الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الفكر"

دجاجة عمتي!

Share

- يا ربى رحمتك ! يا محمد احضر ! يا رسول الله خلص وحلى ! آه . آه ! . . . آوه . . .

كانت ام سعد لا تنفك تئن متوجعة متقلبة وكان عواؤها يزداد كلما اشتدت اوجاعها . فكان صياحها يرن فى رأس سعد رنين الف طبل وكانت أخته تبكي وتصرخ كلما توجعت أمها . ولقد فارقه والده من الفجر لاستحضار القابلة " أمك سالمة " واستبقاه للتوكل بشؤون أمه المتوجعة وأخته الصغيرة فعمل جاهدا لارضائهما ولكنه فارقهما خائبا ووقف في مدخل الكوخ حائرا لانه فقد كل وسيلة لتهدئة روعهما . فلم يتمكن من موساة أمه لان لوعتها التى أبكته مرارا قد بلغت أقصاها ولم يفز برضا أخته التى استولى عليها الفزع . فدار حول نفسه عله يفوز بشيء يرضيهما . . لعله سيعثر على طعام أو لعبة تلهى أخته . . أو توحى اليه كلمة لطيفة أو دعاء يهدئ أمه . . لا شيء . لقد جفت نفسه كما جف محيطه الذى خلا حتى من أعواد الاكليل الذى كانت أمه تقتلعه من الشعاب عندما يجف فتجمعه كدسا ضخما تربطه بحبل ثم تنقله على ظهرها يكاد يقصمه ويتراكم على جسمها فيغطى جزأه الاكبر ما عدا رجليها فتبدو كأنها كدس من الاكليل يمشى . فلم يجد شيئا لإيقاد نار تحميهم جميعا من برد الشتاء الذى هاجم ريفهم مبكرا فى تلك السنة . فكست الثلوج السهول والهضاب وغابة الحماد وعصفت ريح قاسية القت قطعة القصدير التى كانت تحمى مدخل الكوخ وظلت تذرى القش والشيح والديس والروث ومواد نباتية وحيوانية اخرى كدسها والده تكديسا حسب عادة الفلاحين كى يحمي ظهر " الكيم " . فكانت الريح تعوى وتصفر فيه . فبدا له فارغا فراغ يديه وأوهامه . فأدرك انه يعيش فى كوخ وأن أمه تتوجع فى كوخ وانه عاش وسيعيش ثم سيموت في كوخ . فى حفرة رطبة تكاد تكون مستديرة قد استقام فيها عمود مركزى سميك يدعوه الفلاحون " قنطاس " واعتمدت عليه خشبات غاصت أطرافها في التراب الذي يحيط بالحفرة . وكان يكسوها خليط من التبن والاعشاب والحشائش التى يأتي عليها الصيف بقيضه والشتاء بمائه وجليده . فتصفر وتتعفن ثم تنتن . ولقد احتاط والده فحفر داخل الكوخ وخارجه مجرى مستديرا ليستوعب الماء السائل أو المتقطر من السقف ، لكن دون جدوى لان القطرة كانت تتحول من جهة الى أخرى حسب هواها . فلقد كان الماء فى ذلك اليوم بالذات يسقط فى حفرة الموقد على مقربة من الزاوية الشرقية التى كان ينام فيها رفقة والده على

غرارتين ملئتا تينا . وكان سعد يخشى أن تدرك القطرة الزاوية الشمالية حيث حصير جرداء ألقيت عليها أمه وأخته تغطيهما بطانية رثة وظهر عند رأسهما طاجين أسود هشمت احدى عراه ومثرد طينى وثلاث ملاعق خشبية معوجة وفرو فيه بقية باقية من الشعير اقتصدته العائلة فسدت رمقها بالاعشاب رحاء استعماله عند خلاص الام وقدوم المولود الجديد . ولقد اشتهى سعد ان يأكل فى تلك المناسبة أكلة " البسيسة " التى تهيأ من دقيق القمح الجيد يخلط بزيت الزيتون وتمر " الغرس " ويذرى عليه قليل من السكر والفلفل فيأتى طعمها حلوا لاهبا فيذكى الشاهية ويخلق من لذاتها لذات . فمني نفسه أن يرجو من والده أن يستعير مالا من الملاك الذي كان يعمل عنده " خماسا " فتأكل العائلة كلها البسيسة وتحتفل بالمولود الجديد

