ان العناية بالامراض النفسية قد تطورت تطوار عظيما فى جميع البلدان منذ العقود الاخيرة من هذا القرن . فقد ارتفع عدد المرضى المصابين بالاضطرابات النفسية والعصبية الذين اكتشفت آثار المرض عندهم ووقع علاجهم . وكذلك تتقدم طرق المعالجة وتتقهقر الاوهام التى كانت تشوب مفهوم المرض العقلي ومن ناحية اخرى فان الامراض العصبية والنفسية تزداد على حسب انهيار النظم الاجتماعية العتيقة والانتقال الفجائي الى نظم اجتماعية اكثر تعقيدا وتعكرا . فهذه الانقلابات والتغييرات قد ادخلت توترا جديدا وسرعة في الحياة اليومية مدهشة ومرهقة اكثر فأكثر سواء فى البلدان المتقدمة او التى هى فى طريق النمو .
وبما ان المجتمعات المتطورة قد اختصت بقضائها على الاوبئة والافات الاجتماعية مثل الملاريا والسل ومرض الزهرى ) Syphilis فان امراضا اخرى سميت بامراض القرن العشرين قد برزت وتضاعفت عند هذه المجتمعات نذكر اهمها السرطان والامراض النفسية وأمراض القلب والشرايين
يصح ان يقال ان مشاكل الصحة العقلية قد اخذت شيئا فشيئا المكانة الاولى فى اهتمام الدول المتطورة التى توصلت بعد عناء شديد الى القضاء على الآفات التقليدية ، ذلك ان هذه الدول اصبحت تخضع لحياة متشعبة فى اجهزتها ودواليب حركتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية . وهذا هو الشان مثلا فى الولايات المتحدة وبريطانيا اللتين التزمتا تخصيص نسبة مئوية ضخمة من اسرة المستشفيات للمصابين بالامراض العقلية من ذلك ان اكثر من % 40 من اسرة المستشفيات كلها مخصصة للامراض النفسية والعقلية فى هذه البلدان
وعليه فان المنظمات العالمية العديدة التى تعتنى بصحة الافراد أولت منذ عدة سنوات اهمية كبرى لمشاكل الصحة العقلية
ففى شهر افريل 1959 كان موضوع يوم الصحة العالمي هو : الصحة العقلية
ثم ان عام 1960 وهو العام الذى اعتبرته المنظمة العالمية للصحة : عام الصحة العقلية ، كان بداية مجهودات جبارة فى هذا الميدان قامت بها المنظمات القومية والعالمية العديدة . فبعثت بعدة مناشير فى هذا الشان الى الحكومات . وفي شهر جوان 1961 توج مؤتمر الطب النفسانى العالمى الثالث جميع اعماله برسم قائمة للنتائج الضخمة المتحصل عليها ، وقائمة المشاريع القادمة . وسرعان ما تلاه المؤتمر العالمى لحفظ الصحة العقلية المنعقد فى اوت 1961 بباريس والذى انعقد من جديد فى 1962 فى " ليما " فى " البيرو " ثم فى بيرن بسويسرا سنة 1963 . ولقد تبعتها مؤتمرات وندوات عديدة فى اصقاع مختلفة كلها تدور حول هذا الموضوع الهام
فكما استطاع علماء الفيزيا اثناء العام " الجيوفيزيقى " العالمى اعداد تخطيط مكنهم من ادراك anne geophysique internationle ( حوادث الطبيعة المادية ، فان تكاتف وتعاون الاطباء النفسانيين وعلماء النفس والمربين وعلماء الاجتماع وعلماء البيولوجيا ، مكنهم هذا التعاون فى السنوات الاخيرة القريبة من فهم التوترات الراجعة الى حياة المرء نفسها فهما اكبر وبالتالى مكنهم من اكتشاف الحلول الناجعة للازمات النفسية
هذا وان الامراض العقلية ليست تتعلق فقط بالتوترات النفسية والعاطفية بل هي في كثير من الاحبان ناجمة عن اسباب عضوية وحياتية دقيقة واضحة
ان التسمم والتعفن ومرض الجنين عند الولادة وامراض الطفل والعاهات الوراثية المفسدة والانهيار الناجم عن سوء التغذية وامراض القلب والشرايين واختلال الغدد الصماء ، جميع هذه العوامل تتسبب فى كثير من الاحيان فى اضطرابات نفسية وعقلية تختلف خطورتها وامدها . ذلك ان الامراض العضوية تؤثر على الاضطرابات النفسية والعقلية والعكس بالعكس
. وطبعا فان هذه الامراض لا تزال منتشرة بكثرة فى الدول المتخلفة وخاصة فى بلادنا ، ذلك ان تونس تقع في مفترق الطرق حيث تشتبك بسببية مزدوجة : سببية الاوضاع القديمة للبلاد المتخلفة وسببية اوضاع بلاد تلتحق سريعا بالمنظمة الاجتماعية الاقتصادية المتشعبة للدول المتقدمة
ولئن كانت بلادنا تتمتع بامتياز خاص بالنسبة الى عدد من الدول الافريقية الآسبوية ، فهى لا تزال تحمل عبء الارث الماضى ووزر الآفات المرضية الاجتماعية التقليدية التى تميز بها عهد الاستعمار
ان التحولات الاجتماعية والاقتصادية السريعة التى انجزت منذ الاستقلال قد احدثت عثرات حتمية وتوترات حيوية خطرة بسبب انهيار الاوضاع القبلية القديمة التى تخضع لسيطرة الابوة ، بينما ظهرت عند الجماعات الناشئة حاجيات جديدة ملحة فى ميادين التغذية واللباس واللهو والثقافة .
