الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الفكر"

بريد القراء

Share

المرأة والرجل

لقد وقف الرجل من المرأة منذ فجر التاريخ الى أمد غير بعيد موقفا فظيا شل كل طاقاتها ومواهبها وعرض عليها لونا من الحياة غريبا أقعدها عن الاسهام فى حركة الاجتماع الانسانى وحال دون كسبها حقوقا ليست قط ملكا للرجل وحده .

وما من شك فى ان رقة المرأة وقصورها عن القيام بأعباء تبدو قاسية عنيفة كان عاملا من العوامل التى حددت نظرة الرجل اليها ومهدت له سبل التجنى والانحراف فى التصور . فقد اساء فهم هذا الضعف الظاهر ولم يحكم سبره وتدبر اصوله العميقة كما فاته ان يتفطن للانسان فى المراة فشاء او بالاحرى شاء له الوهم ان يتصورها ضعيفة الارادة والعقل نزوعة الى الفتنة صاغرة دوما للرجل تطلبه طيلة دهرها .

فليس من العسير ان نجلى هذه المزاعم وندحض هذا الوهم اذ يبدو ان الرجل لم يفقه جوهر امره ولم يحبس عقله فى حدود ذاته ليدرك حظه من الارادة ومغالبة الشهوة ويقف على سر انبجاس نور العقل لدى المراه فى غابر الازمان ودانيها .

فنحن لا نشك فى ان المراة لم تشارك فى المعرفة الانسانية بنصيب يذكر منذ ان بدأ الفكر البشرى يعانى تجربة الوجود ويتقصى حقائق الكون ولكننا نعتقد كذلك ان المراة صرفت صرفا عن هذا النشاط واقصيت عن الاسهام في هذا المجال لا لقصور فطرى جبلت عليه وعطل اصيل فى ملكة الادراك وانما خضوعا لمنطق الرجل وارادة المجتمع المنحرفة التى وجهت قواها وخلقت منها شيئا يشبه الانسان ولكنه ليس من الانسان فى شئ .

وحسبك ان تحكم الاستقراء والتأمل فى هذه الظاهرة منذ بداية التاريخ فستنتهى معى الى ان موقف المجتمع من المرأة كان السبب الوحيد الذى اوهن

ملكاتها العقلية واقعدها عن الجهد الفكرى الشريف فاضحت رمز اللذة وفتنة الكون فى خيال الرجل .

اما عن الارادة ومغالبة هوى النفس فلك ان تنظر فيما حولك وتعتبره لتفقه سر الامر وتعثر على الحقيقة . ففي عادات القوم ما يكفيك مؤونة البحث والتدليه ويجنيك شقاء الكد والاستقصاء . فهم يلحون عن المراه ان تكون عذراء الى يوم اللقاء فتأتمر وتنتهي او تكاد . لكنهم يبيحون لانفسهم ما قد نهوا عنه ويقترفون الذنب دون عناء ولله در ابى العلاء اذ قال :

اذا فعل الفتى ما عنه ينهى          فمن جهتين لا جهة أساء

لكنه أغفل الاساءة الثالثة فى هذا المقام وهى ولا شك سلبهم المراه ما يطالبونها به ويشترطونه فيها لتحظى برضاهم وبرهم وقد يتعلل بعضهم بخطيئة الطبيعة التى شددت على المرأة ويسرت على الرجل لكن كنه الواقع ابعد من ذلك فهم قل ان يوفقوا الى الجام غرائزهم وقهرها وصرفها فى حدود المعقول ، فهي متسلطة عليهم تحكم ارادتهم فى غالب وقتهم اكثر مما تحكم المراة وليس في استطاعتهم ان يذهبوا مذاهبها فى ذلك . وهو اعتراف كما ترى بضعف الارادة لكنهم - سامحهم الله - ينأون عن الاعتبار بذلك وينقادون لمنطق سقيم ناشدين الفضيلة فى المراة دون ان يتنفسوا ريحها ويحكموها فى اعماق ذواتهم .