لكن عواء أمه جعله ييأس من ذلك . فعاد اليها وجلس قربها ، فتناولت ذراعه وشدته اليها ثم صاحت متوجعة .

- يا وليدى ماشية نموت ! يا وليدى ماشية نموت . قرب انبوسك قرب وليت راجل . . عمرك 15 سنة . . وين هى أختك ؟

فبكى لكنها ضمته اليها فجأة ثم سكتت . فتخلص من قبضتها ورفع رأسها فرأى عينيها مغمضتين . فناداها متلهفا

- أمه ! أمه !

ففتحت عينيها ثم أغمضتهما فشعر أن قواها قد انهكت وأنها فى حاجة الى النوم . فضمها الى صدره وتركها تنام . فكانت تتنفس بعسر وتهتز من حين لآخر ، فلم يدم هدؤها طويلا اذ أنها عادت الى عوائها الذى ازداد عندما رأت زوجها والقابلة فظن سعد حينا أنها ارتاعت من " أمك سالمة " ومنظرها البشع اذ انها عجوز قد بلغت الثمانين قد كست التجاعيد كامل جسمها المنحنى وأرعش الوهن يديها الطويلتين السوداوين . فكثيرا ما روى له أنها قابلة ماهرة يدين لها كثير من اهل ريفهم بوجودهم فى هذه الحياة الدنيا . فلقد سبق لها ان قبلته وشفته فى الرابعة من عمره من " ديسنتيرية " خطيرة فناولته على بطنه خمس عشرة كية من منجل يتقد نارا لا تزال أماراته تشهد على ذلك . فكان يستغرب كيف قدر له أن يظل حيا يرزق . انها معجزتها لانها عرفت كاهل فنها بصلابة مزاجها كما اشتهرت ببركة يديها وطيبهما فضلا عن أنها لا تطلب من الاجر الا القليل وتزهد فيه أحيانا . فقل ان تخيب فى مساعيها . فكان سعد يخشاها ويعجب بها ولقد ازداد خوفه منها واعجابه بها فى ذلك الصباح وتمازج الشعوران في نفسه حتى صعب عليه التمييز بينهما لما رآها تشرع فى معالجة أمه . فلقد مدتها على الحصير ورفعت ركبتيها ووضعت رأسها على فخذها الايمن ثم غطتها وظلت تنظر اليها مدة طويلة طالبة منها ان تتنفس بسرعة وان تكبح أنينها