ومن ناحية اخرى فأن الظاهرتين الجسدية والنفسانية تقترنان فى الامراض العقلية .
لذا فان الطب النفسانى يساهم فى انارة السبيل للطب العصرى فيخضع بذلك الى فلسفة الطب الابقراطى ?? Medecine Hippocratique الذى هو فن وعلم معا يخاطب جسد المرء وعقله باعتباره شخصا كاملا لا يتجزأ
ان اعراضا ظاهرها جسدى ترجع فى حقيقة الامر الى اسباب نفسانية بحتة وبالعكس . ولا يمكن لمرض جسدى ان يتطور بدون ان ينجر عنه تاثير نفسانى بصفة من الصفات او بوجه من الوجوه مهما كانت درجة هذا التاثير ولو كانت ضئيلة . ولا يمكن لاى مرض نفسانى ان يظهر ويتفاقم بدون ان يحدث في آن ( Troubles Fonctionnels ( واحد رد فعل فيزيولوجى فى الوظائف الحيوية Lesions organiques evidentes ( وبطول المدة يكون خللا جسديا واضحا
ان الطب المسمى ) النفسانى الجسمانى ( ) Medecine psychosomatique ) يميزه منذ عشرين سنة على الاقل ، هذا الاتجاه فى الدول الانقلو سكسونية وهو ليس بالجديد . بينما فى الاتحاد السوفياتى يلتحق بالطب الاحشائي interracions corlico - viscles ( الامعائى ) تعامل غشاء المخ والاحشاء ( بنفس الانشغالات ونفس الاتجاه التعلمي ولكن فى مظاهر اكثر مادية من الطب الانقلوسكسوني فكلمة نفسانى ترجع فى الاتحاد السوفياتى الى غشاء المخ وكلمة عضوى ترجع الى اضطرابات الاحشاء .
ان هذا الطب الاجمالى المسهب قد تقدم تقدما كبيرا فى السنوات الاخيرة مقاوما النظريات التحليلية المتطرفة الميكانيكية التفسير ) Posiltions analytiques mecanisistes التى امتاز بها اواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين . فكانت هذه النظريات تقتصر على وصف الجسد وتقسيمه الى زوايا منفصلة تتناسب مع الاعضاء والاجهزة على اختلافها . هذه النزعات القديمة هى التى ادت الى تقسيم الطب الى مناطق منفصلة لا ارتباط بينها حسب اختصاصات مستقلة عن بعضها بعض ، وحددت المناطق المتخصصة التى تميز تدريس الطب التقليدى فى اغلب الكليات . لكن هذه الآفاق قد تغيرت بشكل واضح فى البلدان
الانقلوسكسونية حيث احدثت فى الكليات دروسا فى الطب النفسانى الجسمانى وكذلك فان تدريس الطب النفسانى وقواعد ( medecine psychosomatique ( حفظ الصحة العقلية انتشرا انتشارا كبيرا فى مدارس الطب ومدارس الممرضين كذلك الامر بالنسبة الى مدارس ترشيح المعلمين ومدارس حفظ الصحة الاجتماعية ومراكز التكوين الصناعى المماثلة لها الخ . .
