تأليف المستشرق الفرنسي موريس غودفروا ترجمة الدكتور فيصل السامر والدكتور صالح الشماع
موضوع التأليف والبحث فى النظم الاسلامية موضوع بكر لم يطرقه بصورة مفصلة الا نفر قليل (١) ، فلا عجب أن يكون أول من يطرقه المستشرقون ، بدعوى فتح مجال الدراسة الجادة للغير ، والسبق العلمى .
أعجب ما يصادفني عندما أحاول التعرف الى كتاب مترجم هو ذلك المديح والاطراء الذى تدبجه يراعة المترجم - بكسر الجيم - عن الكتاب والمؤلف ، ولا بأس أن أضرب مثلا من هذا ، وآخر من الكتاب نفسه يدل على أحد أمرين ، فاما أن يكون قول المترجم من قبيل الدعاية للكتاب ، أو قصر النظر الذى يأتى من عدم دراسة الكتاب دراسة واعية هادفة .
يقول المترجمان فى مقدمتهما : (( واذا استثنينا بعض الشطحات التى وقع فيها المؤلف عن قصد أو غير قصد ، فكتابه فى مجموعه يتميز بالفائدة الكبيرة ، والعرض الشامل لمجالى الفكر الاسلامى وخصائصه واتجاهاته وتطوره فى مختلف العصور ، وهذه مزايا يندر أن تجتمع فى كتاب واحده ، ويقولان : (( والمؤلف فيما يبدو منصف الى
حد كبير يتميز باعجابه الشديد بالاسلام وحضارته ونظمه )) .
والحق أن ما وقع فيه المؤلف لم يكن من قبيل السطحات ، فان كتابا يبلغ عدد صفحاته مائتين ونيفا ، يستطيع شخص عادى مثلى أن يحصى فيه ما يقارب من المائة هفوة أو مأخذ على صاحبه ، انما يدل على أن ما أتى عليه المؤلف لم يكن من قبيل الشطحات . . ولنسمع قول المؤلف كيف ينفي حديث المترجمين عن العرض الشامل والفائدة الكبيرة ، يقول : (( ومن المرعب أن نشاهد كيف ان الدين المرتبط بالوحي لا يبذل أى جهد ليس فى ركب المعرفة الصاعد ، وعلى العكس يبدو أن الدين يصر على نصح الناس لتثبيت أفكارهم فى صور لا تتغير ، وينصحهم برفض أى تفكير أو مناقشة ، والقناعة بالفرائض الدينية التى تبقى مؤمنى القرن العشرين فى دائرة الطقوس الرمزية التى حكمت حياة أسلافهم )) .
كذلك يصف القضاء الاسلامى وأحكامه وواجبات القاضى بالتعقيد حيث يقول عن القضاء ، والسرور يتلألأ من خلال عبارته : (( تحرر اكثر البلاد الاسلامية خلال القرن التاسع عشر من التنظيمات القضائية المعقدة التى وجدت فى العهود القديمة )) .
لنعد الى الكتاب ، اذ ان الحديث عن المستشرفين ونياتهم فيما يكتبون حديث طويل متشعب ، فنلاحظ أن المؤلف لم يقم بدراسة جادة للنظم الاسلامية فى نظرياتها وتطبيقاتها من مصادرها الاولى ، بل راح بصورة سطحية يحاول التعرف الى النظم التى عاشت فى البلاد الاسلامية حتى تلك النظم النى ورثتها بعض الفئات عن جاهلية
هذه البلاد قبل الاسلام ، فى مختلف العصور من العصر الأموى حتى اليوم ، ولكنه ينسب بعد ذلك هذه النظم والتقاليد الى الاسلام .
ويتبين لنا التعمد الواضح فى ترك الحديث عن النظم الاسلامية الصادقة التى عاشت فى عهد الخلفاء الراشدين الا ما ندر . فتكوين الجيش الانكشارى العثمانى تم حسب النظم الاسلامية ، ونظام الموحدين فى الغزو صيفا وخريفا وجمع الجنود المرتزقة نظام يمت الى الاسلام .
