنى ، ويلاطفني ، ولكن خبث الذبابات كان يؤلمنى ، فقد كن يقضين على تلك المتعة . . بل زدن على ذلك مكرا . فكن يقعن - عمدا على وجهى ، ورجى ويدى . وكنت أول الامر اتخبط ، كالمعتوه فى حنق شديد ، حتى بلغ صبرى نهايته ، فصرت - وقد صغر عقلي
وتضاءل ، فاصبح كعقول الاطفال او المجانين : بسيطا بدائيا ، تافها - احاربهن ، وهن يشمتن بى . وخفت أن انتهى الى ما انتهى اليه أسد " لافونتين " ، من نهاية حزينة ، فعدلت عن تلك الحرب السخيفة . ولكن الحاحهن اشتد على ، فكنت كقاضى البصرة الجاحظى ، وبغتة . بزغت فى ضباب تفكيرى الاعتم فكرة شيطانية : استقمت جالسا وانتصبت كالحرذون ، او الحبينة ، او أحقر منهما من الحيوانات ، اتصيد تلك الذبابات . وفتحت يدى ، وكلما دخلت ذبابة بينهما ، اطبقتهما عليها . ولست ادرى ، هل دامت المعركة طويلا أم قصيرا ، اذ اننى قد نمت بعد انتهائها . ولكنني أذكر أن متعة لا نوصف قد غمرت كل احساسي . وإن اطمئنا وانشراحا قد استوليا على وأن ارتياحا قد غمر كل أعصابي . وقد أسفرت المعركة عن أربع قتيلات وفرت الخامسة ، طالبة النجاة
وبعد أن استيقظت فى المساء ، شعرت بأن أمواجا لا تحد ، من الحقارة والاشمئزاز تغمرنى . وشعرت شعورا عميقا - عميقا - بتفاهة الانسان ، وتفاهة هذه الأشياء التى يحيط بها نفسه ، وتفاهة هذا المحيط الذي يتخبط فيه . إنه مهما علت قيمته ، وارتفع مستواه فى الثقافة ، والعلم ، والاجتماع ، سيبقى دائما هو ، هو . ذلك الانسان الذى تأسره شهواته ، ويفقد كل توازنه لصراخ طفل بجانبه ، او لحشرة صغيرة حقيرة تعابثة . واى قيمة لهذا الانسان إذن ؟ واى قيمة لحياته اذا كانت السعادة فيها وهما وخرافة ؟ أليس ان وجوده ضرب من العبث ؟ ولكن . . . كلا ! إنه ما خلق فى هذا الكون إلا لامر عظيم . ومن المستحيل ان تتجرد حياته من " المعنى " و " الهدفية " وما هو فى وجوده هذا إلا حيوان " هادف " يسيره " نظام " هادف ! " .
وبعد الحادثة بيوم ، طلق الاستاذ معترك الحياة . وهجر زوجته سوزان ، واطفاله الأربعة ، وانطلق فى " الصحراء " وحيدا ، شبحا هاائما ، يحمل على ظهره قربة ماء ، وعلى كتفه مخلاة ، وقد ارتدى زى الرعاة ، إنه فى هذا الفراغ الضائع ، يبحث عن " المعنى " وينشد " الهدف " لوجوده ، ويريد الافلات من قيود " الضحالة والتفاهة " والتغلب على الضجر ، " لعنة " هذا العصر ، إنه يريد الامتزاج بالكون ، والاتحاد بالوجود ، والفناء في الله !
