الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الفكر"

رحلة (( البشير صفر )) إلى مصر

Share

(( ان جنازة البشير صفر ، وصورة والدى ، وهو يبكى الى جانبى لا أنا أسأله : لم كان يبكى ؟ ! ولا هو يقول لى السبب ، هى الحدث الثانى الذى عشته ، والذى اثر فى تكوين شخصيتى الوطنية )) . الحبيب بورقيبة : حياتى آرائى جهادى ( * )

يعد محمد البشير صفر ( 1280 / 1863  - 1336  / 1917 ) من أبرز وجوه النهضة الادبية الحديثة فى تونس ، ومن أشدهم وطنية واخلاصا للوطن وساكنيه , تعلم بفرنسا قبيل الاحتلال ، وكان يتحرق شوقا الى اتمام دراسته فى العلوم الرياضية ، الا أن احتلال بلاده ومعارضة المحتل لتعليم الاهالى تعليما جامعيا حال دون رغبته ، فعاد الى تونس - مع أفراد البعثة - وانخرط فى سلك الادارة , وتحمل مسؤولية ادارة الاوقاف قرابة العقد من السنين ، فكان المدافع الصلب عن مكاسب هذه الجمعية وأموالها أمام تهافت المعمرين على أراضيها ونهشهم لارزاق التونسيين ( 1 ) .

والى جانب قيام البشير صفر بمهامه الادارية أحسن قيام انغمس فى النشاط الثقافى والاجتماعى مع ثلة من رفاقه فكون الجمعية الخلدونية احدى النوافذ التى أطل منها طلبة الجامع الاعظم على الثقافة العصرية ، وأسهم فى تكوين أول جريدة عربية غير رسمية ، وهى جريدة الحاضرة وتأسيس مدرسة

فلاحية أهلية ، ومدرسة للبنت المسلمة بالاضافة الى مشاركته فى تأسيس المدارس القرآنية العصرية ، وكل هذه الجوانب المهمة من نشاطه الاجتماعى والثقافى أثرت الحركة الادبية والفكرية فى تونس ، وبوأته مكانة ممتازة فى قلوب التونسيين ، وتجلى ذلك بالخصوص عند نقلته من تونس العاصمة الى مدينة سوسة فى جوان 1908 وفى تشييع جنازته فى أوائل مارس 1917(2) .

وبالاضافة الى هذا النشاط المتنوع قام البشير صفر برحلات الى أوربا والى مصر خاصة . وتعتبر هذه الرحلة الاخيرة من الرحلات الثقافية والسياسية التى تندرج ضمن التعاون وتنسيق خطط الكفاح بين المثقفين فى تونس ، وبين زعماء الاصلاح فى مصر . وقد أرسى هذا التعاون ودعمه الشيخ محمد عبده ( 3 ) بزورتيه الى تونس ( سنة 1884 وسنة 1903 ) وكذلك زيارة الزعيم محمد فريد ( 4 ) الى ربوع الخضراء سنة 1902 .

ونريد أن نقف قليلا عند هذه الزيارة ثم نمر الى رحلة البشير صفر الى مصر .

ان زعيما الحزب الوطنى المصرى وهما مصطفى كامل ( 5 ) ومحمد فريد قد تعلما بفرنسا على غرار البشير ورفقائه . ولا شك ان التجانس الثقافى

والتكوين العلمى المتشابه قد قرب بين المجموعتين ووحد النظرة الى قضايا المجتمع الاسلامى فى ذلك العصر . وكان كل من الفريقين يزور البلاد الفرنسية بين آونة وأخرى خاصة فى فصل الصيف . ولا شك أن زعيم الحزب الوطنى قد تقابل مع البشير صفر فى أوربا . ولم نعثر على مرجع يبين ما تم فى هذا الاجتماع بين الرجلين . وكل ما نعلمه جملة وردت عرضا فى تراجم الاعلام لابن عاشور تفيد ان مصطفى كامل قد اغتبط بمعرفة البشير صفر فى فرنسا ( 6 ) . وأشار الفاضل ابن عاشور فى كتابه أركان النهضة الادبية بتونس الى أن صفر قد عرف زعيم النهضة الوطنية المصرية مصطفى كامل ، واستحكمت صلاته )) ( 7 ) .

