الخاطرة حقيقة عارية :
الخاطرة ، ليست فكرة ولا رأيا ، لأنها لا تحتاج الى برهان يعضدها . وهى بذلك لا تكون محل نقاش حتى بين الانسان ونفسه . لانها لا تطلب الايمان بها والكفر بغيرها ، بل تعرض نفسها عارية ، فان راقك تجليها انعمت النظر ، وان ساءك عريها فقد ساءتك الحقيقة ألم تعلم ان الحقيقة لا تكون إلا عارية ، متعرية ؟ ! ..
القضية الفكرية :
القضية الفكرية كالأم ، قديمة قدم حواء ، وحديثة حداثة وليدة اللحظة بأى مكان كانت . . ويبدو ان القضايا الفكرية تأثرت الى حد الجنون بالتجارب العلمية التى تمارس يوميا فى هذا العالم ..
ألم تقرأ قصة (( الانسان الصفر )) فهى(( تجريبية )) ؟ ... وأشهد ان هذه التجربة كانت ناجحة الى حد الكشف عن أسلوب جديد فى كتابة القصة قد يكون له شأن وأى شأن فى عالم القصة المعاصرة . . .
أسلوب الكتابة :
القارىء اليوم مستعجل دائما ، تششوقه المطالعة ، ويهوله الكم ، ولا يعنيه الكيف ، بقدر ما تعنيه الدقائق التى قد يخصصها للتقييم والفرز . . لذلك وجب أن نعيد النظر فى أسلوب الكتابة . وليس فى هذا بدعة !. .
بالأمس كان جر الذيل من أسباب الأناقة والخيلاء . . واليوم ، أليست الأناقة كل الأناقة فى ارتداء ما قصر من الثياب ؟ . . فاذا كان الرجل لا يلبس الميني جيب ، فهل قارنت بين معطفه اليوم ، ومعطفه بالأمس ؟ . . .
مفهوم الحرية فى الشعر !. .
الشعر كلام ، والكلام فى لغة الناس حر ، إلا أنه فى لغة الشعر مقيد ، فالأصل إذن ، الحرية لا التقيد ! . . كما إن الأصل فى الانسان البداوة لا الحضارة .
ألا ترى أن شاعر اليوم - ولا أعنى الشاعر اليوم - يصر على التمسك بالطارئ عليه فى الوقت الذى يتبرأ فيه من الطارىء على كلامه . . يرفض أن يكون بدويا ويرفض ان يكون كلامه مقيدا ! . .
هل الشعر هو كل الكلام الذي يتكلمه الناس ؟ .. لا ، هو كلام مخصوص فى شئ مخصوص لا يتأتى إلا لخاصة من الناس .. وإذن من هنا جاءت قيوده . . الخليل بن أحمد الفراهيدى ( 712 -778 م.) هو الذي ضبط هذه القيود ( العروض ) وهى البحور وعددها 15 بحرا وتداركها الأخفش بواحد فصارت 16 بحرا . .
البحر يتركب من عدة تفعيلات وهى : فعولن - مفاعيلن - فاعلاتن - مستفعلن - متفاعلن - مفاعلتن - فاعلن - الخ . . قد تتكرر التفعيلة الواحدة 6 أو 8 مرات لتكون البيت الشعرى وقد يتكون البيت الشعرى من تفعيلتين مختلفتين : فعولن - مفاعيلن - مثلا .
رأى بعض الشعراء فى بناء البيت الشعرى على الصورة المتقدمة تضييقا عليهم وحدا للاندفاع الشعرى قد يخرج الشاعر من حاله الشعرية فيصبح ناظما . وهذا الوصف لا يقبله حتى الناظم نفسه . فتحرروا من عدد التفعيلات فى البيت الشعرى . فصار البيت الشعرى يبنى عندهم من تفعيلة واحدة أو من اثنتين أو من ثلاث أو من أكثر . . على الا يتجاوز ذلك عدد التفعيلات التى أقرها الخليل بالاستقراء فى البحر المراد الكتابة عليه . . على أنهم لم يتحرروا من القافية لأن الذوق العربى يفرض وجود جرس موسيقى فى الشعر . . لذلك ترى الشعر المتحرر من عدد التفعيلات يكتب على أسطر تقصر وتطول ، فما قصر منها كان عدد تفعيلاته أقل مما طال . .
