كلاهما فارس مغوار وبطل كرار وشاعر كبير وأديب قدير . وأبو فراس كان عظيم الشأن فى زمانه مكرما بين اخوانه فهو صهر سيف الدولة وابن عمه وقائد جيشه وشاعر بلاطه ، وكذلك البارودى كان وزيرا ثم أصبح رئيسا للوزارة ولكن الزمان غشوم فقد أسر أبو فراس ونفى البارودى ومن ثم جادا للأدب العربى بروائع الاشعار .
قال أبو فراس أعظم شعره وهو أسير لدى الروم ونفح الشعر العربى برومياته التى نظمها فى أسره بلون عاطفى لم يعرف من ذى قبل يرشح بصدق الاحساس والتصوير الواقعى والشكوى والتألم وهذا اللون هو الذى ضمن له الخلود الادبى .
كان أبو فراس عائدا من الصيد مع خلان له ففاجأه كمين رومى على أبواب منيج ففر أصحابه وقاتل وحده فأصابه سهم فى فخذه فبقى نصله فأسروه وحمل اولا الى خرشنة ثم الى القسطنطينية حيث بقى ٧ سنوات يعانى مرارة النفى ، ويعالج لوعة الشوق الى امه وزوجته وابنته الى ان افتداه سيف الدولة .
ومن شعره فى الاسر قصيدته التى مطلعها :
أراك عصى الدمع شيمتك الصبر
أما للهوى نهى عليك ولا أمر
أجل انا مشتاق وعندى لوعة
ولكن مثلى لا يذاع له سر
وقد قالها عندما قالت الروم : ما أسرنا أحدا وخلينا عليه ثيابه غير أبى فراس وفي هذه القصيدة يقول :
أسرت وما صحبى بعزل لدى الوغى
ولا فرسى مهر ولا ربه غمر
ولكن اذا حم القضاء لامرئ
فليس له بر يقيه ولا بحر
وقال اصيحابى الفرار او الردى
فقلت هما امران احلاهما مر
ولكننى امضى لما لا يعيبنى
وحسبك عن أمرين خيرهما الاسر
يقولون لى بعت السلامة بالردى
فقلت أما والله ما نالنى خسر
هو الموت فاختر ما علا لك ذكره
فلم يمت الإنسان ما حيى الذكر
( صدقت يا ابا فراس فأنت لم تمت ولن تموت ما حيى ذكرك )
يمنون ان خلوا ثيابى وانما
علي ثياب من دمائهم حمر
وقائم سيف فيهم اندق نصله
وأعقاب رمح فيهم حطم الصدر
وأما البارودى فلم يكن له فى منفاه صديق يسليه فرفاقه كلهم طائر اللب مروع القلب
وأهل البلاد لا يعرفون لغته فلم يكن له ملجأ يلجأ اليه للتسلية سوى ملكة الشعر يشركها معه ويترنم واياها بهمومه ويستعين بها على التعبير .
كان البارودى قد شارك فى ثورة أحمد عرابى باشا مشاركة غير مباشرة فلمافشلت الثورة نفى شاعر نامع رفاقه الى سرنديب حيث بقى ١٧ عاما . يقول وهو يصف دخوله سرنديب بعد رحلة بحرية شاقة :
(( فدخلتها مشبوب الانين على الاهل والبنين لا أستطيع لما عرانى دفعا ولا أملك لنفسى ضرا ولا نفعا وما ظنك بمن غاب عنه السمير والتاع بالفرقة منه الضمير فهو بين هموم ناصبة وأحزان واصبة ، واشجان يهلك لها الصبر ومرارة يحلو عندها الصبر ان
نطق فبصوت لا يدركه السمع أو نظر فبعين قد ملأها الدمع ))
تعبيرات أدبية رائعة قل أن تجودها أقلام الادباء .
ومن شعره فى المنفى ما قاله عندما ورد اليه نعى زوجته ومطلع تلك القصيدة :
أيدى المنون قدحت اى زناد
وأطرت أية شعلة بفؤادى
ويقول فيها :
يا دهر فيم فجعتنى بحليلة
كانت خلاصة عدتى وعتادى
ان كنت لم ترحم ضناى لبعدها
أفلا رحمت من الاسى أولادى ؟
( الطائف )
