التعاون الحق فى التسابق الى الابتكار والخلق
زرت في الأيام الاخيرة الاستاذ حسن حسني عبد الوهاب فى بيته فغمرنى بعلمه وفرط فضله وكرم اخلاقه وخصص الى من راحته ، متعه الله بالعافية وقتا حلق بي معه في ذكرياته الممتعة فحدثني عن المجمع اللغوى بالقاهرة ، وهو أقدم عضو فيه ، ومن مؤسسيه وكنت قدمت اليه مشروعى المتعلق بتيسير الطباعة العربية ، فأفاض فى الحديث عن هذا الموضوع وأتاح لي الفرصة بأن أطلع على ثلاثة كتب ، لم أتكمن من العثور عليها من قبل ، وإن كنت عرفت محتواها ملخصا ، وهي عبارة عن ثلاثة مشاريع كان المجمع اللغوي بالقاهرة انكب على دراستها وهي
1) تيسير الكتابة العربية ( نصوص المذاكرات والمناقشات التى دارت هذا الموضوع وما اتخذ فى ذلك من قرارات فى مؤتمر المجمع سنة 1944 ) 2) ضبط الكتابة العربية لمحمود تيمور - القاهرة 1951
3) تيسير الكتابة العربية - مجمع اللغة العربية - لجنة تيسير الكتابة - القاهرة - سنة 1961 .
هذه الزيارة هي التى حفزتني على العودة الى شرح هذا الموضوع وتأكيد الاسباب التى دعتني الى ولوج هذا الباب وبيان جدة ما قدمته من اقتراح رغم تعدد المشاريع وخوض الجهابذة فى هذا الميدان وركضهم فى هذه الحلبة .
وان موضوعا شغل الناس أكثر من ربع قرن وضرب فيه كل رام بسهمه وتحركت من جرائه العزائم الصادقة وغير الصادقة ثم تخفت الاصوات وتتمخض الجلبة عن حصاد ضئيل وعجز ظاهر ولا تغنم الكتابة العربية ولا الطباعة العربية من ذلك شيئا ، ثم يأتي بعد كل هذا من يقول ويثابر فى القول بأنه ظفر بحل جديد ، أن هذا لمما يثير مواقف متعددة من أصناف من القراء مختلفة :
- فصنف عاش الظروف التى أثير فيها هذا الموضوع وتحمس لها وعلق عليها آمالا كبيرة ولكنه لم يظفر بشئ ملموس ففتر حماسه وأصبح لا يبالي بما يكتب فى هذا الباب . فلا هو يعتنى به ويصرف جهده الى فهمه ولا هو يشجع من يعتنى به .
- وصنف ثان ، وهو موجود فى تونس ، يحسب على العلماء وما هو بعالم ، له بعض إلمام ببعض فروع المعرفة . ولكنه ضنين بما يعلم والعالم الحق هو الذي لا يبخل بما عنده ولا يقوى على كتمان رأيه مهما تقلبت به الظروف وتصرفت به الاحوال . وهذا الصنف ان هبت عليه " اريحية العلم " فانه الى التحطيم والتهديم سباق عظيم
- وصنف ثالث ادعى العلم والمعرفة وأشاع ذلك بين الناس فوجد من ينصت الى آرائه حتى من علية القوم فيصدقها ويعتبرها صادرة عن عليم خبير . وهذا الصنف قادر على التدليل على صحة الشئ وضده وهو الى التحقير والتشنيع والنكران والهمز واللمز أسرع وعلى هذا كله أقدر
- وصنف رابع لا يزال يتحسس خطاه ويطلب المعرفة فلا يمكن له أن يصدع برأيه وهو يتحمس لكل طيب ويحكم عقله فى كل جديد وتجده يحمل بين جنبيه نفسا أبية متعطشة تتوق الى كل من يأخذ بيدها .
وصنف خامس وهو المتثبت والدارس والعالم الحق لا يتسرع فى الحكم الا بعد حين ، ولا ينطق عن الهوى ولا يخشى فى الحق لومة لائم . ومن حسن الحظ أن هذا الصنف موجود فى تونس بكثرة والحمد لله .