وتذكر أسماء الله الحسنى سرا . فظلت تواسيها وتتمتم وتربت على بطنها وتتحسسه دون ان تفيدها كثيرا . فبقدر ما كانت الساعات تمر كان عواء امه يزداد ويشتد حتى نفد صبر والده وظهر الانزعاج على ملامحه فارتعشت " أمك سالمة " كأنها شكت فى نفسها لاول مرة ثم أمرت والد سعد بحفر حفرة واسعة وساعدته وهي ترتعش على وضع حجرتين كبيرتين مستويتين متقابلتين على فم الحفرة . وتناولت الحامل متمتمة وأجلستها على الحجرتين الرطبتين الباردتين ثم جذبت فخذيها حتى غطيا الحفرة . تمتمت القابلة ثانية وذكرت أسماء الله الحسنى ثم أدمجت يديها تحت أمه . فخيل لسعد أنها تشرح لحمها وتثقب فخذيها . فعوى بدوره لما رأى أمه تهتز بغتة ثم تسقط في الحفرة صارخة . فزجره والده وكلفه بأخذ أخته الباكية والمكوث بزاوية الكوخ الجنوبية وغض النظر عن أمهما . فظل هناك يستمع الى أنينها . فكان صوتها يتوجع ويتوسل ، يعلو تارة ويخفق اخرى وكان يسمع والده يزمجر ويتلطف ورآه يخرج ثم يعود مسرعا . فكانت نفسه تئن مع أمه وتجرى مع أبيه . مرت مدة طويلة دون ان تظهر نتيجة ودون ان يتخلص من صورة اليدين السوداوين اللتين كانتا يخدشان أمه خدشا ومن تلك الحفرة التى سقطت فيها . فكان يصارع نفسه لكى لا يقصدها ويرى ما جرى لها . وبغتة سمع صرخة تشق الكوخ وتلاها سكون . انه الخلاص !؟ فركض الى زاوية أمه فرآها كأنها جثة هامدة تتنفس بعسر ورأى والده يربت على خدها الشاحب ساعيا لايقاظها من غفوتها . أما " أمك سالة " فلقد قامت مرتعشة وقالت منزعجة

الله أكبر ! عمرى ما شفت هذى الحالة ! لا حول ولا قوة الا بالله كأن فى بطنها الرصاص !

فلم يتمالك سعد عن كبت دموعه وجلس قرب أبيه الذى كان يمسح جبين أمه المتصبب عرقا . فلاحظ لاول مرة اهتمام والده بأمه وعطفه عليها لان الحياء والعرف وعسر الحياة قد فرضت على الازواج في ريفهم أن يكبحوا عواطفهم ويزهدوا فيها . فلقد سبق له أن رأى والده يهين أمه ويضربها ضربا مبرحا رغم أنها كثيرا ما روت له وعلى شفتيها ابتسامة ، أنها تزوجت والده حبا وانه اختطفها من اهلها وفر معها زاهدا في القليل الذى تركه والده وتقاسمه أخواه من بعده . لقد فقدا عطف أهلهما وفازا بالحب وعاشا فى الفقر . لكن عيني أمه العسليتين وملامح محياها الرقيقة لم تفد والده الذى ظل يعمل خماسا لا يفتأ يعدهم منذ سنوات أنه سيدفع ديون صاحب الضيعة وسير حل بهم الى منطقة باجة او تونس حيث يكتسب الرزق هينا وترغد الحياة كما رغدت لعمه يونس الذى عاد من هناك زائرا مرتديا لباسا افرنجيا ، تزين صدره ساعة صفراء ، قال انها من ذهب ، وتعلو رأسه شاشية حمراء جديدة . فكان طلق اللسان تبدو على وجهه آثار النعمة . وكان لا يخشى صاحب الضيعة كما يخشاه والده ويتبادل معه السجائر ويمزح معه ويعامله معاملة الند للند

ليت ذلك كان شأن والده ! فلقد كان يرافق سنويا صاحب الضيعة الى سوق القرية رجاء الخلاص ثم يعود وقد ازدادت ديونه ، حاملا تارة قارورة زيت وقميصا وتارة " ملية " لامه وقليلا من السكر والتمر لن تطمع العائلة بغيرها طيلة السنة . وكان يردد كأنه يبرر خيبة أمله .

- العام الجاى نخلص ان شاء الله ! الصابة الجاية تخلصنا ان شاء الله يكفى تجى مطرة باهية ونطير ونخلص ونولى كعمك يونس ! -

