الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9 الرجوع إلى "الفكر"

* اليم *

Share

. . التفت صالح مبتسما لزوجه نادية وأخبرها بانه قد تقررت ترقيته فى سلم وظيفه وأن هذا سيوفر لهما مزيدا من المال . ولما لم تعره نادية كبير اهتمام قال لها :

- ألا يسرك هذا النبأ ؟ قالت وهي الى مرآتها - قليلا - وضحى قليلا انى لم أفهم - لأن ما نتقاضاه معا من مال كاف ليسدد حاجاتنا المادية

- ولكن هذا يوفر لك الراحة ويعفيك من العمل خارج البيت ، وغدا يكون ابننا فى حاجة أكيدة لأمه فى البيت

- حتى ذلك اليوم ، هناك فاصل زمني ، ووقتها قد اجد السرور لترقيتك . . .

ولاطفها وهو يغادر البيت فلم تحول وجهها عن مرآتها . . كانت نادية تحس منذ ايام بفتور يقوى ويشتد . يكتفها ويشمل علاقتها بزوجها ، ولكنها كانت تنتظر هذه الحالة النفسية منذ البدء اذ انها قرأت الكثير عما يعرو الازواج من برودة عاطفية بعد مضي زمن عن الزفاف ، ولكن الذى ازعجها هو هذا السأم الهائل الذي يثقلها ويهمد جوامح ميلها نحو زوجها . . زوجها هذا الذى يحدب عليها ويشملها برعايته و . . . .

دخلت نادية على حامد في مكتبه ، وحامد رئيسها المباشر فى العمل وجلست اليه متحيرة ، فرفع اليها رأسه متسائلا ، فخفضت من بصرها وقالت متلعثمة : جئت لاستأذنك للترخيص لي في ٠٠ فى عطلة قصيرة . . ثلاثة ايام فقط . فقال وقد عاد الى ما كان فيه من عمل ،

- لك ذلك ، لكن لا بد ان اتعرف قليلا عن دواعي الاسترخاص - شؤون خاصة تضطرني لذلك

وساد بينهما صمت . . وكاد حامد أن يطلب منها ان تعود الى عملها لو لم ينته اليه صوتها :

- لقد اشتريت البارحة مجلة . . . ورفع اليها نظره مبتسما . . - لا شك في ان قصيدتي المنشورة هناك قد اعجبتك . فقالت وهي تنهض من مكانها :

ولكن لماذا هذا القطع ؟ فقال بسرعة : - لانك أتيت لتخبريني بهذا . وكانت كلماته تلاحقها وهى تغلق باب مكتبه خلفها . . دخلت مكتبها تتصارع فيها لواعج الندم على تسرعها وتبذلها . . ثم اخذت قلما وجاهدت عبثا فى نظم قصيدة شعرية . .

. . كان يوم ، وكانت نادية تغادر مركز العمل الى بيتها عندما فاجأها حامد بسيارته يطلب منها ان يرافقها الى منزلها . . . صعدت الى السيارة متأنية ، ساكنة . . ولما امتدت الطريق امامهما اخذت ترمق اصابعه تتنقل على مقود السيارة فى انسجام وتؤدة وقد بانت له كثة الشعر نحيفة ممشوقة ، . . قال بعد حين :

اظن انك تسكنين ضاحية سيدى أبى سعيد . فردت عليه باقتضاب . . - نعم .

- انها جميلة وهادئة جمعت بين جمال الجبل وروعة البحر فهي موطن الخيال والشعر أليس كذلك ؟ ولما لم تجبه اضاف . .

- اذكر انك طلبت منى منذ ايام ان امنحك عطلة قصيرة فلم تقدمى لى مطلبا كتابيا فى ذلك الى الآن فقاطعته :

لم تعد لى حاجة فى ذلك .