الا أنه من المحقق أن محمد فريد - الشخصية الثانية فى الحزب الوطنى - قد اجتمع بالبشير صفر فى تونس وأوربا ثم فى مصر . ويبدو ذلك من خلال كتابه من مصر الى مصر الذى ذكر فيه احاديثه ولقاءه بأبرز المسؤولين فى تونس سواء أكانوا من الفرنسيين أم من التونسيين . فقد اجتمع مع بعض المثقفين التونسيين بفندق درمش ، وأمسك عن ذكر اسمائهم خوفا (( من أن تتعقبهم الحكومة الفرنسية فتلحق بهم الاذى )) ( 8 ) .

وقد تحدث ( أدباء التونسيين وفضلاؤهم ) مع محمد فريد عن (( الاسلام ومصائبه وتسلط الافرنج عن ( ! ) بلاده ينقصونها من اطرافها وكيفية معاملتهم ـن بوقعه سوء الطالع تحت حكمهم القاسمى من اسلمين )) ( 9 ) .

ولا شك أن هؤلاء الفضلاء التونسيين هم جماعة الحاضرة ، وأبرزهم رئيسهم البشير صفر الذى نعته الزعيم محمد فريد أكثر من مرة بالعالم العامل والوطنى الفاضل )) ( 10 ) .

وانتقد محمد فريد سياسة الحماية بتونس أمام نائب الكاتب العام للحكومة أشد الانتقاد خاصة (( حبس حرية الفكر والضغط على الجريدة التونسية الوحيدة ( الحاضرة ) ( 11 ) ومراقبتها المراقبة الشديدة ، وعدم ادخال الجرائد الاسلامية التى تبحث فى شؤون المسلمين عامة )) ( 12 ) .

وجاهر فريد (( بانتقاده لحال تعليم المسلمين ، وعدم وجود تعليم عال أو ثانوى بتونس وعدم صلاحية التعليم الابتدائى لاولاد المسلمين ، لانه يرمى لنشر اللغة الفرنسية واماتة اللغة الشريفة العربية والتضييق على أولاد المسلمين فى المدارس الفرنسية مثل مدرسة كارنو وايجاد العقبات فى طريقهم لتقليل عددهم بهذه المدرسة الثانوية الوحيدة حتى لم يبق منها الا تلميذان من أولاد المسلمين )) ( 13 ) .

وكان لهذه المواقف الجريئة رد فعل سريع من قبل سلطات الحماية ، فمنعت أبرز الجرائد المصرية من الدخول الى تونس مثل المؤيد ( 14 ) واللواء ( 15 ) ومنعت كذلك الزعيم محمد فريد من زيارة تونس التى كانت مقررة لصائفة

1903 ( 16 ) , وبالعكس من ذلك سمحت للشيخ محمد عبده بزيارة تونس فى تلك السنة .

وقد تتبعت ( الحاضرة ) تنقلات محمد عبده فى تونس من رحاب جامع الزيتونة الى أقسام الجمعية الخلدونية فمصنع السميد لصاحبه عبد الجليل الزاوش ( 17 ) . ونقلت محاضرته التى القاها فى الجمعية الخلدونية وعنها نقلتها الصحف والمجلات الشرقية كمجلة المنار ( 18 ) .

ورجع الشيخ عبده الى القاهرة وقد سر بهذه الحفاوة التى استقبله بها التونسيون ، وفى مقدمتهم جماعة الخلدونية : اذ وجد الجماعة يسيرون حسب المبادئ الاصلاحية التى سنها اثر الخلاف بينه وبين السيد جمال الدين الافغانى ( 18 م ) ومفاده ان الاصلاح القويم يبدأ بالتربية والتعليم والاطلاع على العلوم العصرية التى كانت سببا فى تقدم الغرب الذى احتل معظم أقطار العالم الاسلامى .