ولنحاول الاتيان على ضغائن المؤلف التى عرضها فى كتابه مباشرة أو بطريق غير مباشر ، وسأترك الرد على بعضها اما لوضوحها أو لأنى رددت على بعضها فى فرصة سابقة . وأعلق على البعض بل أرد عليها . ليتبين مدى ما أورثنا المستشرقون فى دراساتهم ، التى نعتبرها المثلى التى يجب أن تحتذى ، من جنف وحيف على اسلامنا وتاريخنا ومقوماتنا الاخرى .
يعرض المؤلف فى الفصل الاول للحكم الاسلامى ، فيقول : انه على الرغم من أن المغرب العربى ساده الاسلام بنظمه ولغته ، فقد قدر له أن يحتفظ بخصائصه ، وقدر له أن يتابع نطوره الخاص فى العصر الحديث بتوجيه من الثقافة الفرنسية . ويؤكد أنه ما من مجموعة من المجموعات البشرية التى اعتنقت الاسلام ، قد فقدت خصائصها الاصلية والصفات الذاتية التى يتميز بها أفرادها !!
يتبين مما سبق أن المؤلف حاول منذ البداية الطعن والتشكيك فى قدرة الاسلام على طبع الشعوب التى اعتنقته بطابعه الخاص .
وفى حديثه عن الجماعة الاسلامية يؤكد أن المجوسية نشرت فى جميع أنحاء الشرق فكرة الصراع بين الخير والشر ، ويقول
على سبيل الظن الظاهر والمكر الباطن : (( وربما نجد لذلك أثرا فى العقيدة الاسلامية )) . ويؤكد أننا لا نعرف بدقة ، ولن نعرف حياة الرسول التى قضاها قبل البعثة كتاجر قرشى ، ويقول : (( يمكننا أن نفترض بأن النبي تأثر بالعقائد النصرانية والبيهودية التى اعتنقها البعض فى مكة )) . ويدس على النبى صلوات الله عليه حين يقول : (( حين وصول الرسول الرسول الى المدينة عقد بين القبائل العربية ميثاقا يدعوهم لا الى الدخول نهائيا فى الاسلام ، بل الى الاعتراف بسلطته الشخصية ، والمؤاخاة التى تمت بين الانصار والمهاجرين كانت ستصبح ، لو استمرت ، عبئا ثقيلا على كاهل الانصار . ويصف العباس رضي الله عنه بالمكر الذى ورثه عنه أبناؤه وأحفاده .
وفى الفصل الثالث يتحدث عن الحركة الفكرية عند المسلمين فيأتى على ذكر الفرق الدينية ، والعقائد التى لازمت بعض هذه الفرق ، وفيه يؤكد أن تأثير اليهودية والمسيحية قد استمر على تراث الاسلام بعد الرسول ، ويقول عن الرسول : (( لا يسعنا فى هذا المجال الا أن نظهر اعجابنا بثراء تفكير محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ، ذلك التفكير الذى مكنه من استخراج الأسس الجوهرية لأية مشكلة من ذات نفسه ، ومن غيره ، ومن الحلول المتعددة لها ، ومع أننا لا نستطيع الجزم الا بعد بحوث ضافية ، الا انه يمكن القول ان جميع القضايا المتتابعة التى شغل بها القديس أغسطين فى فلسفته الدينية ، قد وردت فى صورة أولية فى القرآن ، ولا يعوزها غير التمحيص المنطقى لمفكر لاهوتى )) .
المؤلف من خلال عبارته التى نقلتها حرفيا فيما عدا الطعن فى الرسول والوحي
الالهى ، يقرر بخبث ومكر شديدى الخفاء ، أن القرآن اولي فى ذكره للقضايا والاحكام ، وأن هذه الامور كانت فى فلسفة أغسطين أشد احكاما فى العرض والتوضيح .
ويواصل المؤلف الافتراء على الرسول الكريم فيقرر أن الرسول الكريم كون فكرة عن تكوين الانسان متأثرا بالتراث اليهودى المسيحى .
