الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الفكر"

كل شيئ يشهق ..

Share

كانت ليلة ممطرة ، البرق بمزق السحاب والسماء والابصار ، والرعد يفجر السفوح والهضاب والأفئدة ، لقد داهمت العاصفة القرية على حين  غفلة بينما كان القوم نياما ، وصرخ الأب فى ابنته فاطمة بصوته الأجش :  انهضى ....

واختلطت صرخته بهدبر الرعد فلم تزد الا ذهولا وهلعا ، يا للرحمة ما الدى يقع وما الذي أسمع .. ؟ زار الأب من جديد راكلا اياها برجله فانتفضت وتراجعت ترتحف ، الرعد وأبواق الريح العاتية وصراخ الآب اختطفت عقلها واتزانها ، ما رفضت يوما امرا لوالدها القاسى القلب ، الذي ما عرف الرحمة والشفقة ، صفعاته وركلاته تسبق كلماته والسباب واللعنات تصحب كل هذا فى غضب حمل هائج ، ولكنها أحست أن قوة أخرى ما تصورتها حالت دون الاصغاء إلى أمر أبيها .

سكن الرعد وخفت أبواق الريح عن النعيق وبدأ الارتياح يدب فى اصولها ، لكن لطمة الأب التالية دفعت بها الى الخارج ، لم يامرها الأب بفعل أي شئ ولكن لطمة أو كلمة واحدة بدون معنى كافية لمعرفة ما يريد . تبا لهذا الجمل ، هاهو ينتصب كالجلود أمام الدار يتحدى السماء والرعد والبرق والمطر ، باله من أب طاغية ! لو كانت أمها بالدار ما تركتها تخرج تحت هذا الوابل من المطر مهما وقع ، حتى ولو تعرضت هى أيضا لركلات ولطمات .

ركعت تحت الجمل تفك رباطه وهى ترتجف كقطة مبللة داهمها الخطب ، كل شئ يمطر ويسيل ، كل شئ يبعث على الفزع والهلع ، صرخات الأب وركلاته وصفعاته ، السيل المنهر من السماء فى غير عادته بالقرية من يوم عرفت الحياة والقرية والمطر ، والرعد المزلزل لكل شئ والبرق الخاطف للبصر ، وبغتة سكن كل شئ الا رذاذا خفيفا ادخل السكينة الى قلبها .

جذبت الجمل من الرباط وادخلته تحت الرواق وعادت أدراجها لتغلق الباب الخارجي وما إن أطلت برأسها الى الخارج بتطفل غير شعورى حتى ابرق البرق وأرعد الرعد فى قوة الرحمان .

طال انتظار الأب لعودة ابنته ، ولما يئس من هذا الانتظار الرهيب ، التف  فى بعض ثيابه وأسرع الى الخارج وعقله عاجز عن تكهن ما وقع ، الغلظة عمت له البصيرة ، فما دار بخلده أنها الفتاة الرقيقة الحساسية العاجزة عن مواجهة عناصر الطبيعة الغاضبة وقد ارتجت السفوح والأودية والجبال لهولها ، ان قسوته أخرست كل حس فيه واستحال الى جلمود قد من فولاذ تتكسر على شاطئه الكائنات المتحركة والميتة ، يؤلم ولا يتألم ، يفزع ولا  يفزع ، يخيب الأمل ولا يخيب أمله . أنيرت السماء بخيط من نور البرق فعثر الأب على ظالته ، تفقد الجمل واطمأن لكن أين ذهبت ، ازدحمت التخمينات بمخيلته ، لعنها سرا وجهرا وارتسمت على محياه صرامة الطاغية  الحاقد الغاضب لكلمة حق قيلت فى حضرته وقد أصابته فى الصميم .

- قد تكون لجأت الى بيت عمتها أو لحقت بأمها ما وراء خط السكة الحديدية ؟ يا للملعونة لو أقدمت على ذلك ! وهم بالعودة الى البيت لولا سماعه لشهقات تتبعث من الباب الخارجى فأسرع الخطى ، يصفع المياه الراكدة برجليه الحافيتين الثائرتين ، انه لم يبصر الا رداء ينتفض ، مصحوبا بشهقات مفزعة جمدت كل حركة فيه ، أراد أن يناديها فخانته الكلمات ، انفلتت منه واختفت فى شعاب أعماقه ، تسرى فى كل رجفة من رجفاته وفي كل خفقة من خفقاته ، هل حقا  هى ابنته ؟ هذه التى أصبحت قطعة من الارتعاش والانتفاض ، انه لا بكاد يصدق ، قد يكون الامر أهون مما يتصوره ولكنه جمد فى مكانه ليجسد الذهول والطمس .