فهذه الأصناف المتعددة من القراء ما زالت تحتاج اإذن ولأسباب مختلفة الى زيادة في شرح جدة هذا الاقتراح وتأكد جدية الانكباب عليه درسا ومقارنة
ولهذا فان نقد الطرق السابقة والامعان فى تحليلها وإظهار محاسنها وعيوبها لا يمكن أن يعد حطا من قيمتها ولا طعنا فى أصحابها ولا ضربا من التعصب لبلد دون آخر ولا محاولة إحباط التعاون بين المثقفين فى البلدان العربية . إذ التعاون الحق هو سعى كل بلد عربى وكل مثقف عربى فى الاجتهاد والابتكار والخلق والابداع . والبقاء فيما بعد للأصلح وهى سنة الكون ولن تجد لها تبديلا . لهذا فأنى سأبدأ فى الحديث عن هذه الكتب الثلاثة اولا ثم أتدرج الى وضع المشكل مرة أخرى فى موضعه مع بيان جدة اقتراحى وامكانيات تطبيقه
الاقتراحات الثلاثة :
فيما يخص طريقة عبد العزيز فهمى فانى لا أفيض القول فيها لأنها تعتمد إدخال الحروف اللاطينية مع الابقاء على بعض الحروف العربية وهو أمر لم يقبله لا المجمع اللغوى فى القاهرة ولا الرأى العام العربى آنذاك ولا أظن أن أحدا يفكر في إثارة المشكل من هذه الناحية مرة أخرى
على أننى أريد أن ألفت الانتباه الى أن عبد العزيز فهمى يكاد يكون الوحيد فى ذلك الوقت الذى وضع إصبعه على الداء وبين نوعا ما أن المسألة ليست
فى القراءة الصحيحة وفي تجنب اللحن فقط بل هى تتعلق بتقدم العرب إذ خلو الحروف من الحركات يعد مظهرا من مظاهر التخلف . على أنه لم يحلل هذه الظاهرة التى لاحظها هو ولاحظها قبله بعض المستشرقين والأخصائيين فى تاريخ الكتابة .
أما طريقة الكاتب المعروف محمود تيمور فهي تتلخص فى أنه " اختصر من صور الحروف صورة واحدة " وهي " الصورة التى لا تقبل الاتصال من بدء الكلمات والتي يسميها أهل فن الطباعة : حروفا من الأول على أن تؤثر الكاف المسبوطة وتظل حروف الألف والدال والراء والزاي والواو والتاء المربوطة واللام ألف باقية على صورتها فى حالة افرادها " . وهكذا يكون عدد الحروف ثلاثين صورة مع إدخال علامات الشكل المعروفة فوقها وتحتها
غير أن لى اعتراضين : الاول نظرى ، والثاني تطبيقى :
أولا : إن كل لغة هي تعبير عن حضارة كاملة و هي تعبير عن حضارة كاملة وهي المرآة التى تنعكس فيها ألوان التفكير وضروب العواطف والخلجات وبكلمة أوضح مقومات تلك الحضارة والكتابة هي محاولة لتجسيم تلك اللغة والمحافظة على خصائصها والكتابة العربية هي من صنف الكتابات المجردة لا الكتابات الملموسة إذ " مبدأ الكتابة الملموسة يتمثل فى أنها تقتصر على (ecritures concretes ) كونها مجرد ضبط للكلام ، نسخة طبق الأصل منه . وهذا الحل يبقى ممكنا اذا بقى الكلام قادرا على التعبير عن الفكرة ودخائلها أو بعبارة أخرى اذا أمكن للفكرة أن تعبر وتنمو بواسطة الكلام . وفى عصرنا بدأت الفكرة تخرج عن طوق الكلام وبالتالى عن الكتابة الملموسة ولهذا نجد اليوم بروز أنواع أخرى من الكتابات المجردة (ecritures abstraites ) تختلف بالطبع عن الكتابة السامية التى تعتمد الحروف ( ecritures consonnatiques semitiques ) وهي كتابة مجردة ولكنها تتحاشى أن تكون نوعا من التسجيل للصوت وتتوق بالعكس الى مواكبة سير الفكر الجديد ) * ( .
ولهذا فان الكتابة العربية هي من صنف الكتابات المجردة التى إن عرف اهلها كيف يطورونها يمكن لها مواكبة جميع ألوان التفكير الجديد . وبما أن الكتابات المجردة تختص بأنها تبرز في كل كلمة أصل الكلمة ) Racine ) ونهجها ( scheme ) فان المحافظة على إستقلال الكلمات ووضوحها أمر لا يمكن التخلى عنه . وهذا الحرص تجلى فى الكتابة العربية فى أمرين :
1- إبقاء الروابط بين حروف الكلمة الواحدة . 2- اشعار القارىء بأن الكلمة انتهت وذلك باثبات الحرف فى صورته آخر الكلمة ) كالحاء والعين والقاف بالتعريقة وغيرها ( .