ويبدو جهل المؤلف أو مكره حين يتحدث عن العقيدة الاسلامية فى تعريفه للايمان بأنه اعتقاد بالله وملائكته وكتابه والتوجه اليه والاعتقاد برسله وبالبعث (٢) ، ويصف الايمان بعد ذلك بأنه لا يخلو من الغموض ، وفى باب ( العقيدة الاسلامية ) يتحدث عن الأولياء وتقديسهم ، ويصف حياة بعضهم وطرق الاحتفال عندهم ، كذلك يتحدث عن المتصوفة وأماكنهم من العالم الاسلامى ، ولا أدرى ما علاقة العقيدة كحديث في الصميم عن لباب الاسلام بالأولياء وتقديسهم والمتصوفة وأماكنهم ، بل اسمعه حين يحاول أن ينفي عن الرسول نبوته ورسالته : (( استطاع محمد بعد تطور بطئ فى شخصيته أن يحتل المكان الاول بين طائفة الأولياء )) .
وفى الفصل الخامس يدور حديث المؤلف حول أصول الشريعة الاسلامية المعروفة ، فيصف القرآن بأنه قريب من الشعر حين يقول عنه انه ذو ( أسلوب موزون مقفى ) . ويحاول أن يجعل عدد النسخ التى استنسخها الخليفة الراشد عثمان بن عفان أربعا ، مع أن التحقيق أثبت أنها سبع ، كذلك
ينفى أن يكون ترتيب السور والآيات فى القرآن ترتيبا توقيفيا الهيا حين يقول : (( وقد أظهر النقد فى السور المدنية آيات ترجع الى الفترة الاولى ، أهمل وضعها فى مكانها ، فوضعت فيما بعد فى ثنايا السور المتأخرة ولا نعلم الى اليوم الظروف التى أدت الى ذلك )) .
وفى حديثه عن الفرائض الدينية يتحدث عن الصلاة والمساجد فيلتصق بعصبيته ، ويظهر عداوته فيقول : (( تأثر المسجد الى حد ما بنماذج الكنائس المسيحية التى أعجب بأطرزتها الفاتحون الذين حولوا بعضها ليجعلوا منه مساجد لاقامة الصلاة )) .
ان هذه الفرية رددها كثير من المستشرقين الذين وجدوا لها ظلا فى الروايات الاسلامية المتأخرة ، وبالأخص عن كنيسة ( كرستا ) فى دمشق ، حين ادعوا أن المسلمين حاولوا تحويلها الى مسجد ، ولكن التحقيق أثبت أن الجامع الاسلامى بني بجانب هذه الكنيسة ، وأن هذه الكنيسة بقيت ملكا للمسيحيين ، يقول بروكلمان عن ذلك : (( أما القول أن المسلمين احتلوا بعد الفتح مباشرة نصف الكنيسة لاقامة شعائرهم الدينية ، وتركوا نصفها الآخر للنصارى ، مكافاة لهم على استسلامهم ، فمن اختراع الروايات الاسلامية المتاخرة )) ( ٣ ).
وفى حديثه عن الحج والعمرة والتفريق بينهما يتحدث عن تولية المسلمين وجوههم شطر الكعبة والمسجد الحرام ، فيحاول أن يدلس فى عباراته التى يلتوى بها ليخرج منها بما يريد ، فيقول عن هذا التحويل :
(( ولكنه لم يلبث الا قليلا حتى ولى وجهه شطر الكعبة ثانيا ، وأدخلها فى نفس الوقت ضمن المأثورات الابراهيمية ، معتقدا أن ذلك سيجذب اليهود والنصارى حتما )) ، ويوالى تدليسه فيقول : (( وتعتبر أيام الدخول العامة الى الكعبة أيضا أيام بركة لهذه الأسرة الضخمة العدد (٤) لانهم يبيعون فيها حق اقامة الصلاة على البقعة التى صلى عليها الرسول )) .
ويؤكد بأن المواقيت التى يحرم عندها الحاج القادم الى مكة هى من تحديد الأحاديث التى وضعت بعد الرسول .
كذلك يحاول الطعن فى حكمة الصيام عند الحديث عنه فيقول : (( ولسنا فى حاجة الى التوكيد على نتائج مثل هذا النظام الذى ينهك قوى الصائم ، لاسيما حين يفرض على الرجال الذين يعملون أثناء النهار )) .