ويبدو أن جماعة الخلدونية قد التفوا حول شخص الشيخ محمد عبده فقط ولم يتواصل التجاوب بينهم وبين مجلة المنار لصاحبها محمد رشيد رضا الموالى للانجليز أعداء مصطفى كامل ومحمد فريد ، فبعد وفاة الشيخ محمد عبده فى

سنة 1905 كفت والحاضرة عن النقل من مجلة المنار ، وأصبحت هذه الاخيرة تنقل هى الاخرى عن جريدة الزهرة ( 19 ) .

وأصبح التجاوب بين جماعة الحاضرة وبين الحزب الوطنى يشتد ويقوى . وتوج هذا التقارب بزيارة البشير صفر الى مصر .

لقد أعلن وقتها على صفحات الحاضرة ( 20 ) عن زيارة البشير صفر الى مصر صحبة نازلى فاضل ( 21 ) وزوجها خليل بوحاجب ( 22 ) ، وكان ذلك فى نوفمبر 1907 وعاد منها فى أواخر جانفى 1908 . أى دامت هذه الرحلة أكثر من شهرين .

لا شك أن صفر قد التقى بالزعيم محمد فريد ، وتحدث معه طويلا عن تردى الاوضاع السياسية والاجتماعية فى العالم الاسلامى عموما والخطوات التى قطعها الطرفان فى ميدان التربية والتعليم خصوصا ثم تقابل مؤسس الخلدونية مع الخديوى عباس حلمى الثانى ( 23 ) .

وأخيرا أطلع على النهضة العلمية والاقتصادية بمصر صحبة صديقه مصطفى بيرم ( 24 ) الموظف باحدى المحاكم المصرية .

والغالب على الظن أنه لم يجتمع بالزعيم مصطفى كامل الذى كان فى هذه الآونة طريح الفراش ، ومات بعد أيام قليلة من عودة البشير صفر الى تونس ( 25 ) .

والملاحظ أن الشرطة السرية الفرنسية كانت تلاحق البشير صفر فى تنقلاته واجتماعاته بالمثقفين المصريين ، يؤيد ذلك ما جاء فى ملف المكى كمون أحد خريجى الصادقية ، وأبرز المناوئين للوجود الاستعمارى فى تونس ، والذى فر من بلاده واستقر بالقاهرة ، وأخذ يهاجم الحماية الفرنسية على صفحات الجرائد المصرية كالمؤيد وغيرها . فقد سجلت عيون فرنسا الحوار الذى دار بين صفر وكمون حول الحضور الفرنسى بتونس ( 26 ) .

وقد لخص البشير صفر مشاهداته عن القطر المصرى فى محاضرة القاها باللغة الفرنسية بجمعية قدماء الصادقية يوم 8 نوفمبر 1908 بحضور برنار روا الكاتب العام للحكومة وغيره من المسؤولين .

بدأ هذه المحاضرة بالحديث عن مشاهداته فى مالطة وطرابلس الغرب التى رأى فيها شواهد الترقى والتقدم عما كانت عليه فى رحلته الاولى سنة 1309 / 1891 ، ثم تحدث عن مدينة الاسكندرية من حيث حسن نظامها وعدد سكانها الذى يصل إلى ثلاثمائة الف نسمة ، وقال : انه من حين وضع قدمه فى محطة السكة الحديدية تبين له أن غالب الوظائف المصرية بأيدى المصريين من أعلى مستوى الى آخر مستوى الا الرتل السريع فقد تكفل بأمره فنى انجليزى .