فرمقها بنظرة خاطفة ثم صمت . . . كانت الى جانبه لا تطرف ، وكانت لفافة تبغه إلى فمه لا تفارقه ، يتلوى دخانها متصاعدا امام عينيه . . . ولم وقفت السيارة امام بيت نادية قال لها :

. . وقصيدتي ما الذي اعجبك منها ؟ قالت فى شبه ابتسامة : - لا شئ منها . - ٠٠ واتيت فى ذلك اليوم لتقولي لي  عن قصيدتي هذا . - لم اعد اذكر الآن بالضبط ما سأقوله لك عن قصيدتك يومها ولما ودعته ودخلت منزلها احست ان الدقائق التى قضتها فى سيارة حامد بددت كل سأمها وتبرمها . . ولم تدر لماذا عن لها فى هذا اليوم ان تغير نظام تأثيث البيت فلم تترك منه شيئا على الوضع الذى كان عليه ، . . .

تتالت الايام خاوية تسير على وتيرة واحدة ، وكانت سماء الخريف بلونها الرمادى المحتقن الداكن تبعث على الاستكانة والنوم . . وكان حديث الشعر بين حامد ونادية قد انبسط وتطور الى البعيد العميق . . وقد تطاول الجلسات وطرفت . .

وكان يوم جاءت نادية تستفسر حامدا عنوان قصيدته الجديدة ، فسكت لحظة ثم اخذ يدها بين يديه وهو لا يدرى لماذا ينظر اليها لا يطرف له جفن فتعالى الدم الى وجهها وبرقعته حمرة باهتة ، وقد رانت فى مكانها لا تبدى حراكا الى ان اسبلت جفنيها فى سكون . .

" اليد ، عنوان قصيدتي الجديدة . نادية ، هاك ، اقرئيها "

وما إن ترك يدها حتى هرولت . . واختفت نادية فى مكتبها كامل ذلك اليوم ثم انها لم تات للعمل من الغد . . . وفي بيتها كانت تلازم غرفتها ويد حامد اليها تمد القصيد كالعين تحدجها وتخرق اعماقها . .

كان الجو عشى ذاك اليوم هادئا ، ثقيلا عندما كانت شوارع المدينة فى أوج حملها ، فقد تدفقت المارة فى هذا الشارع الرئيسى من المدينة تدفقا فوارا ، متلاطما . وما ان انتشر ظلام الليل حتى اسود وجه السماء بسحب دهماء داكنة فرفع حامد رأسه فاذا الظلمة جاثمة على البناءات المتسامقة على جوانبي الشارع كأنها اشباح سعالى جامدة متعالية تكتنفها الوحشة وتلفها السكينة . . فتوقف حامد عن السير واسند ظهره الى جذع احدى اشجار الشارع وبقى يرنو الى العتمة ، التى اخذت تعمق وتدلهم ، ويداه الى جيبي معطفه مع قطع من النقود الصلبة فى معابثة وحكاك . . . وتساقطت قطرات مطر غليظة راشقة فاشتدت حركة الشارع وتسارعت ، فأمر حامد سيقارته على شفتيه وعب منها نفسا مديدا طفرت إثره لفة من الدخان الكثيف وتابع سيره . . كان صامتا يمد قامته الى الامام هادئا فى تؤدة واتزان ، وطعم سيقارته التى لم تغادر فاه يتسرب الى حلقه مرا ، لذيذا . . وتسارع نزول الوبل عنيفا قاسيا ، فاشتدت زحمة السابلة فى المقاهى والملاهى وفى أروقة دور السينما ، غير أن حامدا لم يسرع الخطو ولم يغير من هيئة مشيته شيئا ،

كانه فى غيبوبة حس هادنه خلالها بعض ما بنفسه من شوارد الاهتزازات الغامضة . وفي منعطف الشارع مال برأسه فراى على نور الفوانيس الكهربائي الممتدة على حافتى الطريق ، خيوط ماء المطر مائلة تنزل متصلة لماعة وترتطم بهياكل بعض المهرولين . . وطالعه مشهد فتاة فى فستانها القصير ، الملتح بجسمها ، تحاول حث خطاها فيمنعها ضيق لباسها ويجعلها تتململ وتتكبب وتتكور فى قبح وبشاعة ، فشيعها بنظره ثم تابع سيره الى بيته محاولا عبثا اشعال سيقارته التى بللتها المياه . . وامتد على فراشه ثم لم يلبث ان غمغم غمغمة