وهكذا فان الطب النفساني في معناه الواسع ، يميل فى ايامنا هذه الى انارة السبيل للطب في معناه الشامل . ومن ناحية اخرى فلا يمكن للطب النفساني الاستغناء عن الطب العام وخاصة عن بعض تلك الاقسام الفرعية المتخصصة فيه والتى لها اهمية مباشرة فى فهم الامراض العقلية ، نخص بالذكر منها اختصاص امراض العيون وأمراض الاذن والانف والحنجرة وامراض الغدد الصماء ) glandes endocrines ( وامراض القلب والشرايين وامراض الصدر وامراض المعدة والكبد والامعاء واكتشاف الجهاز العصبى باشعة اكس ) × ( والكيميا البيولوجية الخ . . لذا وجب القيام بعمل منسجم منسق يواصله الاطباء فى كل هذه الميادين ويجدر بنا فى هذا الصدد ان نؤكد على نقطة هامة اخرى وهى ان هذه المواقع بدورها تتسبب فى تفاقم الاصابة حيث انها تؤدى الى زجر المريض وعزله عن المجتمع ، فهو تارة موضع شفقة او سخرية وتهكم وتارة أخرى محل رعب او احتراز وفى كل حال فهو موضع ازدراء وعدم اكتراث من طرف العموم وكذلك اصبحت معالجة المريض العقلي الصحيحة الاصول ترتكز على ازالة التحامل والاوهام التى تشوهه .
لذا يجب اقحام المريض سريعا فى المجتمع ثانية واعادته فى اقرب وقت ممكن الى محيط الحياة اليومية . فالغرض هو ان يتأكد على الوجه الاكمل من ان اسباب العودة الى المجتمع قد توفرت فعلا وتحققت فيجب ان نتجنب بجميع الطرق اشعار المريض بانه منبوذ من المجموعة التى كثيرا ما تهدده وتصيبه باذاها . بيد ان الانقطاع والانفصال عن المجتمع كثيرا ما يقع مع الاسف حتى قبل ان يتدخل الطبيب واحيانا بعد تدخله وبالرغم عنه سيما عند خروج المريض من المستشفى
ومن هنا يشكو المريض من جديد ولا سبيل لشفائه ابدا .
فمن جميع هذه البيانات المستعرضة نستنتج مبادئ عامة وقواعد اساسية لتنظيم الصحة العقلية فى عصرنا الحديث .
ان هذه القواعد يمكن بل يجب ان يعتمد عليها فى اجل قصير المدى لوضع
تخطيط منظم مطابق واقعى للعناية بالامراض النفسية والعقلية والصحية نخص بالذكر منها :
1 - الغاء انظمة الملاجئ التقليدية ) المرسطان ( القائمة على السجن والنبذ وتوجيه المرسطان القديم توجيها حازما نحو مجموعة علاج هادئة الى اقصى درجة ممكنة لا حاجز بينها وبين الحياة العادية خارج تلك المجموعة . فينبغي هنا احداث حركة اتصال متبادلة بين المدينة والمستشفى ويكون من ذلك ازالة كل شعور بالانقطاع والانفصال عن المجتمع عند المريض واهله وكل من يجاوره .
يجب ان نحقق هذا الاتجاه بتريث مراعين بذلك التقاليد التي ما زالت تتعلق بالمختبل ، ومعتبرين ايضا الاصناف والاشكال المختلفة للامراض العقلية وكذلك ما تقتضيه حماية المجتمع
2 - ادراج مصالح الطب النفساني في المستشفيات العامة : فعوضا عن المصالح المغلقة ابوابها على المريض يجب ان يشرع بالتدرج الى احداث مصالح مفتوحة ابوابها تمكنه من الدخول والخروج حسب مشيئته بدون عراقيل ادارية
كما ان وجود مصالح الصحة العقلية بالمستشفيات العامة يساعد التآلف مع الاختصاصات الطبيعية الاخرى وبالتالى يمكننا من فهم كل المرضى بالوجه الاكمل يعنى الوجه " الجدى النفسانى "
واخيرا فان التقاليد التى تشوه المريض العقلي تزول هناك فى هذه البيئة الصحية الجديدة التى يمتاز بها المستشفى العام ، حيث ان المريض النفساني يندمج مع بقية المرضى بدون تمييز بينه وبينهم
3 - نشر العناية خارج المستشفى لاصناف من المرضى يتسع نطاقها اتساعا متزايدا يوما بعد يوم .
تشتمل هذه العناية على : تمريض حر ومعالجة غير مستقرة بدون ادخال المريض للمستشفى .