ومعلوم أن موظفى وعمال السكة الحديدية بتونس كلهم من الفرنسيين والايطاليين وغيرهم من الاوربيين . اما الاهالى فلا حق لهم فى العمل بهذه الشركة مطلقا وأشار صفر عمدا الى أن غالب الاراضى وغالب الاشغال والصنائع بأيدى المصريين البالغ عددهم احدى عشر مليونا آنذاك فى حين أن الاراضى الخصبة بتونس قد استولى عليها المعمرون ظلما واعتسافا . وعرج على دواوين الحكومة والمحاكم فأكد أن جميع متوظفيها من المصريين وقد كانت حكومة الحماية فى تونس ترفض انتداب المتوظفين التونسيين لكثرتهم حسب زعمها . ثم أفاض القول فى مسألة التعليم فى القطر المصرى فبدأ بالجامع الازهر الذى بلغ عدد طلبته نحو احد عشر ألفا يتلقون العلوم الشرعية على ثلاثمائة مدرس وأشار الى مدارس الحكومة التى بها من التلامذة نحو احد عشر الفا وهو عدد قليل بالنسبة لسكان القطر المصرى . بيد أنه توجد مدارس كثيرة للاوقاف وللجمعية الخيرية الاسلامية . وجمعية العروة الوثقى بالاسكندرية ، وأكد لمخاطبيه أن التعليم الابتدائى بكافة المدارس باللغة العربية فى جميع فروع التعليم ، كما أن هناك كثيرا من المدارس الخاصة وعددا وافرا من الكتاتيب المنظمة على اسلوب المدرسة القرآنية بتونس ، وبلغ عددها بانحاء لقطر المصرى 4180 بها من الطلبة 165000 منهم 12000 من البنات .

ثم تحدث عن الجيش المصرى وعدده ( 18000 ) بمصر والسودان وهم على أتم نظام وأحسن ترتيب ، وعدد ما به من ضباط الانجليز لا يتجاوز الستين فردا . وكذلك البوليس وعدده نحو ( 6000 ) كما أن جيش الاحتلال لا يتجاوز ( 5000 ) رجل . وبعد أن أثنى على الذين تفضلوا باكرامه خصوصا الاميرة نازلى فاضل

والامير عزيز حفيد اسماعيل باشا ( 27 ) تحدث عن حرية الصحافة بمصر وختم محاضرته قائلا :

(( ان البلاد المصرية التى سلكت سبيل المدنية العصرية من عهد محمد على باعانة نخبة من علماء الفرنسيين فى الفنون الحربية والادارية توقف سيرها زمنا ثم هبت تطوى المراحل لتدارك ما فات ووجهت همتها نحو أساس كل مدنية أعنى التعليم والتربية ، وهى سائرة فى هذا السبيل سيرا حثيثا بالنسبة لبقية الممالك الاسلامية وأن ثورة البلاد المصرية ناشئة عن خصب أرضها ونشاط أهلها وكدهم للعمل وارتفاع أسعار القطن وتفضيل الحكومة للمصريين على غيرهم فى جميع أبواب الرزق سواء كانت ادارية أو زراعية أو صناعية بحيث يتراءى للقادم الى مصر لاول مرة أن غالب الاصلاحات الجارية الآن بتلك البلاد . واقعة لمصلحة المصريين وبواسطة مصريين بمساعدة فنية من الاوربيين )) ( 28 ) .

تعتمد هذه المحاضرة أساسا على المقارنة غير المباشرة بين الاستعمارين الانجليزى والفرنسى وطريقتهما فى معاملة البلدان المولى عليها ففى حين يجنح الانجليز الى الاستيلاء على التجارة الصادرة والواردة يعمد الاستعمار الفرنسى الى (( سلب الارض من أهلها ومنحها للمستعمرين ( . . ) ويصبح الشعب المقهور خادما للشعب القاهر لا يملك قيد شبر من أرض بلاده التى تضم عظام أجداده , وهذا شأن الامم الزراعية كفرنسا ، فان الفرنسى مزارع بالطبع ولا يميل الا الى اقتناء الارض لفلحها واستثمارها )) ( 29 ) .

لا شك أن الكاتب العام للحكومة قد اشمأز من هذه المقارنة التى تدين نظام الحماية المعرقل لسير تعليم اللغة العربية وكساد الصناعة والتجارة فى تونس واهمالها بتوريد البضائع الاجنبية ، وتقديم الاوربيين فى الادارات على غيرهم ولو كانوا من شذاذ الاوربين ، وكأن البشير صفر يوجه أصابع الاتهام الى نظام الحماية بعد أن قدم مطالب التونسيين فى افتتاح التكية أمام المقيم العام فى مارس 1906 .

وهكذا فان هذه الرحلة لم تكن للتفسح فى ربوع مصر بقدر ما كانت رحلة للاتصال برؤوس النهضة الاصلاحية فى مصر . وكان لهذه الرحلة نتائج أهمها التعجيل بنقلة البشير صفر الى سوسة وابعاده عن جمعية الاوقاف ( 30 ) وعن العاصمة بالذات التى أصبح وجوده فيها يزعج سلطات الحماية خاصة حزب المعمرين الذى يقوده فيكتور دوكرنيار أحد الخصوم الالداء للاهالى فى تونس .