ولقد اتفق ان رافق سعد والده وصاحب الضيعة فى احدى سفراتهما الى سوق القرية لاجراء الحساب بينهما عند الشاهد العدل . فقطعا المسافة يركضان ركضا وراء بغلة صاحب الضيعة اذ أنها دابة سوداء ، فخمة قوية العضلات سريعة السير لا يعوزها الا جناحان لتشابه براق النبى . ولقد اشترى لها صاحبها برذعة صنعت كلها من جلد وزركشت بالديباج وتدلى منها ركابان اصفران تشابه صفرتهما صفرة لجامها . فكان والده يسوسها كل يوم ويعلفها من الشعير ما يكفي مؤونة عائلته اسبوعا كاملا ويغسلها كل خميس ويضع على برذعتها زربية قيروانية جميلة يستوى عليها صاحب الضيعة متشامخا معتزا فكان سعد يغبطها على وشاحها وعلفها وتمنى أحيانا لو خلق بغلة لينعم بما تنعم به . . فتبعا في ذلك اليوم صاحب الضيعة حتى وصلا القرية وقصدا صحبته دكانا في علوة استوى فيه رجل معمم على بنك وراء طاولة مستطيلة كدست عليها دفاتر كثيرة كان ذلك المعمم يعبث بها ويخبطها حسب هواه . فحياه صاحب الضعة ثم جلس على بنك جانبي قرب أعيان آخرين بينما ظل سعد ووالده جاثمين على عتبة الباب مع فلاحين آخرين كانوا يدخلون الواحد بعد الآخر الى الدكان فيتلو عليهم العدل الشاهد كلاما يشابه كلام القرآن ثم يتفل على ابهام كل واحد منهم ويدلكه على طابع حبرى ثم يرسمه على الورق . انه توقيع الفلاحين على عقد يجهلون شكله ومحتواه . ولقد أتيح لسعد ان يدرك سبب بقاء والده خماسا منذ سنوات بنفس الضيعة وفهم رضاه بحاله تلك - لقد رأى أحد الفلاحين يمتنع من مد اصبعه ليتفل عليه الشاهد العدل ثم يصيح

...نايه نحب حقي . نايه عديت عمرى مسال مدان . نايه نحب حقي و

فلم ينته من كلامه حتى ارتمى عليه الشاهد العدل وعين من الاعيان الجالسين فتشابكت الايدى وكثر الصياح والصراخ حتى وصل صبائحيان فقبضا على الفلاح فشتماه وأشبعاه ضربا حتى سال دمه ثم ساقاه الى المحكمة يرافقهما العين والعدل الذى عاد بعد مديدة مزمجرا مهددا من كان جاثما من الفلاحين

- الكلب بن الكلب ! الزوفرى ، العاهر ! الجاهل يحب يعصى الشرع والقانون ! يحب يعلمنى الحساب ويريد يثور على صاحب نعمته . والله ما يخرج من الحبس الا ما يطلب السماح . آش رأيكم ؟

ثم نظر الى والد سعد الذى أطرق وانتظر حتى تلا عليه الشاهد العدل عقده الجديد وديونه التى ازدادت ثم تفل على ابهامه فوقع توقيعين واحدا عنه والآخر عن سعد اذ ان صاحب الضيعة قرر تشغيله لحراسة عجوله وخرفانه . فناولهما قليلا من المال فاشتريا زيتا وتينا وزوجى " قرق " أى اربع قطع من جلد البقر اليابس تغمس فى الماء يومين ثم تثقب من الجانب والامام والخلف وتدمج فيها خيوط فتلم اجزاء الجلد الذى يضع فيه الفلاح رجليه بعد لفهما فى خرق اختلفت ألوانها وأشكالها . وتذكر سعد ان والده قال له فى طريقهما الى كوخهما

( - ثوا ولينا اثنين . . ان شاء الله يخلص وحلنا كلنا ، نايه وانت واختك وامك

ورنت تلك الجملة فى رأس سعد صاعقة كأنه سمعها لاول مرة فى ذلك الصباح ، فرددها

- . . يخلص وحلنا كلنا ، نايه وانت واختك وأمك . وأمك . . وأمك . . . وأمك

فبحثت عيناه عن والدته وحدقتا فيها . فرآها منهوكة القوى قد سال منها دم كثير لم تفلح " أمك سالمة " فى كفه . فاستولى عليه غضب التهم عقله التهاما فجعل يصيح مضطربا منتقما

امه ماش تخلص ؟ امه ماشية تموت او امك سالمة فشلت فشلت ! فشلت يا عجوزة جهنم

فزجره والده لكنه صاح باكيا

- أمه ماشيه تموت ! لا بد من الطبيب

فانطلقت أمك سالمة محتجة ناظرة الى والده

- اسكت يا طفل . الطبيب ! اتحب راجل يمس أمك . يا فضيحتى ! الله يسترنا من هذا الجيل وعاره !

