بعد ان اغلق الحانوت قرابة منتصف النهار من يوم الجمعة ، رجع الجيلانى الى الدار لا يحمل على كتفه ذاك القماش الوبرى ليصنع منه برنسا موشى بنقوش جميلة عند الصدر ، فهو قد اعتاد فى وقت القيلولة عندما يغلق اخانوت ان يعمل قليلا فى الدرار حتى موعد أذان العصر ، عندها يصلى حاضرا بالمسجد ويرجع ثانية إلى الحانوت .
عندما دخل الى الدار كان مقطب الجبين واجما على غير عادته وكانت حالته النفسية تبدو متعكرة كثيرا فحتى اطراف شاربيه الاشيبين كانت ترتعش برفق . . لم يعر اى اهتمام الى زوجته ولا الى اولاده الثلاثة الصغار . . كانت زوجته فى تلك الآونة منهمكة فى تقشير حبات من الفجل لاعداد وجبة من " السلطة " . . أما أولاده فكان احدهم بصدد فتح حقة مصبرات فارغة لصنع لعبة ما . . والآخران يتنازعان من أجل حصان خشبى لا يشبه على كل حال حصان طروادة التاريخى . .
كانت الافكار السيئة تدور بفكره فى ذلك الحين فتجعله مشوشا فلا يستطيع تركيز قواه الذهنية فى اتجاه واحد لكثرة ما احدثته تلك الافكار من بلبلة فى نفسه .
بعد ان اعدت زوجته " السلطة " دعته الى الافطار فأعتذر متعللا بقلة شهيته الى الاكل وعرفت ببداهتها انه يعانى حالة نفسية غير عادية فلم تلح عليه واكتفت بان دعت اولادها الى تناول طعامهم .
لم يستطع البقاء طويلا فى البيت فخرج حالا لأ يدرى أين يذهب ولكنه خمن ان يتمشى فى الواحة بعض الوقت فلربما تستريح نفسه المتعبة ويهدأ خاطره المتكدر .
وقيل ان يستدير خارجا لاحظ نظرات الحيرة والاستغراب مرتسمة على وجه زوجته فاشتهي في تلك اللحظة ان يفتح قلبه ويحكى لها عن همومه وهو احسه ومشاكله ولكنه تصور أنها حتما سترميه بتلك النظرة البلهاء الساذحة فيحد نفسه مضطرا الى ادارة دفة الحديث فى اتجاه آخر كالحديث مثلا عن زوجة أخيها النازح الى العاصمة رغم تطيره من مجرد ذكر اسمها . قبل أن يصله ذلك المكتوب المشؤوم وقرار مجلس التاديب بفصل ابنه الاكبر من المعهد ، كان هادىء البال رغم الفقر والعسر اللذين يعانيهما ، ولكن لمستقبل كان كثيرا ما يشغل باله فهو زيادة على قلة ذات اليد فان اولاده لا يزالون صغارا ولم يحن بعد وقت تشغيلهم أضف الى ذلك عدم امتلاكه لاى شئ يمكن ان يدر عليه ببعض المال يرفع ولو قليلا من دخله المتواضع . . هذا الدخل الذى يحار فى كيفية توزيعه على الحاجيات المتأكدة . . كان فى مقدوره سابقا عندما كانت صحته طيبة ان يحاول الاشتغال فى اى ميدان آخر عوض حرفته هذه التى اضعفت بصره وهدت اصابعه من فرط استعماله للابرة ولكن . . .
يجلس الجيلانى كل يوم قرب ابى بكر الخياط يخيط البرانيس ويصنع لها وللحبائب نقوشا جميلة عند الصدر كما يصنع لها زهورا من زغب الخيط فى قمة الطربوش وفى اسفل جناحى البرنوس والجبة وهذا العمل يبدو فى ظاهره بسيطا لا يستدعي جهدا كبيرا ولكن الجيلاني يستطيع أن يبرهن لاى كان على ان هذا العمل هو من اتعب الاعمال وارهقها زيادة على انه لا يدر كثيرا من المال على صاحبه فمما يسببه هذا العمل بعد سنوات - ضعف البصر وآلام فى مستوى الركبتين والظهر والرقبة وذلك نتيجة الانحناء لمدة طويلة فى اليوم والنظر المستمر الى الابرة .