ثائرة . . " أكان يكفى ان تغيب نادية عن العمل يوما واحدا حتى افضح نفسى لنفسي . . " وعصفت الرياح خارج البيت ، وعوت داوية ، تنفخ وتئز هوجاء صاخبة . . ونام حامد أو هكذا بدا له . . . وفي الصباح ذهب الى عمله بكرة ولما رأى نادية مقبلة عليه تصلبت قسمات وجهه وقام اليها . . ولما مدت يدها مصافحة باشة أبقى اليد بين يديه . . ثم دخلا المكتب . كانا صامتين وكانت هى الى جانبه تكبت حيرة محمومة وتبحث عن مخرج لهذا الموقف . . . واخيرا وفي صمتهما أقرا ان علاقتهما قد لفها منعرج خطير ، جد خطير ، وانهما وفي شئ من الغموض يشعران بانسياقهما فى تياره قسرا . . .

. . وقالت له وهى تدخل مكتبها : لم لم تسألني عن سبب تغيبى يوم امس عن العمل ؟

فقال لها : لأني لا اريد ان اتذكر ذاك اليوم . . .

. . . كانت تطالع كتابا عندما اخذ زوجها يحدثها ، فكان صوته يضيع بين سطور كتابها ولا يصل اليها إلا فاترا متقطعا ولما انتهت اليها مقاطع لفظ السفر رفعت رأسها عن الكتاب وقد برقت عيناها وقالت :

- ولكن لماذا ترغب فى السفر ؟ فقال

- قلت لك انه وقع الاختيار على لأسافر الى . . . فى مهمة أكيدة تقتضيها وظيفتى . وهالتها مسحة الجد التى تكتنف زوجها فاخذتها ربكة غير انها سرعان ما عالجت اخفاءها فى ملاعبة ومداعبة ، فوصال جنوني . . واغفى زوجها . . . .

كانت شوارع المدينة قد استأنفت حركتها عندما خرجت نادية لتودع زوجها فى المطار ؛ وعلى حين غفلة بدا لها هيكل حامد يسرع فى اتجاهها فألقت بنفسها فى أولى حافلات النقل العمومية التى اعترضت سبيلها . وما إن تحركت الحافلة مكركرة حتى مالت بوجهها الى بلور نافذتها . . واخذتها فورة من الاحاسيس الفوضوية ، وودت مخلصة ان تقف الحافلة ، ان يتعطل محركها فتنزل اليه وتصرخ في وجهه أمام الملأ : لتسحق لتعدم من الوجود . غير ان الحافلة واصلت سيرها فى رج وتقلقل وتواصل حراك . . . وانتهت الى المطار ولم تتمكن من توديع زوجها . . . ووجدت نفسها وحيدة ، تتحرك بائسة فى فرا موحش ، فى دوار كآبة . . فى عنف سأم . . وامام بيتها ترددت قليلا قبل ان تدخله ، ثم اقتحمت باب غرفتها وارتمت على فراشها . . ومن عليها وقد وهي ساكنة . .

كان الليل في هجوع عميق . . وكان الصمت ملتصقا بجدران غرفتها . . وكان نور المصباح الكهربائي ملتحما بعينيها . . فاخذتها رعشة رفيقة فمدت يدها الى ضفيرة شعرها التى كانت تزعج مؤخر رأسها واسبلتها على صدرها ، . . وعاودتها الرعشة عنيفة تسرى سيران النمل المذعور ناقرة جسمها في دبيب متواصل فانتفضت والتوت لتسحق هذا الذى يرعشها فاحدث سريرها صريرا باهتا باردا . . ووقفت نادية الى نافذتها ففتحتها واذا بالليل ساكن رهيب فهمت بالعودة الى فراشها غير انها استسلمت لنسمات باردة اخذت تصافح وجهها . . وركض فجأة رش مطر سريع على اشجار حديقتها فبقيت ترقب نثاره يطفر من حين لآخر فتعابث قطيرات مياهه وجهها الهادئ ثم تنحدر الى صدرها متماهلة متعرجة . . وافعمها احساس طارئ