فأعاد سعد الكرة متوسلا

- يا ابيه الطيب ! الطبيب . أمه ماشية تموت ! الطبيب ولد مرآة الملاك . ما فيه عيب

فقاطعته العجوز

- ولدها ولد حرام ، قبلاتو يد راجل ، امك مسلمة يا وليدى فلم يعرها سعد اهتماما وسألت عيناه والده فبادره

- لكن الطبيب ما يجيش بغير أجر

- والملاك . . ؟ الملاك يسلفك

فلم يرد عليه وظل ينظر حوله يعض ساعده ويعقد يديه ناظرا الى السماء محدقا في الضيعة حتى قبضت أم سعد ، زوجته ، يده وقبلتها متوسلة

- الطيب ! الطبيب الله يرحم والديك

ففتح والده فاه كأنه يريد أن يحتج بفقره ثم وقف وظل يجوب الكوخ طولا وعرضا . لكن سعد بادره جاهشا

- نتسلف من عند الفلاحين . . والا نحطب شوية حطب من الغابة وتبيعه..والا . .

ثم صرخ منتصرا

- دجاجة عمتى! دجاجتى عمتى فاطمة

فتوقف والده متعجبا ثم عاد الى مشيه لانه يكره ذكر اسم أخته لانهما متخاصمان رغم أنها كانت الوحيدة من عائلته التى لحقت به ورضيت بزواجه وباركته . فكانت تسكن كوخا قرب الضيعة وكانت لها دجاجة يعيش من بيضها ابنها المسلول . ان والد سعد يكرهها لانه يعتبر أنها تزوجت سكيرا وخاصمته من اجله وسلمته منابها فباعه وعاث فيه فسادا . ولقد جرت العادة عند أهله ان الحياء يمنع الاخوات من الوراثة ما دام اخوانهن أحياء . وكانت تكرههه لانه ليس ابن أمها فلم يعترف بحقها ويتهمها بالزنا . اذ انه يعتبر ابنها ابن زنا قد ولد من الملاك بعد موت زوجها . فهو يعتقد أنها سبب تراكم الديون عليه لانها توعز حسب رأيه ذلك الى خليلها الملاك فيهينه فى الشغل ويكيل اليه الشعير الوسخ ولا يسلمه في الشتاء " قرقا " يحمى به رجليه المنتفخين فكان يرى أخته وراء كل سوء يأتيه من الملاك . وكان سعد يتردد عليها خفية ترسله اليها أمه لمساعدتها أحيانا والسؤال عن حالها وحال ابنها . ورأى أن يتردد عليها فى ذلك اليوم لعلها تحن وتساعد أمه . ولقد استولت عليه تلك الفكرة فناشد والده مرة اخرى

- يا ابيه دجاجة عمتى! دجاجة عمتى تجيب الطبيب

- اسكت نعلك الله اسكت يا ابن . .

اتحب أمه تموت وما تهبط أنت راسك قدام عمتى ما أحسن نفختك أنت والا أمه !

فأطرق والده ثم قال

- امشى اذا حبيت ! امشى جرب . . راهى لفعة رقطة

فلم يكد سعد يسمع ذلك حتى أطلق رجليه للريح وقصد كوخ عمته ثم عرض عليها الامر . فتلقته بجفاء استغربه . فتوسل اليها لكنها صاحت

- وولدى أشكون يحييه ! هى أمك خير من ولدى !