ويظهر الكيد الواضح عندما يتحدث عن الزكاة فيقول : (( ان ضريبة فردية كهذه يدفع سبعها فقط لمصاريف الدولة ، هى بشكل ما نوع من الضرائب ، لذا وجب تغييرها منذ بدء الاسلام ، ولكن الزكاة استمرت تحت أسماء عدة وصور متباينة ، وهى عمود ثابت فى بناء الاسلام ، ولا يمكن أن تزول ما دامت الشريعة نافذة فى بلاد الاسلام )) .
فهو يحسب الزكاة ضريبة ، مع أن هناك فروقا بينهما لا يجهلها الا مغرض ، وأهمها : أن الزكاة غير محددة كذلك التحديد الذى للضريبة ، فالاغنياء يدفعون مقدارا متساويا من الضريبة ، كذلك الفقراء يدفعون نصيبا متساويا على قدر ما تحدده الدولة . أما الزكاة فمفدارها يعتمد على نصاب الرجل الذي يملكه من الثروات المنقولة وغير المنقولة ، ثم انها لا تؤخذ من الفقير ولا
العجوز وغير ذلك .
وفى حديثه عن الفصل السابع يحاول الطعن فى شخصية هارون الرشيد رضى الله عنه ، الذى كان يحج عاما بعد عام ، ويغزو عاما بعد عام ، ويصوره على انه كان يحكم كنصف اله يستوى على عرشه .
كذلك يطعن فى نظام الجهاد الاسلامى ، وخاصة نظام المعاهدات التى كان يعقدها المسلمون مع غيرهم ، فيقرر فى خبث واسع ، أن الدين قد جوز لأمراء المسلمين ، عقد هدنة أو مهادنة مع الكفار ، مدتها القصوى عشر سنوات ، فى حالة ضعف الدولة الاسلامية ضعفا شديدا ، وبشرط أن تكون الهدنة لصالحهم ، ويبين أن المسلمين أحرار فى خرق هذه الهدنة اذا شاؤوا ، على أن يكفروا عن نقضهم ميثاقهم .
ويكفى لدحض كذب المؤلف وبهتانه أنه لم يعتمد وهو يسوق حديثه جزافا على أى دليل أو نص ، كذلك فان تاريخ الفتوحات الاسلامية الطويل يرد هذه الدعوى ، ذلك لان تمسكه بحفظ عهد المعاهدين لا يوجد له مثيل فى أى تاريخ آخر .
ويتحدث عن أهل الذمة ، فيقول : ان المسلمين عاملوهم معاملة المستضعفين لفرضهم الجزية عليهم ، ويدلل على ذلك بشخصيتين اسلاميتين وهما : المتوكل على الله العباسى ، والحاكم بأمر الله الفاطمىى ، فيقول عنهما انهما ساما أهل الذمة سوء المعاملة .
أما عن فرض الجزية على أهل الكتاب فيعلله الدكتور حسن ابراهيم حسن فى تاريخه المسمى ( تاريخ الاسلام ) ، وفى الجزء الاول بقوله : (( وانما وجبت الجزية على أهل الكتاب ، كما وجبت الزكاة على
المسلمين حتى يتكافأ الفريقان ، وهما رعية لدولة واحدة فى المسؤولية )) .
أما غضبة المتوكل على أهل الذمة فسببها أنه رأى ما لهم من نفوذ فى بلاطه ، وما كان لهم فى بلاط آبائه ، وقد حاولوا من وراء الفرس وغيرهم الاستيلاء على السلطة ، هذا الى جانب نشرهم الفوضى والفساد فى أنحاء كثيرة من البلاد الاسلامية ، لذلك قيل أن المتوكل كان يفكر فى نقل الخلافة الى دمشق ، وجعلها عربية عمادها العرب ، وقد تحفق كثير من ظن المتوكل عندما حاولت العناصر غير العربية ، وأهل الذمة الاستيلاء على السلطة ، فنجحت محاولتهم تلك التى كان من نتيجتها قتل المتوكل فى مجلس الخلافة ، وتولية ابنه الناصر بدلا منه .
كذلك الحاكم بأمر الله الفاطمى ، فقد كان شديد التعصب للمذهب الشيعى الفاطمى ، وعنه يقول الدكتور حسن ابراهيم حسن ، (( ولم يضطهد أهل الذمة وحدهم ، بل اضطهد أهل السنة أيضا بصفة خاصة ، والمسلمين غير الشيعيين بصفة عامة )) .