مثير ، فتململت وتركت ثغرها فاغرا تتشابك عليه قطيرات المياه مغازله شفتيها النديتين . . وايقظها من بهتتها مواء قط كئيب ، مواء حزين موحش ثقيل . . ثم التوى الصوت من جديد فاترا رقيقا مديدا فاعادها الى الشعور بماهيتها . . إلى انطماس حالتها النفسية ، وألفت نفسها ، بعد حين ، تغادر غرفتها الى الحديقة مجذوبة بخيط سحرى قهار . . ثم وقفت فى اتجاه نزول المطر . . كان شعرها المتهدل الطويل يلم خصيلاته فى فوضى ويلقي بها علي ظهرها . . وكان وجهها الى الماء مستسلما للصمت . . والماء على عنقها يتلوى ويلفه غائضا الى صدرها . . وتدانت نادية من شجرة زيتون يافعة استدار شكلها وترامت اغصانها متهاوية الى الحضيض . . وقامت في رأسها خواطر لم تتبين جليا معالمها . وما هي إلا أن غمرت وجهها فى إضمامة من اغصان الشجرة فاصطدمت بصلابتها ويرودتها . . وخطر لها ان تقضمها ان تمزق اجزاءها ان تلثمها . وعادت الى غرفتها وبين يديها غصن رطيب تعابث وريقاته باسنانها ، فانزل إلى لسانها قليل من مائه المر فأحست بتكمش وتصلب ييبسان فمها فتفلت . . ولكنها وبدون وعي عادت الى قضم الوريقات ، الى تفكيكها ودحضها . . ولم دخلت الى غرفتها واجهتها الساعة تشير الى العاشرة ليلا فاخذت سماعة الهاتف وطلبت حامدا . . قالت له :

- لا يمكنني ان اتى الى العمل غدا لانه سافر . قال : - من هو " هو " . - صالح - ولكن قولي زوجي ! لماذا تخشين التلفظ بكلمة " زوجى "

والقت بالسماعة بدون ان تنبس . . وهامت بائسة : نوازع دفاقة تهزها ، تعمل فى اغوار ذاتها وتزعزع كيانها فاذا هي عائمة فى ابخرة حس . . فى انمحاء . . فى تمزق ذاتي يبعثها ، . . يشتت اشلاء امرأة سادرة ممسوخة . . وصاحت : هلا ابدأ البدء ؟ هلا انهى النهاية . وتلوت فى أعطاف نداء لجى حذاب . . نداء امرأة افتاقت . . واتجهت الى خزانة ملابسها واخذت فساتينها ترتديها واحدا بعد آخر الى ان ملت ذلك فارتمت على فراشها وتململت

عليه بعض الوقت الى ان احست بغمامة نوم تخفق فى دماغها الغائم فاستدارت الى المذياع الذي كان يمد اليها أنفاسه مجهدا وسط خشخشة عريضة . . . واستكانت . . وفيما هى على ذلك اذ صافح سمعها طرق ، على نافذتها خفيف ، فنهضت وتسمعت فلم ينته اليها اثر لحسيس ومدت يدها الى النافذة وفتحتها واجبة .

فطالعها حامد بقامته الطويلة تمثالا صنما . . وخرجت اليه . . . وفى سيارته كانت الى كتفه جامدة . . . وأضواء السيارة كالدم تسيل على العتمة الكثيفة . . . وكان .. ، وكان وصال بارد . . وصال صميمى عميق اخضل كيانها فى هز ندى ناعم ، . . وافعمها احساس ممض اختلط فيه الشعور باللذة والالم . . . وتذكرت ان حامدا قال لها يوما : " ان اللذة ألم عنيف يطغى على  الأحاسيس فيبحرها فى هزاته . . " واغمضت عينيها . . واشعل حامد سيقارته ولما أراد ان يكلمها اعرضت عنه ولوت برأسها الى الحائط ومرارة الشعور باللا جدوى تلفها . .

كانت سيقارته تتآكل فى بطء ، وكانت الحركة قد هدأت خارج البيت هدأت او هي ماتت على أوتار سحر عار ، مخنوق . . وتحوى حامد وقد احس بسيل بارد ينحدر من مآقيه . . ورفع رأسه قليلا فطالعته مرآة خزانته ساكنة ، تعكس له ، على ضوء فانوسه الباهت ، كتلة من جسم نادية ، الى جانبه نائمة ، واستعذب شيئا من الدفء يتسرب اليه من جسم صاحبته فاستدار نحوها ونام . . .