- يا عمتى والله نرجع ليك الدجاجة فى الجمعة الجاية ! يا عمتى أمه أخيتك ! الله يشفى ولديك يا عمتى !

فلانت وكادت تسلمه الدجاجة لكن أبنها صرخ

- لا ! لا ! دجاجتى ! دجاجتى !

وازداد صراخه وكثر لعسه حتى كاد يخنق فأقبلت عليه خائفة وزمجرت في وجه سعد

- اذهب ! تحب تقتل ولدى .الذهب... اذهب

فأدرك أن لا فائدة فى الالحاح وعاد الى الكوخ منكسر القلب ولم يتجاسر حتى على النظر الى والده الذى بادره

هيا ! تبعني .

ورآه يتجه نحو الضيعة . ففرح وشعر بكرامة أبيه تعود اليه واعتقد أنه متوجه الى صاحب الضيعة ليعلمه الانسانية ويعلم نفسه التضحية لتحيا أمه ولو ظل أفراد العائلة كلهم عبيدا مدى الدهر . فلما وصلا وراء الضيعة فاجأه والده

- أنت تلهى عمتك خارج كيجها ونايه ناخذ الدجاجة ! قلها الملاك يناديك

- تعنى نسرقها ! نسرق الدجاجة يا ابيه

واستولى على سعد فشل كاد يلقية على الارض . فصاح فيه والده

أما خير أمك والا عمتك ؟

فتحرك سعد ونادى عمته ورافقها حتى دخلت بيت الملاك ثم عاد راكضا الى كوخه فوجد والده مصفر الوجه والدجاجة بين يديه . فناولها اياه ثم لف رجليه فى خرق ولوى حول عنقه قطعة قماش ثم دفعه

- اجرى ! طير جيب الطبيب واعطيه الدجاجة ، ما تفرطش فيها . . اجرى باش تسخن

ولم يزوده بشيء آخر لا سيما أنه يجهل كيف يخاطب أهل القرى . أليس يحتاج الطبيب الى لطف وحذاقة لا يحسنهما وكان يحسن بوالده أن يدله عليهما ! لكن أيحسن والده ذلك ؟ فلا فائدة فى ذلك ما دامت الحياة قد حكمت على ذويه بالتفريط فى كل شىء . فلعل الحظ سيساعده على تجاوز تلك العقبة ؟ سيقرأ الفاتحة قبل أن يدخل على الطبيب فيعطف على حال أمه ؟ وتوجه إلى القرية . فلم يكد يبلغ الطريق الرئيسية المؤدية إليها حتى سمع عواء عمته . فاعتقد أنها تبكى دجاجتها المسروقة .

وصل سعد الى القرية مع الصبح منهك القوى يكاد البرد يعرقل أعضاءه  فلم يحد أحدا يدله على المستشفى . فبحث عنه طويلا حتى قاده اليه حدسه فقصد بناية بيضاء يحيط بها سياج حديدى عال وأشجار سرولها درجان واحد في الشمال والآخر فى الجنوب يدخل الاعيان من الاول وغيرهم من الثانى فصعد درج أمثاله وانتظر فى زاوية الباب حتى أتى عليه النوم فوجد نفسه جالسا بين نساء كثيرات بشعات الوجوه لم يعرف منهن الا عمته . أحطن بأمه وتجاذبتها أيديهن . فكن يصرخن ويتزاحمن عليها ثم رأى عمته تدمج يديها تحت أمه ثم تجذبهما منادية