فهل أدركت الآن مفهوم الحرية فى الشعر ؟ . . فاذا تحرر الشعر من التفعيلة ، فقد تحرر من اسمه أيضا . . وما أكثر اليوم هذا الشعر ( الآبق ) وليسمح لى الصديق الشاعر الرائد أحمد اللغمانى
ان استعمل هذا الوصف الظريف الذى لم اسمعه من غيره . . ولعله يقبل أن بضر صوته الى صوت ابن الدهان البغدادى فنهمس سويا فى آذان رعاة الشعر الآبق :
لا تحسبن أن بالشعر مثلنا ستصير
فللدجاجة ريش لكنها لا تطير
والشعر المقصود ، هو ذلك الآبق الذى قال عن نفسه :
بالحر ، هذا يسمينى على ثقة
يشين بيتى لديه الباب والسقف
حتى إليه هوام الأرض قد زحفت
فى ركنه عشش الاسفاف والسخف
فبات خلقا غريبا ما له مثل
أصم ، ابكم ، أعمى ما له أنف
النقد الأدبى :
يخضع النقد الأدبى للذوق . . والذوق ذاتى صرف . . لا تحده مقاييس ، ولا يلبث على حال ، فهو متطور ابدا . . لانه من هوى النفس . والنفس - كما تعلم - تحب وتكره ، تميل وتزور ، دون أن تكون هى نفسها قادرة على تعليل هذه المفارقات فى سلوكها.
ومن هنا كان لا بد ان يكون أى نقد متسما بذاتية النفس التى أملته ، متأثرا بميولها الخاصة . . وقد يكون هذا النقد نزيها ، بناء ، وهادفا . إلا أنه لا يجوز لك أن تصفه بالذاتية بل أنت مرغم على نعته بالموضوعية ، وإلا استهدفت لسخط ثلة من الكتاب ما يزالون يؤمنون بموضوعية النقد وهب انك فعلت . . وانهم سخطوا ، واتهموك . . فلك ان تتأسى . وما تأسيك إلا بحالهم . . ألم يعتقدوا انهم فى سخطهم عليك ، وفى اتهامهم لك ، وفى استهزائهم بك إنما هم موضوعيون ! .. عليك - وليس لك - أن تشفق عليهم لأنهم قومك وهم لا يعلمون . .
ليست الموضوعية وحدها اسما بدون مسمى ، فالوفاء ، والعفة ، والايثار كلها اسماء وحسب . . غير ان حبك الشئ يحمل على مغال نفسك . . حتى
لكأن عينيك لا تريان وأذنيك لا تسمعان ، وانفك لايشم . . ويديك لا تلمسان !.. سيأتى ذلك اليوم الذى يصبح فيه سانت بيف ( ٍSaint Bueve ) الناقد الذى اكتشف الحقيقة ، وكان أذكى من أن يغالط ..
اللغة العربية ، والبشير بن سلامة :
إذا امكن لك أن تقرأ قراءة الوعى هذه السطور ، فثق إنك تحسن اللغة العربية . وهى عندك معلومة . . أما البشير بن سلامة فهو كاتب تونسى متزن ، عمق ثقافته باد فى كل ما يكتب ، لعل أصالته هى التى أهلته لرئاسة تحرير هذه المجلة الرائدة وذلك لأن مؤسس الفكر الاستاذ محمد مزالى ى يعرف وصفا للأديب غير (( الأصيل )) ولا وصفا للأدب غير (( الأصالة )) .
وصلة البشير بن سلامة باللغة العربية صلة وثقى لا شك فيها لسببين : أولا : لأنه عربى ، ثانيا : لأنه وفر لنفسه من القوة ما جعله يأخذ بناصيتها ذلولا الى حيث يريد ، فهى بين ذراعيه مطواع ، الحول كله له عليها ، ولا قو لها عليه ..
الآن صار العنوان مفهوما . . أما لماذا هذا العنوان ؟ خذ الجواب فى كلمات . . فى جملة من إعداد الفكر وفى فصول مما جاء فيها كتب البشير بن سلامة عن اللغة العربية كما لم يكتب أحد من قبله - فى تونس - على الأقل لأنه ينطلق فى معالجة القضايا من مركز الدائرة لا من نقطة من محيطها وتفطنه لما وقع فيه غيره كاف وحده لوصوله الى نتائج إيجابية . . فكان بالقياس الى ما فعل فيلسوفا كلبيا ، فى لغته الملح ملح وليس ربحا والفحم فحم وليس بياضا والصحراء صحراء وليست مفازة ، كما ان القافلة صفة للجماعة العائدة من سفر وليست صفة لها عند ذهابها .
