هذا أول عيد ( * ) يا أبي ( 1 ) أعيد فيه بدونك وأنت فى رحاب الله ! . . هذا أول عبد يخلو فيه مجلسنا . . ببيتنا منك ! . . هذا أول عيد يا أبي أحس فيه بالغربة والوحشة والفراق . . .
قبل ساعة كنت واقفا على تراب قبرك ، وكان وهمي يصور لى أنك ستقوم - بعزمك القوي الذى عهدته فيك - لتحضننى كما تعودت احتضانى ، ولتدعونى الى الجلوس بقربك ؛ فتسألنى عن كل ما يهم مستقبلى وحياتى ، وتوجهنى وترشدنى ، وتفتح أمامى أبواب الأمل من جديد ، وتحط عني - بلطفك وعطفك - أوزاري وأتعابي .
فوق قبرك قرأت ثمنا من القرآن ، وتصدقت ترحما عليك ؛ وكنت أشعر أن ذلك أقل ما أقدمه إليك فى يوم عيد كنت لا تفارقنى فيه ولا أفارقك .
كان موتك يا أبي مثل حجرة سقطت على رأسى فأفقدتنى توازنى وسببت إلى قلقا مستمرا ، وحملتنى أعباء البيت والمزارع ، وهى أعباء كنت لا أهتم بها وأنت على قيد الحياة .
وقد زاد قلقى يا أبي لأننى أحسست بارهاق شديد وأنا اسعى الى التوفيق بين مطامحى العلمية وحبى الاطلاع على المجتمع والحياة وبين الحفاظ على تنفيذ وصيتك في رعاية بيتنا الكبير بالريف ومزارعنا ( 2 ) .
نم هانئا يا أبي ، فان كل حجرة فى هذا البيت تذكرنى بك ، وكل شجرة لوز وزيتون وخوخ وتين زرعتها يداك الكريمتان - فى هذه المزارع - ترسم خيالك الفارغ أمامى ، وتعيد الى ذاكرتى ملامحك المحبوبة الى قلبى .
لذلك سأحاول يا أبي قدر جهدي أن أحافظ عليها لأنها تمثلك أنت جهدا باقيا وعطاء مستمرا لم ينته بمماتك ؛ بل جعلك هذا الجهد تتحدى الموت والزمن وتفرض نفسك عليهما فرضا ، مثلك فى ذلك مثل الرسام والنحات والشاعر والمفكر .
أنت خالد يا أبي ، لأنك كنت من المصلحين فى الارض . فها إن ما زرعته يأكل منه الانسان والطير والبهائم !
أنت خالد فى ضمير الحياة لأنك أثريت الحياة !
كم كنت عظيما يا أبي في عيني لأن الدنيا كانت صغيرة فى عينيك ؛ ولأن متاع الدنيا وسخ - كما كنت تقول - تغسله مفاجآت الأيام ! .
وكم كنت قويا على نفسك لأنك كنت دائما خارجا عن سلطان البطن والجسد ؛ فترى أن الثوب يغسل اذا تدنس ، أما الشرف اذا لاط به العار فلا غسيل له !
وكم كنت حريصا على أن لا تحكم بالظن ، ولا نتكلم الا بعد أن تزن ما تقول ، ولا تطمع فيما فى أيدي الناس ما دامت يداك خاليتان منه ! وكم كنت حريصا على أن لا تؤذى أحدا بيدك أو لسانك ، ولا تغتابه ، ولا تحط منه لترفع من نفسك ؛ بل كنت تعفو وتصلح وتقنع وتقرب ولا تبعد ! وكم كان للضيف أو الغريب أو المنقطع عن الاهل فى رحابك مأوى وراحة وحفان !
رحمك الله يا أبي ! فكم كنت معطاء ! وكم كنت صبورا على الشدائد ! وكم كنت شما وفتيا ! وكم كنت تمارس البطولة بلا ضجيج !