وفي نومه رأى عجبا ، . . رأى نفسه يعرج ، متخطيا الاشجار والجدران والحواجز ؟ واذا هو يحط كالطير العملاق ، فى قصر فخم عظيم . . او فى هيكل يشبه القصر : مداخل ومخارج لا نهاية لها حيطانها قائمة ذات دوائر وأقواس على هيئة أسجاف إلا أنها لا ترد مقتحمها ، لها خاصية الظل أو ! الفراغ تجوزها من حيث أردت فلا تشعر بوجود لها . . . تحرك حامد وقد اخذه شئ من الدهش غير ان هذا يمنعه من الشعور بغرابة المكان ،

وبصمته ، وبخلائه من الانسان . . وحدت به الغربة في الصياح ، في فعل  شئ ما يجعله يحبس بذاتيته الفعلية ، غير ان اشعاعا قويا جذب نظره فانجذب اليه ، فاذا هو فى امتداد خميلة تترامى بعيدا ، بعيدا . . شجرها باسق صلد لا يطرف له عود ولا يهتز له ورق . . لخضرته عمق وبريق . . ومد يده الى جذع احداها فاذا هو رخو غراء ، يكاد يسيل من فرط طوعه ، تلجه اليد بيسر ، فيعلق بها شئ كالوحل لزج ، متماسك ، ثقيل . . وتساءل : " كيف قويت هذه الجذوع على حمل افنانها ؟ . " وما تماسك ان مد يده ولوى فننا ، فقام فى وجهه مستعصيا ، عنيدا ، قويا وأبى الانصياع فخلى سبيله ، ورمي بنظرة إلى الأفق ، فراى كتلا كألسنة الشروق ملتمعة ، أو هي كالشهب مشعة

تترامي وتتباعد منطلقة فى خلاء أبعاد لا تحد ، . . واخذه شعور الناظر من مرآة الى مرآة فالابعاد تتباعد متصاغرة ، متضاعفة ، فدفعه ذلك للنظر الى  الارض فاذا الارض هي هى كما عهدها سمراء . غبراء ، فى لون الاحتقان . . ولكنه بهت لما وجد نفسه حافى القدمين يتحرك فى ثياب فضفاضة ناعمة . .

أما الذي روعه فهو ما شاهده من تهدل واسترسال شعر لحيته ورأسه ، فتحرك مذعورا كالفار من نار تريده ولا يعرف لها مصدرا فارتبك وخابط ، واذا هو كالشبح فى خواء حس وخلاء حركة ، وفراغ فعل مسمرا فى مكانه ، والاشياء من حوله تتواسع وتتهيل . . وتنقل وئيدا واذا بالمشاهد امامه تتموج فتانة ساحرة وتكشف له عن جبل قائم ، محدودب الجوانب ، عظيم . . وتصاعد الجبل امامه شاهقا عتيدا ودخل احدى مغاوره المظلمة ، فاذا هي ظليلة دافئة

واذا بداخلها الاضواء مشرقة ، واذا هو فى منزله الذى عرج اليه ، لا يعلم كيف خرج منه او كيف رد اليه واذا بأسجافه الجميلة تتدلى ساكنة . . فتهالك على أريكة وثيرة ، لينة . . وما لبث ان رأى يده على جسم الى جانبه ممددا فنظر فاذا هي امرأة معصر تتلوى فى مبذل ابيض شفيف ناعم الملمس ، رفيق . واجال بنظره فى القاعة ثم عاد اليها فاذا هي اليه مبتسمة متدانية متوددة ثم قالت : انفخ في انى مقرورة انى لك كلا . . .

ولفته فى ردائها فاذا هي اليه عارية عراء كاملا واذ هو يأنس اليها او يريد ان يأنس اليها ، . . واذا بالطمأنينة تعود اليه . .