وهكذا فان انفصال الحروف في الكلمة الواحدة وعدم تمييز الكلمة دون اختها يعد بعدا عن روح اللغة العربية وتشويها لها .
ثانيا : أما من الناحية التطبيقية فان الاستاذ محمود تيمور باقتراحه هذا اقتصر على صناديق التصفيف باليد الموجودة بمصر والمحتوية على حروف مفرغة يمكن إدخال الشكل فوقها أو تحتها . ولهذا فانه يصعب الاخذ بهذا الاقتراح في آلة الصف التى تعتبر الحركة حرفا آخر ويتعذر فى آلات الكتابة وآلات الصف معا تركيب الحروف . وبالتالى فان تعميم هذا الاقتراح فى الجرائد والمجلات التى تقتضى السرعة أمر من المستبعد التفكير فيه .
وهكذا بقيت المسألة في ذهن الكاتب المشهور لا تتعدى الحرص على القراءة الصحيحة وتحاشى اللحن بالنسبة لمن يكون بين يديه إما كتاب مدرسي أو كتاب أدبي أما الذين يعتمدون في ثقافتهم على الجرائد والمجلات وغيرها فليلحنوا ما شاء لهم . وأخيرا فهذه الطريقة لا تضمن للغة العربية الانتشار ولا تمكن الجماهير من التثقف السريع
بقى آخر اقتراح قدمه المجمع اللغوى بالقاهرة وهو المبين فى الكتيب الذي كنت أشرت اليه فى أول هذا المقال . لقد حافظ هذا الاقتراح على أصول الكتابة العربية فى الحملة الا أن هناك ملاحظتين حرصت على إثباتهما فى هذا الباب وهما :
اولا : ما هو السبب في التمسك بصورة العين ) الغين ( المبتدئة ) عـ - غـ ( فى جميع الحالات وإهمال صورة العين ) الغين ( المتوسطة ) ( ـعـ - ـغـ )؟ لا أظن أن هناك ضرورة تقنية اللهم إلا الحرص على أن يكون للعين والغين صورة واحدة .
ثانيا : وقع بتر تعريقات الجيم والحاء والخاء والعين والغين وأظن أن ضرورة وضع الشكل تحت الحرف وهو مفرغ هو الذي حتم ذلك
وعلى كل فان هذا الاقتراح حرص على الابقاء على جمال الخط العربى وأصوله .
إلا أن الذي يجدر تأكيده هنا هو أن هذا المشروع لا يفي بالحاجة لو أننا أردنا تطبيقه في الجرائد والمجلات بواسطة آلات الصف لأنه
أولا : لم يعتبر مسألة الشكل أمرا يجب تعميمه فى جميع ما يكتب باللغة العربية بل قصره على الكتب المدرسية فقط فتجد ص 11 : " يلتزم الشكل الكامل فى الكتب المدرسية الابتدائية ، حتى يعتاد الطالب سماع اللفظ الصحيح وقراءته ويخفف منه فى مرحلة التدريس الثانوى حتى يقتصر منه على ضبط ما يشكل " .