لكن هذا الاضطهاد لم يستمر أكثر من خمس سنوات ، زد على ذلك أن هاتين الحادثتين لا يمكن أن يعمما ليشملا التاريخ الاسلامي في تعامله مع أهل الذمة ، اذ أن المتوكل والحاكم لم يعتمدا على نصوص دينية أو قوانين وضعت لهذا الغرض .
ويحاول المؤلف توجيه الحقائق الى غير وجهتها عندما يحاول القول بأن المسلمين السوريين عاشوا فى ظل نظام التسامح الذى سار عليه حكام الفرنجة فى بلاد الشام .
وهذه فرية باطلة لا حاجة بنا للرد عليها إذ ان تاريخ الحروب الصليبية ملئ بالبطش والفتك وهتك الاعراض ونهب الممتلكات الذى مارسه الامراء الصليبيون الاتقياء !!!
وفى حديثه عن الاسرة الاسلامية يتبين قليل من الجهد وكثير من الكيد للنظم الاسلامية الاصيلة ، اذ يقرر أن الزوجة لا تحصل على بقية صداقها الا بعد الدخول بها ، ويظهر هذا كذلك فى حديثه عن نظام الخطبة الشرعية اذ يصور الفتاة بأنها لا ارادة لها فى أمرها ، وأن الاسلام يمنع المرأة من التزوج برجل من دون طبقتها ، وأن الشرع الاسلامى يضع المرأة المتزوجة تحت اثر وعيد دائم من الطلاق دون أن تكون هناك أية حاجة لمثل هذا الطلاق .
وفى الفصل التاسع يتحدث عن الاملاك غير الموصى بها والوصايا والأوقاف ، ويفتح هذا الفصل بمطعن كبير حيث يقول : ان قوانين الارث تفوق أحكام الزواج في اعاقة تطور الشريعة الاسلامية ، لذا فهو يثنى على تركية التى حاولت التخلص من هذا النظام بتطوير الشريعة نفسها ، ويبارك جهود مصر فى هذا المضمار .
وهذا هدف من أهداف الاستعمار والتبشير والاستشراق أهمها : تطوير الشريعة الاسلامية ، حيث توائم روح عصرهم المادى البحت ، ليسهل بالتالي ادخال ما يريدون فى قوانينها وأحكامها ، لابطالها فى النهاية ومسخها ، والنتيجة هى القضاء على الاسلام عقيدة وشريعة فى البلاد الاسلامية ، لذا نراهم يثنون ويباركون على أية جهود هدامة فى هذا السبيل .
ويعود في نهاية هذا الفصل الى التأكيد بأن قوانين وقواعد الفقه الاسلامى متأثرة بالقانون الرومانى البيزنطي ( ٥ ) .
ويثنى - كما قلت - على القانون التركى الذى عالج السرقة وفقا للتشريع الاوروبى منذ سنة ١٨٥٨ م ، ويقرر فى نشوة غامرة ماكرة ، بأن العالم الاسلامى نسي الشريعة القرآنية فيما يتعلق بالسرقة ، وفيما يتعلق بالتنظيمات القضائية الاسلامية الاخرى ، ولكنه يتعامى عن دور ابن بجدته المستعمر فى ذلك كله ، وكان البلاد الاسلامية كانت تفعل كل ذلك من تلقاء نفسها ، ففرنسا هى التى ألغت نظام القضاء الاسلامى فى الجزائر ، وبريطانيا هى التى أنشأت المحاكم المدنية المختلطة فى مصر ، والتى عانى منها المصريون الكثير من المتاعب .
وفى الفصل الحادى عشر يتحدث عن جوانب كثيرة من الحياة الاجتماعية ، فيقول عن نظام التعليم فى البلاد الاسلامية : ان المدارس الاسلامية زادت تقلص الفكر الاسلامى ، ويصور للغرب فى أبشع صورة ، المدارس الدينية ، ونظام التدريس فيها حين يقول : (( وما زال الصبية يحملون ألواحهم في أيديهم ويهزون أجسامهم عند ترتيلهم )) ، بينما يصف وصفا مشرقا المدارس الابتدائية والثانوية والعالية التى أقيمت على نمط المدارس الغربية فى نظمها وعلومها واتجاهاتها .