وطالعه جسمها بضا ريانا يستقيم وتتكامل اجزاؤه حتى صار الى احسن تقويم وتصوير ٠٠ واصطخبت انفاسه دافئة وتلاحقت خفاقة وارتفع ثديا المرأة واستدارت حلمتاهما فتدانى اليهما حامد برأسه فقالت له : كل ألا تاكل من لحمي ؟ خذ الحلمة انها . . انها المرأة . . انها الانوثة . . . وفتح فمه الى الحلمة التى اخذت تكتنز وتتصلب وتقف غضة ، ٠٠ وتفتحت فيه نداءاته الجنسية ، وفيما كان على اقصى توتره نام . . نام على اقسى توتره وأشد شهوته ولهفته ، . . وذهب له على ذلك زمن . . . ولما استيقظ وجدها الى صدره بروعتها ملتحمة ، فلما تململ قالت له : اخشى أن أكون قد حملت منك نائما . فقال : وكيف تحمل المرأة من نائم ؟ وما ان تلفظ بهذه الكلمات حتى ادرك مدى التغير الذي طرأ على نبرات صوته . . وقالت له : الاحلام يا حبيبي ابدع الجمال ، انها اشهى الى النفس من بديعات اليقظة . .

وتلوت بجيد كالمرمر . . وتدانت منه فى دل ، فى رغبة ، فى سورة نداء متعطش فاسلس يده على الخصر . . فتنافرت فيه رغباته واحتدت جمحاتها والتهبت ، فاذا هو رغبة ذات ألف فم وألف نازع وألف جوع واذا هو توتر نداءات صاخبة يتنازعه فيض انوثة امرأة فاتنة الجمال ، . . ووقف متحيرا يرمقها فالتحمت به ، انثى بديعة الحسن رائقة المشهد . . غير انه لم يستقر له قرار بل انه تاه فى حيرة يبحث معها عن التجسد ، عن التمعن ، عن الاستمراء . .

ومرة اخرى ينام ، ينام على فوضى احاسيسه ، على اقصى توتره ، على اقصى تصلبه ، ولا يهدأ . . ولما فتح عينيه وجد نفسه فى مستقره وحيدا فارتاع وهب ثائرا وما لبث ان طالعته منتصبة الى اسجاف الغرفة جامدة القسمات تمثالا ، ففغر فاه متهيبا مشدوها ، فلم تتركه على ذلك بل خرجت عليه ضاحكة ، لاعبة ، راغبة فى غلالة بيضاء شفيفة تبرز تموجات جسمها وتشملها فى حنين . قالت له : لا تغضب ، أنا لك ، أنا فيك كلا . . أنا ماؤك

فقاطعها فى همس . بل أنت همى ودائى الدفين

فأضافت وكأنها لم تنتبه لما قال : ألا تسألني من أنا ؟ فقال : ولم السؤال فها أنت امرأة من النساء . . فقاطعته . . بل أنا شهرزاد هن

. . وتباعدت به الساعات والايام وتواسعت وامتدت ، وهو الى صاحبته والى توتره . . . وكان من حين لآخر تتراءى له صورة آدم وحواء والخلاء الممتد حولهما ، فيهرع اليها مستأنسا مسترا متوددا فتقابله بجسم يفيض أنوثة واغراء فيثور فيه توتره حاميا مهياجا ، فتأخذه اليها وتاخذ تقص عليه شيئا عن حياة شهر زاد : " لقد كانت شهزاد ليلة الى شهريار وكان فى آخر أيامه وقد انقضت عليهما ألف ليلة ظليلة ، ممتعة ، ولما كانت الليلة التى تلت الألف الاولى قالت له : - هل لك ان تقص على شيئا عن لياليك مع نسائك قبلى فقال

عن أى صنف تريدين ذلك ؟ عن اللائي كنت اقتلهن بعد الوصل أم عن اللائى عشت معهن قبل ذلك ؟ فقالت : بل عن الاول . فقطب وقال متأففا ، متهيبا كأنك تريدينني الى السفك ! فقالت بل أردت أن أسألك عن مدى عمق اللذة المجرمة .