وقد رفض صفر النقلة الى سوسة فى بادئ الامر ، ( 31 ) ثم قبلها على مضض وهو يقول لمن يعاتبه على قبوله هذه الوظيفة . (( اننى رجل معدم وقد قبلت الخطة لتكون موردا أرتزق منه )) ( 32 ) .

وودعه أصدقاؤه وتلامذته فى جمعية الاوقاف أولا ثم فى الجمعية الخلدونية ثانيا . وذكر فى حفل الخلدونية : (( أنه لولا مناسبة الوداع لما رأى نفسه أهلا لمعشار هذا الاحتفال ، فانه انما كان عمله فى مشروع الخلدونية من باب القيام بالواجبات الوطنية ، وانما للمرء فى حياته أوقات يراها ألذ أوقات حياته ولذلك هو يرى ما قضاه فى خدمة الجمعية الخلدونية من أوقات أجل وألذ ساعات حياته )) ( 33 ) وودعته الصحف العربية وداعا تجلى من خلاله الاسف والحسرة على ابعاد ( روح النهضة الادبية ) عن العاصمة . ونذكر فقرات على سبيل المثال من جريدة الصواب لمحمد الجعايبى ( 34 ) .

(( لقد فجعت المملكة التونسية من أدناها الى أقصاها بذلك الخبر الذى تناقلته الالسن ، وهو خبر تولية الوطنى الغيور المجاهد فى سبيل حفظ الاوقاف التونسية جهاد الابطال السيد البشير صفر رئيس جمعية الاوقاف وروح النهضة الادبية عاملا على سوسة ، والذى زاد هذا الخبر أهمية هى مفأجاته فى هذه الظروف التى أصبح فيها الخوف على الاوقاف أكثر من الخوف على الاعناق والارزاق ، ولقد كان لهذا النبأ المشؤوم رنة عظيمة بين كافة التونسيين لا فرق فى ذلك بين العالم بالحقائق والجاهل بخفايا الامور )) ( 35 ) .

ثم تتوجه الصواب الى مدينة سوسة لتهنئتها بمقدم البشير صفر عليها قائلة : (( فهنيئا لك ، فقد أخذته منا ونحن فى حاجة اليه وأبعدته عنا والنفس مشوقة اليه ، فانك والله ذات حظوظ ووجهك بعين العناية ملحوظ فسقيا لربوعك التى ستحتوى على أفضل تونسى أشرب فى قلبه حب العدل فلا تأخذه فى الحق لومة لائم ، فهو من خيرة القوم سماحة وعلما وأوفرهم تواضعا وحلما ، تقى والله انك لا تضامين أبدا ولا تظلمين فتيلا ، ما دام يحرسك ويرعاك واياك أن تمنى بفضله على البلاد الاخرى فتحسدك عليه وكل ذى نعمة فى الكون محسود )) ( 36 ) .

وهكذا يمكن اعتبار رحلة البشير صفر الى مصر والمحاضرة التى لخص فيها انطباعاته عن هذه الزيارة سببا مباشرا من بين عدة اسباب اخرى ( 37 ) عجلت بنقلته الى سوسة وانفرط العقد الذى كان البشير صفر واسطته ، ثم

التأمت حبات هذا العقد شيئا فشيئا بفضل تلامذته ومريديه ، وأبرزهم على باش حانبه ( 38 ) الذى قاد المشعل بعد غياب استاذه البشير صفر عن العاصمة .

بيد أن البشير صفر لم يتوقف نشاطه الثقافى والسياسى ، فقد شارك فى مؤتمر افريقيا الشمالية بباريس سنة 1908 بتقرير هام ( 39 ) كان له الصدى البعيد فى أوساط المتحررين الفرنسيين . وتحول موضوع الاوقاف الى قضية قومية ووطنية بعد تقديم هذا التقرير ( 40 ) .

اشترك في نشرتنا البريدية