ثانيا : لم يشر الى حل عملي بالنسبة للشكل بواسطة آلات الصف بل
اقتصر على توصيات عامة . ولهذا نجد حتى في الانموذج المبين فى أول الكتاب أنه وقع استعمال الحروف مفرغة بحيث تأتى الحركات فوق الحروف وتحتها وهذا ما لا يمكن أن تحتمله آلات الصف
ثالثا : لم يختصر من عدد الحروف الموجودة فى أحدث الآلات ( لينو تيب 90 حرفا ( ووصل الى عدد 113 حرف بدون شكل و 135 حرف بالشكل
ولذا فمن الواضح أن ما قدمه مجمع اللغة العربية بالقاهرة لا يمكن أن يكون طريقة عملية يعمم بها الشكل فى جيع ما يكتب باللغة العربية
الجديد في " الكتابة النموذجية " :
بعد هذا يقول القائل ما هو الجديد فى الاقتراح الذي قدمته حول تيسير الطباعة العربية وسميته " الكتابة النموذجية "
إن أهم فكرة يمكن إبرازها فى هذا الموضوع هى أننى جعلت مسألة الشكل فى المقام الأول وإن لم أفصل القول فيها من الناحية النظرية وتركت ذلك الى عدد قادم . أى إننى وضعت نصب عيني من أول وهلة أنه يجب استنباط طريقة تضمن الشكل فيما يكتب بالجرائد والمجلات
ذلك أن إنتشار اللغة العربية وجعلها لغة حية بأتم معنى الكلمة تتناول الأحداث اليومية وأدق جزئيات حياة الناس لا يمكن أن تكون قريبة من الجماهير إلا إذا تيسرت قراءتها فى الجرائد والمجلات ، ولا يمكن أن تتيسر قراءتها الا إذا كانت الجريدة مشكولة والمجلة مشكولة والمعلقات مشكولة وكل ما يقع عليه نظر القارئ مشكولا . بحيث يصير وضع الحركة امرا لا يمكن الاستغناء عنه لا لمجرد الرغبة فى القراءة الصحيحة السهلة وتجنب الخطأ فقط بل لتلافى مشاكل تتعلق بالخلق والابتكار وسأعود الى تفصيلها فى المستقبل
غير أن هذه العزيمة التى تتمثل فى ادخال الشكل فى الجرائد خاصة تعترضها عوائق كبيرة . إذ لا نجد الى حد اليوم آلة صف يمكن لها أن توفر لجريدة ما الخروج في يومها مع استعمال الشكل . فلو أردنا مثلا استعمال آلة مو نتيب وهي الآلة الوحيدة عدا التصفيف باليد التى تسمح بطبع نصوص مشكولة لانتظرنا صدور الجريدة اليومية أياما .
هذه العقبة الأولى يجب اجتيازها أى من الواجب تمكين المطبعة بآلة صف شبيهة بآلة لينوتيب التى تطبع بها الجرائد اليوم وهى الآلة التى توفر سرعة الانجاز ، ووضوح الحرف وجودته ، وطاقة لتصفيف عدد كبير من الصحائف فى اليوم ، واقتصادا فى التكاليف
وأعتقد أن طريقة " الكتابة النموذجية " التى استنبطها تفي بهذه الحاجة وأهم خصائصها هى
1- أن العامل يجد سهولة أكبر فى الضرب على الآلة بما أن عدد الحروف اصبح أقل من حروف لينوتيب اذا استثنينا الحركات والشدة ثم ان الركن الخاص بالحركات يتوجه اليه العامل بصفة آلية اذ هو محدود ويمكن القول على الاقل أن العامل يؤلف نصا مشكولا بطريقة الكتابة النموذجية بنفس السرعة التى يؤلفه بطريقة لينوتيب إن لم يكن بصورة أسرع
2- أن المسافة بين الحرف والحرف اعتيادية إذ أن الرابط الذى يحمل الحركة يكمل السابق واللاحق وهو من أصله مبتور بحيث أن الكلمة لا تأخذ مسافة زائدة على المعتاد ولا يترتب عن ذلك تكاليف تتمثل فى زيادة الورق خاصة 3- أنه يمكن أن تبقى المسافة بين السطر والسطر هى نفسها ولا خوف من اختلاط حركات السطر الأول مع حركات الثاني اذ الحركات توضع بطريقة متميزة وفي مستوى واحد وهو أمر موكول الى الاختصاصيين وليس بالصعب جدا .
بهذه الطريقة يمكن التفكير جديا فى ادخال الشكل فى الجرائد والمجلات وبطبيعة الحال فان تطبيق ذلك فى الاول يتطلب من الصحفيين شكل نصوصهم وهذا ليس مستحيلا مع الدربة وتمكن العادة ويقتضي أيضا وجود مصحح عارف بالعربية متضلع فيها وهذا أيضا موجود فى تونس
وأخيرا فانى اعتبر أن هذه الثورة فى الطباعة العربية يمكن أن تبدأ بها تونس وهى الآن تبنى أسس النهضة الشاملة خاصة وهى السباقة الى كل جديد . فحرى بها إذن أن تحرر اللغة العربية من القيود التى تكبلها كما تحررت من قبود المستعمر وكما حررت المرأة وخلصت اقتصادها من رواسب الماضى ( * ) .