وراح بعد وجوم يقص عليها حديثا طريفا عن لذة الفتك والاغتصاب والتمزيق . . . ولما اراد النوم قالت له : كيف كانت تقع لك فتياتك وهن عالمات انهن الى الموت بعد ساعات ! فقال كنت أقضى أول الليل صامتا استمرئ عذاب المرأة أمام النهاية . . ولما آخذ فى طريق الارتواء أنقلب رجلا مرحا فألاعب وأداعب ولكنى كنت فى ذلك كأني أعالج جسما مطاطيا لا روح فيه و دفء ، فأطفئ الانوار بعض الوقت ثم اضئ الغرفة فجأة ، فأرى الكآبة والبؤس والتعاسة تخفق فى هيكل فتاتى . . وتعلو قهقهتى داوية مجعجعة . . وابقى الى ذلك الى أن أدرك أنى بلغت من التعذيب حدا ما بعده حد ، فأعود لطيفا مؤانسا وآخذ فتاتى بين يدى وأهمس لها : لن أقتل من اليوم امرأة ستكونين زوجتى الوفية . . فتتحرك وتعود الى ، والى صدرى تذوب تحنانا . . ثم تلتمع فيها ، بغتة ، أنوثتها فاذا هي ألوان شهية من المتعة الصاخبة . . .

وما هي إلا أن تعاودني صورة زوجتى ، زوجتى الى العبد ، فتهتز فى سورة النقمة ، فأندفع اليها عنيفا واقتلها وهي فى أوج اللذة . . . وكان لى مع بقية النساء قبلك الوان . . .

ثم التفتت المرأة إلى حامد ضاحكة وقالت : ولما انتهى شهريار الى هذا الحد قال لشهر زاد : اخشى ان تكون قصتك قد انتهت . فقالت : كيف تنتهى قصتى وهي أنا ، أصلا وحنسا ومادة ؟ سأبقى عليها الى الممات . ثم شرعت تقص علي بقية قصة ، أو بقية القصة حتى نام . ومن الغد كان الى جانبها جثة هامدة فلا ترو من يومها قصة . . .

ثم مالت المرأة إلى حامد وقالت : ألا تريدني ! فقال وهو يضمها : لأحبلنك جنينا غاية في الكمال ، غاية انسان . فقالت : ولكن كل ما أخشاه هو ألا يكون حملي منك الا نائما ، فيأتي طفلنا اسطورة انسان ! فصاح ممغما فى لثم خفاق ولكنى ها أنا عليك متيقظا ، رجلا . فأجابت : ولكنك ها أنت لا تفعل شيئا فأنت في هزازة ظمأ سرابي لا ترتوى ما نمت عليه ، وتنام وأنت فى أقصى انفعال وها أنا كما كنت لمائى ولك لأتغذى ولما كان الى اقصى توتره همهم لن أنام من اليوم ، لن أنام من الآن ، سأبقى على اليقظة الى النهاية ومد يده الى رأسها ، فاذا بده فى شعر كالأبر رمادى ، أشعث ، صلب

واذا المرأة تتحوى وتتكتل متصاغرة ثم تغور وتمحى فهوى على الارض يتحسس جسدها فاذا هو يتلمس بخارا او ضبابا بل سراب وجود . . وفى شدة ربكة مجنونة صاح ، فاذا الصوت يختنق ويموت مغرغرا فى حلقه ، فاجهد نفسه ليتبين الأشياء واذا بالاشياء تنطمس وتغيض في بياض سنى . . وفتح عينيه على نور الشمس ساطعا في نافذته . . والتفت فلم يجد الا وسادة نادية اليه دانية ٠٠

لازمت نادية منزلها بعد ما قدمت استقالتها من العمل حتى عاد زوجها فوجد فيها الزوجة الرصينة العاقلة . . ولما كانت اليه ، مساء ، قالت له : لقد رأيت يا صالح ان انقطع عن العمل فكأن اليوم قد حان لأسر عميق السرور لترقيتك فى سلم وظيفك . فصمت قليلا ثم قال : أرأيت ؟ كنت انتظر منك هذا دائما ثم انطلق مع زوجته في حديث مسهب عن شباب هذه الحضارة . . فلم تدر كيف أو لماذا قالت له : ان الشباب من جنس الخطيئة بل هو من جنس المعاناة . . .

ولما أحست انه لم يكتنه مدلول الفاظها نظرت اليه فبان لها رجلا طيب النفس نقي السريرة فمدت يدها الى يده تلاطفها ، فابتسم ، . . وابتسما على غرار السعداء . . .

اشترك في نشرتنا البريدية