ولو انت ساءلت الطبيعة عن سر الازدواج فى الكون وسألت نفسك لماذا لم نثبت وحدة النوع فى الفرد لرأيت ان الغاية من ذلك انما كانت ان يتواصل حبل الحياة لا ينقطع ولا يفصم وان يستمر هذا السيل الجارف معنا عبر الزمان لا ينضب ولا يجف . فحكمة الطبيعة او بالاحرى عبثها من بعث الانسان فى صورتين مختلفتين - الرجل والمرأة - انما كان هذا الذى ذكرت وليس القصد ان يفضل أحدهم الآخر ، فضعف المرأة كقوة الرجل من حيث التركيب المادى . قيمة فى حد ذاته فى حكم الطبيعة لانه يسلم الى الغاية التى تنشدها ويحقق القصد المبيت .

فالمراة كالرجل انسان قبل كل شئ افرغت في هذا القالب لتجدد الحياة دوما وتستمر مشكلة الانسان ابدية خالدة .

فمن الخطا الفادح اذا ان نعمد الى المقارنة بينهما ونتحدث عن المساواة فى حين ان كلا منهما انما هو وجه من وجهى الانسان مرتبط بالآخر ارتباط الجزء بالكل ولا يمتاز عنه فى شىء .

ولقد شاءت حكمة الكون ان يظل كل منهما تائقا للآخر متطلعا اليه يطلبه طيلة حياته ويهفو اليه بحكم ما اودع فيه من مشاعر وعواطف لا يقوى على دحضها

وتلك وسيلة ابتدعتها الطبيعة لاستدراجه وقهره على ان يكون عبدا لقوة الاستمرار يصنع الحياة وقد ضجر بها حينا ويمد العيش وقد جهل المصير واعياه السؤال لكنه قل ان تنبه الى هذا القصد وسبر غوره ولو استوقفه ذلك طويلا وشد عقله شدا عنيفا فأدرك حقيقة سخريته ولون عبوديته لعصفت به. العواصف وردد فى حسرة قاتلة قول جبران : " الزواج عبودية الانسان لقوة الاستمرار " ولذاق طعاما مريرا وتجرع علقما لا يطاق عاناه ابو العلاء فثار وصرخ وانقطع عن المراة الى يوم الرحيل الاعظم متمتما قوله : " هذا جناه ابى على وما جنيت على احد "

لكن الانسان قل ان ينزلق فى هذه الهوة السحيقة ويحبذ شعوره ووعيه لهذه الحقيقة ، فهو دوما عجول تائق للمرأة تكده حينا غرائزه وتتنبه فيه نواميس الترابط فيهفو الى ضالته ويصبو ويشوقه حينا تأمل صورته والالتذاذ بها فينشد عمارة الكون .

ولو رمت الوقوف على سر هذا الترابط لقيل لك ولا شك انه الحب ولكنك قل ان تظفر بمفهوم صحيح جيد لهذه الكلمة ينم عن تصور سليم للمراة وادراك عميق لحقيقتها ، فكل الرجال يغفلون فيها الانسان وينكرون عليها ما يتبع ذلك من حقوق اساسها الحرية والشعور بالذات . يسبيهم جمالها فيقعون له صاغرين وتتيقظ فيهم الشهوة فيرهقون المرأة بصنوف الاغلال حرصا على الغنيمة وحفظا على دوام اللذة شأنها فى ذلك شأن كل المتع والدمى توفر اللذة ولا تحظى بإحساس او شعور لكنهم بذلك يطمسون ذاتها ويعاملونها معاملة الجماد وليس افظع من ان يكون الانسان وسيلة فتتضاءل حريته وتتقلص تقلصا مفجعا وهى لعمرى اسمى القيم وانبلها .

اشترك في نشرتنا البريدية