تأسيس عيادات ومستوصفات لامراض الجهاز العصبى لمعالجة المريض بمنزله خارج المستشفى
وتبعا لهذا يجب توسيع المصالح الصحية للمعالجة بالنهار بحيث يرجع المريض الى منزله بالليل وفى طور اكثر تقدما يتحتم انشاء اقسام للمعالجة
الليلية بحيث يستمر المريض فى الاشتغال باعماله فى النهار وتقع معالجته فى الليل بالقسم المختص تلكم هى الانظمة العصرية الناجعة التى حققتها البلدان الراقية منذ سنوات عديدة كامريكا الشمالية والدول الاسكندينافية وبريطانيا
ويجب ايضا ان يقوم نظام هذه المصالح على اختيار امكنتها حسب برنامج مفصل يرتكز على تقدير انتشار الامراض النفسية العقلية فى كل منطقة جغرافية وعلى العوامل المتسببة فى هذه الامراض ولا بد من توفير عدد كبير من المرشدات الاجتماعيات يتوزعن فى داخل الجمهورية لتحقيق هذا الغرض
4 - جعل قواعد الحماية العقلية والعناية بالامراض النفسية اكثر رحمة . ولتحقيق هذا الغرض يتحتم سن قانون يهدف الى حفظ الصحة العقلية للافراد مع المحافظة على كرامة وحرية كل مواطن كما يجب القيام بتحر دقيق فى سن هذا القانون لكيلا تحتوى الاجراءات الخاصة التى يتضمنها على اى ميز باى حال من الاحوال بين المرضى المصابين فى عقولهم بالنسبة للمرضى الآخرين
وانه لحرى بهذا القانون ان يشمل ويعتنى بذوى العاهات الحسية من مكفوفين وصم وبكم ) aveugles et sourds - muets ( والعاهات الجسدية ) البتر والعجز ) paralytiques وفي الآن نفسه المصابين بالعاهات العقلية
وانه ليحتم تحتما اكيدا ان لا يفرق بين هؤلاء وبين الاصناف الاخرى من المرضى . فاكثر الإجراءات دقة يجب ان تضمن لكل مريض عقلي حق استرجاع عمله وكرامته بمجرد اعلان الطبيب بشفائه .
وتحقيق هذا الغرض ادخرت كثير من البلدان نسبة مئوية من الوظائف المخصصة فى المشاريع الزراعية ومعامل الصناعة التقليدية والمركبات الصناعية لفائدة المرضى العقليين السائرين نحو الشفاء ولا يمكن لاحد ان يشغل هذه الوظائف المخصصة لهؤلاء الضعفاء مهما كانت الظروف والاحوال
5- تنشيط العمل لفائدة الصحة العقلية وتاسيس اكثر عدد واكثر انواع ممكنة من المراكز لتهذيب المرضى وادماجهم فى المجتمع بسرعة
6 - تاسيس جمعيات قومية للتوعية الصحية تعمل لفائدة تدعيم الصحة العقلية بالمجتمع بمساعدة الجامعة العالمية للصحة العقلية التى تعتنى بصفة خاصة بانتشار العلوم والفنون المتعلقة بمشاكل العلاقات البشرية السائدة في الحياة الصناعية والمهن الاخرى بصفة اعم . فيمكننا اذا ان نساهم مساهمة فعالة لرفع مستوى البشر فى البلدان التى تصنعت بعد كما نساهم فى تجنيب العراقيل التى تعترض الدول التى ابتدات فى التصنيع
7- واخيرا يتحتم تحتما كليا تحقيق تنسيق شامل لكل هذه الاعمال وذلك بتاسيس منظمات للمراقبة والحماية والحراسة في نطاق الوزارات المعنية بالامر وفى كل الولايات .
فمصلحة الطب النفسانى المركزية التى يجب تكوينها بكتابة الدولة للصحة العمومية ، هى التى تعتبر احدى الاجهزة الاساسية لهذا التنظيم . ويفهم من هذا ان لا داعى لبقاء المستشفى التقليدى بمعناه القديم ) المرسطان ( بل استوجب منذ بداية القرن العشرين جعل المؤسسة النفسية تتجه نحو تحقيق الاغراض التالية
أ ( ان تصبح المؤسسة مركز راحة وتسلية تقترب اكثر ما يمكن من ظروف الحياة فى الوسط الخارجى وذلك باعداد غرف خاصة مؤثثة تاثيثا بسيطا وسط حدائق وبساتين ولباس مستحسن للمرضى بحيث يتحقق لهم قدر ادني من الرفاهية العامة .