- امرأة خويه جابت دجاجة ! امرأة خويه ولدت دجاجتى

وزغردت ثم دعت صديقاتها لتحضير أكلة البسيسة للاحتفال بالمولود الدجاجة ، فأتين بقصعة كبيرة فيها البسيسة ودعون سعد والطبيب والملاك للاكل منها . لكن حافة القصعة كانت عالية . فبقدر ما كانت يد سعد تقترب من الاكلة كانت حافتها ترتفع بينما كان الطبيب والملاك يتناولان اللقم دسمة هينة . فقام ومد يده دون أن يدرك البسيسة . فاغتاظ وأراد أن يقلب القصعة لكنها كانت ثقيلة . فتوسل الى الملاك والى الطبيب ثم الى الله . فنادى وصرخ وتلوع وشتم وكفر حتى رأى فلاحين كثيرين ينظرون اليه . فاستنجدهم فكونوا من أنفسهم سلما صعد ومد يده الى الاكلة ولم تكد أنامله تبلغها حتى رأى جثة أمه فى قاع القصعة فاراد أن يجسها ليسألها عن خلاصها لكن الدكتور تناوله من كتفه وهزه هزا عنيفا صارخا :

- انا ما نداويش أمك بدجاجة مسروقة . دجاجة حرام ! مسروقة ! مسروقة ! حرام ! حرام

فاستيقظ سعد مذعورا ورأى أحد الممرضين يركله برجله لفتح باب المستشفى فاستقام معتذرا ووقف فى اول الصف . فظل ينتظر فى البرد مع أمثاله حتى وصل الطبيب حوالى العاشرة ، انه شاب متوسط القامة كبير الانف عبوس الوجه قد فقد جل شعر رأسه ، وصل القرية منذ مدة قصيرة ليحل محل الطبيب العجوز عبد العالى الذى اشتهر فى القرية بلطفه وانسانيته

دخل الطبيب مكتبه وأغلقه ثم أخذ يستقبل الاعيان وأهلهم الذين كانوا جالسين بغرفة الاستقبال الانيقة . مرت ساعتان تقريبا على سعد وهو ينتظر ونفسه على أحر من جمر . فعسرت عليه كل حيلة : أيهجم على الطبيب ويصرخ في وجهه لانقاذ أمه ؟ فلعلها ماتت ولا فائدة فى الانتظار ؟ لعلها خلصت ولا داعي لتسليم دجاجة عمته لانها دين يعسر توفيره فى هذه الفترة الصعبة من السنة ولعل أمه ما زالت تتوجع ؟ وقرر البقاء اذ أن حدسه أوحى اليه أن أمه لن تموت وأن الموت ليس فى حاجة اليها بقدر ما تحتاج اليها أسرتها . ولم يستمر سعد في جداله مع نفسه اذ ان الممرض أقبل عليه وسأله

- عندك فلوس

فعرض عليه دجاجته فلم يحفل به والقى نفس السؤال على شيخ كان وراءه فرد عليه بالايجاب فقدمه وأخرج سعد من الصف مع مرضى آخرين ودخل مكتب الطبيب وشرع فى استقبال مرضى الدراهم . أراد سعد أن يتقدم ليحتج لكنه تردد خشية أن يفقد كل حظ فى الفوز بمساعدة الطبيب - فانتظر مدة طويلة ثم اندفع نحو باب غرفة الطبيب وصرخ متوسلا

- يا سيدى أمه تتوجع . تموت كان ما تساعدهاش

فنظر اليه الطبيب نظرة حادة

- أمك آش بيها

تتوجع وعدها تموت اذا ما تساعدهاش

- عندك فلوس

عندى دجاجة

فقهقه الطبيب

- دجاجة ! دجاجة ! طبيب يداوى بدجاجة ! عديت سبع سنوات فى فرانسا باش نداوى بدجاجة . هههه ! هههه !

وأمر الممرض بتفتيش سعد لاعتقاده أنه يخفى مالا ، ذلك أن الفلاحين حسب دعواه أهل مكر وشح لا يأخذ منهم الا من عرفهم من أمثاله . فتشه الممرض دون أن يعثر على شىء عنده ثم دفعه فتدعثر فى الدرج وتدحرج كالحجرة . استقام متوجعا وأراد أن يعود اليه لكن شيخا كان فى أسفل الدرج نصحه