قدس ما شئت . . . ولكن دعنى أنقد ما أشاء . . أنت تفضل الايجابية ، والتقديس ليس من ذلك فى شىء . . وتنكر النقد وهو الايجابية التى تفضل ! ٠٠
البشير بن سلامة ، يريد أن يعرض فى تواضع ملحوظ حيرته بشأن الطريقة المثلى التى تساعد الطفل العربى على تعلم لغته العربية ، بل يريد أكثر من ذلك ، بريد طريقة تحبب الى الطفل لغته ، تجعله يتعلق بها ، تعلق التوق والشغف ، يريد طريقة تلهم الطفل العربى سواء البر بلغته ، وتجنبه سوء العقوق بها ( 1 )
فهل تصدى أولو الخبرة والاختصاص الى تبريد هذه الحيرة ؟ . أنا لا أحب أن أجيب عن هذا التساؤل ، تفاؤلا ! إذ عسى ، ولعل . . . وتحت هذا العنوان (( الشباب التونسى واللغة العربية )) طرح الأستاذ البشير بن سلامة مسألة الاكتساب والتصرف فى اللغة العربية بالقياس الى اكتساب اللغة الفرنسية والتصرف فيها . وأبرز العوائق الجذرية التى تكمن - حسب ما ذهب اليه - فى تأخر ظهور الطباعة عند العرب ، الى جانب النقص المخل فيها وهو المتمثل في فقدان الشكل ! . . وقد اعتمد الاستاذ البشير بن سلامة معطيات علمية حديثة بالاضافة الى السند التاريخى بالمقارنة بين أقطاب الفكر العرب وغيرهم . . ورغم هذه العوائق والصعاب فان الشباب التونسى متشبث بلغته حريص على ان ينسجم معها . . ( وهو الذى كيفته اللغة الفرنسية المعتمدة على الكتابة الكاملة وخولت له أن يكون له تفكير يتماشى مع عصر الطباعة ، والانسان بطبعه وما جبل عليه منساق الى احتضان عصره ومسايرة ركب التقدم ، إذ لا يعقل ان تفتح أمام الانسان أبواب المعرفة وينكص على اعقابه خاسئا ) (2)
ترون ان هذه المسألة تفتح باب المقابسة على مصاريعه - باعتبار ان لهذا الباب أكثر من مصراعين - . فهل تصدى أحد من أهل الخبرة والاختصاص للمناقشة ؟
أنا لا أحب أن أجيب عن هذا التساؤل ، تفاؤلا إذ لعل ، وعسى ! . . اللغة العربية ومدى كثافة حظها من التقدم الفكرى الذى يمثله استيعابها لمختلف المفاهيم الجديدة العلمية ، والفلسفية والفنية . هذا تساؤل محير يرفع عنه البشير بن سلامة الستار . . ويحاول أن يجيب عنه بلغة الباحث المتشكك . ولكنه يقنع فى ذات الوقت بالاثارة الحافزة . .(3)
فهل أثار وهل حفز ؟ ! . . لعل وعسى . . هذا البسط هو شحم العدد 4 جانفى 1969 .
ويقرر البشير بن سلامة أن ( أزمة الخلق الأدبى أزمة لغة ) لذلك وجب تفجير اللغة وبناؤها بناء جديدا .
لقد كان الأسلوب هو الميزة بين أديب وأديب لأن الأسلوب كالبصمة تختلف من شخص الى آخر . . ولكن البشير بن سلامة يرى أن البناء الجديد للغة الذى ( ينفرد به الخلاق الحق ويسن من جرائه نمطا جديدا تتبارى فيه
الاقلام بشتى الاساليب وعديد الظلال ) (4) هذه قضية لو كان النقد عندنا حيا يرزق لا نزعج لها ! . . ( وليس منها ) .
لكن . . لعل وعسى . . ينجم نقد ينفعل بمثل هذه القضايا الأصيلة ..
أما الشعر ، ولغة الشعر ، وكيف نشأت ؟ وهل من الممكن إيجاد لغة أخرى للشعر ، والوزن ، ومدى قدرته على احتمال التجارب ؟ وهل هو من العوائق حقا لاندفاع الشاعر ؟ فان ذلك هو ما أثاره البشير بن سلامة بأشد ما يكون العمق . .
فهل تحركت السواكن ؟ . . لعل وعسى ! . .