ب ( ان يكون المستشفى للامراض العقلية محل تطور سريع لكى يصبح مركز فحص ومعالجة متقنة اذ يجب ان يكون العمل فيه جماعيا اى بالاشتراك مع الاختصاصات المجاورة ) امراض الصدر ، امراض القلب والشرايين واكتشاف الجهاز العصبى بطريقة اشعة × وامراض العيون والانف والحنجرة وخاصة فى المخابر التحليلية للانسحة ) anhatomopathologie ( والمواد الكيمياوية وفائدة ذلك هو تحطيم الصفة الزجرية الوهمية التى علقت بوصف مستشفى الامراض العقلية ، استجابة لمتطلبات الطب النفساني الحديث الذى هو فرع لا ينفصل عن الطب العام
ج ( ويجب ايضا ان يصبح المستشفى للامراض العقلية مركز بحث علمي وتدريس ، ذلك انه يمكنه ان يجمع اكبر عدد من الوسائل لهذا الغرض
د ( واخيرا ان يكون مركز تدريب وادماج اجتماعى
ولما كان المرض العقلي فى آن واحد مرض نفسانى اجتماعى يتعلق باضطرابات اجمالية تخص شخصية الانسأن ، وجب ادراج المريض سريعا في حياة اجتماعية مناسبة . لذا فالمفهوم ان يكون المستشفى مركز عمل ولهو اذ ان طرق المعالجة بالعمل وبالوسائل الترفيهية اساسية هنا ، فلكل مريض على حسب استعداداته وميوله وشكل علته وتطورها ومصيرها ، كما يتوقع العلاج النفسانى ان يكون قادرا على الانتفاع باصناف مختلفة فى العمل واللهو
وسيرنا فى هذه الطرق يكون بخطوات متريثة ، متزنة يتغير وزنها مع كيفية ونوعية العلة لكل فرد . شان العقاقير والادوية المستعملة عادة ، هذا مع اعتبار نوع الشخصية وتطور المرض العقلي عندها .
وعندما تتدخل هذه الطرق العلاجية لفائدة مجموعات كاملة سواء اكانت منغلقة او تفاعلت مع بعضها ، فانها دوما تستعمل علم النفس الجماعى وهنا تظهر ردود فعل بينة مركبة يعسر فى كثير من Ps ychologie collective ? ( الاحيان ادراكها والتحكم فى مجراها ولا يتم ذلك الا بمعرفة متعمقة شاملة للميزات الثقافية والفكرية عند كل مجموعة معنية بالامر على اختلاف اجزائها ، وكذلك بتحكم تام فى تحليل الاسباب الباعثة على اختيار مجموعة دون اخرى تتمتع بعمل او لهو ما .
فكما ان للالعاب الاجتماعية اصولا وقواعد يجب معرفتها فى ملاءمتها واعدادها لكل مجموعة ، وحتى لكل حالة ولكل فرد ، فاحرى ان تراعي هذه الاصول الهامة جدا فى الطب النفسانى والا فخبط وفوضى تامة تشوه العلاج جالبة الخطأ والانحلال مهددة المجموعات بأخطار جسيمة
وعلى كل فانه يجب ان نشير بالحاح الى ان نتيجة عمل المريض فى محيط العلاج الاجتماعي الموفر له هو شفاؤه لا غير وان النتيجة المادية البحتة لهذا العمل ما هى الا عرضية وزائدة . فالطبيب هنا يجب عليه ان يتمتع بتحكم تام مطلق فى تسيير معالجته هذه حتى لا نصل الى عكس ما نصبو اليه ، وحتى لا تطغى الوسائل الشكلية على الغاية المنشودة الا وهى معافاة المريض . ولا يمكن لنا ان نتصور المجموعة العلاجية بالمستشفى الا حسب هذه الطرق
فلكى ندعم أصول هذه المجموعة ) وان تجربة مختلف البلدان لعبرة فى هذا الشان ( يتحتم علينا ، الشروع كشرط اولى فى عمل منسق منسجم بين مختلف اعضاء السلك الطبى والتمريض والادارى فى توجيه موحد من شانه ان ينسق ويعدل كامل المجموعة العلاجية
ان الاحكام المبسطة اعلاه قد ادت منذ عهد بعيد الى قواعد تنظيمية غالية اعتبرت اكثر نجاعة من غيرها ، واخيرا اقل تكاليف مالية ، ولذلك فقد فرضتها اليوم جميع الدول المتقدمة باعتبارها لا جدال فيها
ولا سبيل للمبالغة حين نعتبر ان علاج المريض العصبي او العقلي لا يمكن ان يتم في نطاق المستشفيات والمصحات فحسب فعلى عائلة المريض واصدقائه ورؤسائه ومستخدميه وكل فرد متصل به فى المجتمع ان يتخلصوا من تخوفاتهم واوهامهم فيستقبلون المريض بدون مركب ولا ارتباك نفسي وعلى المجتمع ايضا ان يقبل المريض الذي شفى ، فيرعاه بمقدار من اللطف والاقتناع يساوى مقدار القسوة والشدة اللتين استعملهما معه سابقا حين اصابه المرض .