أبرق البرق مرة أخرى فأبصر وجهها بعينيها الجاحظتين الغاربتين فى السماء ، فى صورة الذى يغادر الارض فى رحلة النهاية ، بملامح مرعبة مرهبة  دفع الى الوقوف بمنعطف هاوية لا قرار لها ، كان الجسد يرتج ويهتز مصحوبا  بشهقات تتبعث من الأعماق ، تدفع الهيكل أن يتبع هذا الايقاع بشراسية الذي يواجه خطرا ، الهلاك منتهاه .

- يا فاطمة ...  لقد أحس أنه أضعف من أن يتحمل هذا المشهد المؤلم ، ورغم هذا لا يعرف كيف انطلقت منه صرخة باسمها ، هي ما تبقى له من فظاظة ، ولما لم تعره أى

انتباه ، انثنى نحوها بجذعه الطويل فسقط اللحاف لما فقد تماسكه كأى شئ ميت . حمل فلذته كما يحمل مولود الناقة التى تخلص منها أخيرا بعدما وهبت له من النوق الكثير ، كان يحس بالرأفة والحنان لمواليد الناقة وكان يحلم  بالنمو والتطور والكمال والمردود المالي الذي سيكسبه ، ولم يتذكر انه حمل احدى بناته كما يحمل أولاد الناقة الولود وكما يحمل فى تلك الآونة الكتلة  المنتفضة .

ألقى عليها كل ما عثر عليه من غطاء ليسكن روعها ويخمد فيها شهقات لو صدرت منه بعضها لمات . قبع بجانبها يشهد هذا الانتفاض فى جزع ويصغى الى الشهقات فى رهبة ، لقد عجز عن التصديق ، كل شئ فيه وفي هذا الكون لا شك يرتج مع هذا الهيكل الصغير ، كيف قدر هذا الهيكل على الصمود لهذا الهول ، لقد استحال الى صخرة صماء لا تصغي الا للشهقات ،  كان هيكلا آدميا يحتضن قلبا من صخر فاستحال الى صخر يحتضن قلبا من الرحمة والشفقة ، انه أعجز من أن يصمد أمام هذا القضاء ، لقد ذبح الحيوانات بأنواعها وبعث بأرواحها الى السماء ، ولم تصدر منه أية ارتعاشة أو رهبة ،  إنه لقادر أن يقبض روحها لو فعلت منكرا فى ثوان من دون أن تخالجه ذرة من  الرحمة أما وهذا الخطب الذي أصابها فالأقدار وحدها القادرة على صده ، إنه  يتحطم وراء كل شهقة وتتمزق أطرافه ويفقد الشعور بوجود حقيقي لذاته ،  إلا أشلاء من الكوابيس والتخمينات وتمزقات فى القلب تبعث به الى عالم  كله ألم .

لقد سكن كل شئ عند الفجر وجلت بقع الغيوم من سماء القرية وظهرت اشعة الشمس لترسم يوما جديدا ، والأب يقبع ويقف ويطل من الباب ومن الكوة  ويعود من جديد فى تذبذب الذي فقد رجاحة عقله ، وقد أتعبته هواجس من  نفسه ، إن الفتاة لا تزال تشهق وتنتفض فترتج الدار والقرية بأشجارها وإبلها وسمائها ، لقد استحال كل شئ إلى مرارة الذي فقد لذة الحياة ، حاول مناداتها فاكتفت بادارة بصرها اليه ثم تشهق وتهتز وتصبح نظراتها الدافع  الاكبر للهروب من أمامها الى الخارج طريدا ، عجز عقله عن التركيز ، هل يلوم  نفسه على ما صنع ؟ أم يلوم الأقدار ؟ أو يتضرع اليها فى خشوع !؟

ثلاث ساعات وهى ترتج ، يا للرحمة إنه يشعر بالموت عوضا عنها ، فى كل رجفة منها يحس انها الأخيرة وانه هالك معها ، ولما نفد صبره غادر الدار  مسرعا وعدا فى اتجاه دار ابنته الأخرى ليعلم زوجته بالخير فتدبر الامر ، كان يسرع ويلتفت ، إن شيئا منه بقى بين الحياة والموت يصارع النوائب ، لو

أصابت الجمل لسقط سقطة لها دوى وأى دوى ، ما الذي يا ترى أصابها!؟  إن لم يسمع بهذا القضاء طيلة حياته ، وفجأة توقف ، ها هي مقبلة نحوه ، إن الاقدار ترعاه .