وفى حديثه عن الحياة الاقتصادية الاسلامية يقول : (( ومع أن العقيدة أثارت مشكلة عدم شرعية الاغتصاب ، فانها مع ذلك شجعت الاستيلاء على الاراضى الشاغرة ، وبررته فى اغلب الاحوال حتى دون تفويض الامير )) !!
فالعفيدة فى رأيه أثارت المشكلة ولكنها لم تحرم الاغتصاب ، والعقيدة بررت أسباب الاغتصاب وشجعت عليه ، بمثل هذا ينفذ
المستشرقون الى النيل من اسلامنا الحنيف ، فيدسون السم في الدسم ، ولكنهم مع ذلك يكشفون عن بياتهم بشكل واضح . فالمؤلف فى نهاية كتابه يثنى مرة أخرى على جهود تركية ، التى محت الخلافة الاسلامية ، وفكرة الجامعة الاسلامية ، ويمتدح فكرة تبنيها ( مبدأ التمثيل الشعبى ) الغربى ويحاول فى هذا الباب : ( الاسلام الحديث ) النيل من حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - والأسس التى قامت عليها ، فى نفس الوقت الذى يعترف فيه بروح التجديد التى بدأت من مدة طويلة تسيطر على كافة شؤون الحياة فى الجزيرة العربية .
ويأسف لأن فرنسا لم تستطع تدبير شؤون سورية السياسية ، ولكن تأخذه نشوة الطرب وهو يؤكد أن مصير المغرب العربى سيؤول الى دولة أوروبية على أية حال .
أما أمانى الشعوب الاسلامية فى الاستقلال والحرية ، فيخاف المؤلف منها تماما كما يخاف منها المستعمر ، فيلتوى بالعبارة ليحاول انكارها حيث يقول : (( هكذا يخاف أن تؤدى هذه الشعوب الى فوضى ، وبالتالى تصبح هذه الآمال عائقا دون تنظيم السلم والحرية العامين )) .
ويخشى فى دهاء بالغ من الفقر الخلقى الذى يسود بلاد الاسلام ، وفى نفس الوقت الذي يثنى فيه على الصفوة من المسلمين الذين يسعهم التعاون مع الاوربى على
مبادىء مشتركة ممسوخة ، فانه يحذر من تلك الجماعة المستنيرة من المسلمين ، التى عرفت ألاعيب المستعمر ، وخدينه الاوروبى ، ويقرر أنها تقف حجر عثرة بين تفاههم الغرب مع المسلمين .
بعد كل هذا أفتش يا قارئي العزيز عن اعجاب المؤلف بالاسلام وحضارته ونظمه ، وعن الفائدة الكبيرة ، والعرض المشرق لمجالى الفكر الاسلامى ، الذى ذكره المترجمان في المقدمة فلا أجد من ذلك شيئا على الاطلاق .
المفروض فى أى باحث يتعرض للتأليف عن اتجاه معين أو شعب ما ، أن يرجع الى تلك المصادر والوثائق التى تلتصق به ، وان يكون مطلعا على ذلك كله ، وأن لا يعتمد على المصادر الاجنبية الا حين تعوزه المصادر الاصيلة فى استنباط الحقائق ، ولكن المؤلف فى هذا الكتاب لم يعتمد على أى مصدر عربى أو اسلامى ، بل كان اعتماده كله على كتب المستشرقين ومجلات الاستشراق البغيضة ، وهو بين أمرين : فهو اما أن يكون جاهلا باللغة العربية ، فيثبت هذا إن أدوات بحثه غير مستوفية ، فتسقط الكثرة الكائرة من آرائه ، واما أن يكون صاحب هدف معين ، لا يجده فى المصادر والوثائق العربية ، فيثبت هذا بعده عن الأمانة العلمية والقصد السواء ، فيكون حديثه من أول كتابه الى آخره دسا ومكرا وخبثا وحقددا ، وأنا الى الاخير أميل ، وبه أجزم .