- اترقب يا وليدى ! لا فائدة . . ارجع ليه بعد

فانتظر سعد حتى رأى الطبيب يخرج متوجها نحو سيارته والممرض يرافقه . فتوسل اليه

- يا سيدى الله يرحم والديك ! أمي فى خطر

فلم يعبأ به فأعاد الكرة

- يا سيدى اذا كانت الدجاجة ما تكفيش خوذني خديم عندك حتى طول عمرى

ثم قبض على سراويله لتقبيلها لكن الممرض أسرع اليه ورمى به لاعنا

- اذهب يا جرثومة ! اذهب يا مرض الدنيا

فسقط على الارض وافلتت منه الدجاجة ثم عدت نحو نافذة سفلية من نوافذ المستشفى . فركض خلفها لكنها سبقته واندمجت فى النافذة وغابت عن نظره .

فوقف حائرا لا يدرى ما يفعل واستولت عليه كآبة أبركته الارض . فشرد خاطره وشخص نظره وظل جاثما لا يدرك شيئا من نفسه ومن محيطه حتى رأى الطبيب يمر به ممتطيا سيارته . فلوح اليه بيده مبتسما . فظنه يدعوه للذهاب معه الى أمه . فعدا وراء سيارته التى غابت عنه بسرعة . فاستمر سعد فى عدوه متيقنا ان الطبيب سبقه . فشمر عن ركبتيه وركض مسرورا شاكرا فضل هذا الطبيب الرحيم وبدا له أن الرحمة فم يبتسم وفؤاد يطفح خيرا ويد تشمل وتلم . وأقسم أنه سيخدمه ويحمله على أكتافه طول عمره اذ انه سيحيى أمه ومولودها الجديد . وتساءل فى ركضه عما سيكون هذا الوليد ؟ ما عساه أن يكون ؟ ذكرا ام أنثى ؟ انه يخير ذكرا ؟ لكن ذلك لا يهم ولو كان دجاجة . المهم أن تخلص أمه وتبقى له .

 أسرع فى ركضه حتى أشرف على كوخهم فرأى قربه سيارة واناسا كثيرين  محيطين بها . فتيقن أنها سيارة الطبيب والناس فلاحون متطفلون أتوا ليرمقوا اهل المدينة ولباسهم الافرنجى النظيف وسيارتهم التي تحيرهم سرعتها وضجيج محركها ونعيقها . . . .

. . لكن يقينه أخذ يتحول الى شك بقدر ما كان يقترب من السيارة فحدق فيها فرأى عونين يتحدثان وسمع نحيبا ، فأطرق وجرى نحو الكوخ دون أن ينظر الى الناس حوله لا سيما الملاك وضابط الحرس اللذان كانا يعنفان والده الذى كان باركا محطما على الارض . دخل سعد الكوخ وبحث عن أمه فرآها ممدودة تغطيها " مليتها " وقد جلست بالقرب منها القابلة العجوز وأخته بين يديها . فبادرها

- أمه خلصت ؟

-خلصت يا وليدى ! خلصت خلاص الدوام

. ثم أجهشت . فاقترب من أمه ولمسها . فكانت جثة باردة . فسأل العجوز

- آش يعمل العون هنا ؟

- جا من أجل أبيك

-أبيه؟

- خنق ولد عمتك

- ليه

. . - باش يمنعه من الصياح وقت سرق دجاجة عمتك

فظل سعد واجما باهتا ثم اندفع فجأة خارج الكوخ لعله يستعطف العون والملاك وعمته . فما كاد يخرج حتى قبض عليه العون معلقا

٠٠ . - مجرم من الصغرة

فلم يتمالك سعد من كبت حنقه وغضبه فصرخ كأنه يريد أن تسمع الدنيا كلها

- والطبيب ؟ والملاك ؟ وانتم ؟ كلكم مجرمين . . الدنيا كلها مجرمة . . قتلتم أمه . . قتلتوها . . قتلتوها !

فقبض عليه عونان ورميا به قرب والده داخل سيارتهما التى طارت بهما الى القرية .

اشترك في نشرتنا البريدية