ما إن اختطفت الأم ابنتها ورفعتها اليها وتمعنت فى سحنتها واهتزت مع اهتزازها وفزعت من شهقاتها حتى صاحت وولولت ولطمت صدرها وخديها  والبنت تبصر وتسمع وتشهق ، نادت الأم الأب فما لبى النداء ، إن الشهقات تطارده فتبعثر أفكاره وتدميه فى الصميم ، لقد أصغى الى صرخات الام  وندائها ، فما زاده النداء الا تمزقا ، إنه أعجز عن الصمود أكثر من ذلك! وغادرت الأم الدار وانتصبت أمامها وصرخت بأعلى صوتها مولولة ، وقبل ان  يلحق بها الأب ليعرف جلية الخبر أطل القرويون ليشهقوا ، وامتلأ فناء الدار وما من مصغ لجلية الخير حتى يتغير وجهه ويولى الأدبار بعيدا عن شهقات تحز القلوب وتعكر المزاج ، وكثرت التخمينات ، واستنجدوا بفلان صاحب بركة وفاتح لكتب الحكمة وبفلانة التفالة ، وانتشر الخبر فى القرية كما ينتشر الجراد فى الارض وأصبحت الدار قبلة القرويين يغلبهم تطفلهم ، وما ان يقفوا على  جلية الامر حتى يهربوا طالبين - اللطف - .

نحدثت كل البيوت بشهقات فاطمة وترددت الشهقات فى أذن كل قروى ، نهاية ها هناك تشهق ، وإنهم ها هناك يتألمون ويروون قصتها ، فى كل حركة شهقة وفي كل لفظة شهقة ، داخل كل بيت وعلى كل شجرة شهقة ، نسي الناس همومهم ، وتكبلت تحركاتهم وأصبحت دار فاطمة قبلتهم ، الأقدار وحدها القادرة على تحمل ما تتحمله البنت ، عجزوا عن التكهن بالخاتمة بعدما  عجزت الشعوذة والأدوية إبطال هذا الداء .

لقد أخطأت البنت فأصابتها اللعنة ، ولكن لماذا هي بالذات التى تصاب وقد أخطأ غيرها !؟ حليمة وبشرة مضغة فى الأفواه ، يلوكهما الناس كما تلاك العلك ومع هذا لم تصابا بمكروه ، وما كانت لتخطئ فاطمة ذلك الملاك ، وهي حلم شباب القرية ، صاحبة حسب ونسب ، ما أبصرتها عين فى وضع مزر وما ذكرها لسان إلا بالخير ، الأقدار ترى ما لا تراه الأعين ، وقد يخطئ المرء فى حق الاقدار ومع هذا لا يصاب الا بعد حين .

لأيام تتمط ، كل شئ يتمطط ، لقد غزا القلق النفوس وكانت الحيرة ، القرية كلها تشهق ، تختنق ، تدفع بأنفاس معقدة حائرة الى السماء ، تحمل ألف سؤال الآذان ما عادت تسمع إلا الشهقات ، والأعين ما عادت تبصر الا

الانتفاض ، حتى الارض والسماء فى انتفاض دائب ، لقد شلت حركة القرية ، لا شئ على الاطمئنان ، لا شئ يبعث على التفاؤل ، كل شئ تافه ، كل شئ منقوص ، الكمال نسبى ، إن الامر جد خطير والخطب عظيم ، العقول شلت ، أصابها العماء ، فلم تعد ترى الأشياء بميزان الطبيعة ، فقدوا الثقة  فى كل شئ واختنق المنطق عدوا الامر ظواهر تنبئ بالويل والثبور .

كان من المفروض أن يرجم أى شئ آخر غير فاطمة ، ولقد اخطأت الطبيعة فى الاختبار ، فالقربان كان وليد اختيار طبيعة عمياء فقدت أنبل حواسها فاذا بها تخبط خبط عشواء ، وتلقفت أناملها زهرة كان لا بد أن تكون اكليلا تتوج الهامات الصادقة ولكنها كانت القربان غير المزكى من المنطق . وطبيعيا أن لا تشهق فاطمة وحدها ، فالقرية كلها تشهق ، وقد تكون ارادة الطبيعة التى أرادت تأديب القرية باختيار الضحية من اطهر صباياها .

هل أصابت .. ؟ هل أخطأت .. ؟ الصواب نسبى وكذلك الخطأ ، هل كانت فاطمة تشهق حقا أم كانت وهما ، إن القرية كلها تشهق وقد يكون المراد بالرجم هى القرية ، كل القوانين والشرائع تعاقب الفرد أو تسمو به حسبما  قام به هو من أعمال .

كانت السماء داكنة ، السحب تحجب القرية عن كل شئ حتى عن معرفة الحقيقة ، وعلى حين غفلة أبرق البرق وأرعد الرعد فى قوة الرحمان ، أفزعت ما هب ودب ، وسكنت فاطمة وانقطعت شهقاتها ، لقد انصفتها الطبيعة ونامت  البنت تلك الليلة ، واستغرقت في النوم حتى الموت الا القرية التى لم تنم ،  لقد سهرت هلعة فزعة .. تشهق  .. وتشهق  .. حتى الموت .

اشترك في نشرتنا البريدية