الا ان الجيلاني لا يقضى وقته كله وهو هكذا منحن على القماشوب الوبرى السميك فدكان أبي بكر الخياط يؤمه عدد لا بأس به من الناس الذين يؤنسونه بأحاديثهم المختلفة فهناك " على حركات " الذى يسمونه " بالاذاعة المتنقلة " وذلك لكثرة ما يجلب وما ينقل من اخبار محلية وجهوية احيانا وهناك صالح البرادعى الذى يكاد يكون حضوره فى الصباح مستمرا . . هذا الرجل القادم من اتون الحرب العالمية الثانية فبدلته التى تبدو عسكرية وحذاؤه " البرودكان " الضخم يعطيانك فكرة واضحة عن ميولات هذه الشخصية التى تبقى غامضة رغم استرسالها فى الاحاديث الحربية وغيرها
فهو لا يترك مناسبة تمر دون ان يذكرك ببطولاته وما ذاقه من ويلات وعذاب ويمزج احاديثه بأشياء وهمية كان يقول لك مثلا انه عندما كان يقنبل على مدينة برلين وهو يقود الطائرة اذ أصيب جهازها بطلقة نارية وما كان منه بعد اشتعال النار فيها الا ان رمى بنفسه فى الهواء مستعملا قميصه كمظلة للنزول ولما اقترب من الارض وقعت يداه على احد المرازيب فتشبثت به وانقذ من الموت وهناك ايضا ابو بكر الخياط هذا الرجل الذى بينه وبين الجيلانى علاقات مهنية وعشرة طويلة والذى فتح له حانوته ليعملا معا وفى ذلك نكامل بين شغليهما فأبو بكر يقيس القماش الوبرى ويقصه على حسب طول الشخص المشترى والجيلانى بعد ذلك يقوم بالخياطة يدويا ويصنع للبرنس تلك النقوش الجميلة وتلك الزهرات الخيطية ثم انه شخص مرح محب للفذلكة والنكت والفكاهة والاحاديث الساخرة .
فى كل صباح بعد فتح الحانوت يخرج الجيلاني كانوا حديديا من خلف الباب ويضع فيه شيئا من الفحم ثم يفرغ عليه قليلا من النفط ويشعله . . . فى تلك الاثناء يخرج من ركن الحانوت مخدة هزيلة محشوة بقطع قماشية يجلس عليها ويأخذ ينفضها من الغبار بواسطة عصا فى طول الذراع تستعمل لقيس الاقمشة . وبعد ان تحمر الجمرات في الكانون يدخله استعدادا الطبخ الشاى وقبل ذلك يكون الجيلاني قد تناول وجبة الصباح لدى محمود الطباخ وهو عبارة عن صحن من " الهريسة " ( حمص مطبوخ ممزوج بشئ من الطماطم والفلفل المسحوقين مع قليل من الزيت والتوابل ) فهو لا يحب ابدا ان يشرب الشاى الاحمر ومعدته فارغة .
وبما ان الحانوت يقع بسوق " الربع " هذا السوق الذى يحتوى على عدد من الحوانيت لبيع المواد الغذائية والخضر التى غالبا ما تجلب من الواحة كما يحتوى هذا السوق على حانوت حلاقة وحانوت لاصلاح الدراجات الهوائية وحانوت آخر لصانع قدور النحاس المختلفة احجامها ويقوم بتنظيف وتلميع القدور القديمة المسودة وهناك أيضا اسكافي شيخ الا ان هذا الشيخ لا يملك حانوتا بل انه اتخذ مكانا ضيقا تحت حنايا بعض الدكاكين يعمل فيه .
ويمر موزع البريد فى البلدة يوميا على هذا السوق ويقوم بتوزيع الرسائل وفى اكثر الاحيان يترك رزقا منها فى هذه الحوانيت ليتولى اصحابها توزيعها . . وفى ذلك اليوم جاءه الموزع برسالة فخفق قلبه بشدة خاصة عندما رأى على ظهرها ختما احمر ولما فضها تأكدت هواجسه واوهامه " . . بعد
اجتماع مجلس التاديب للنظر فى سيرة ابنكم التى لا تشرف المدرسة بأى حال تقرر فصله نهائيا . . "
أحس بآلام الظهر والركبتين تعاوده بشدة وغامت الحروف أمام عينيه واحس بدقات قلبه الواهنة تضرب بشدة فى دماغه وتراءى له المستقبل شيئا غامضا باهت اللون فى لون برنس قديم فقد لونه وشعر أن عقدا من الزمن قد انسلخ من عمره فى تلك اللحظات قال له أحد اساتذة ابنه يوما :
- " ان ابنك النورى يتغيب كثيرا عن الدراسة زد على ذلك سيرته المشينة فى المدرسة ومظهره المخزي الذي يجلب الاشمئزاز . . وذلك نتيجة اختلاطه بالسياح السيئين . . . "
وقال له أستاذ آخر : - أنت يا جيلانى رجل عجوز وأنا فى الواقع احس نحوك بالعطف . . . ورغم اعداد ابنك الهزيلة جدا فى الامتحانات فانه ما يفتا يحرض التلاميذ على ليهمسوا عندما أمر في الساحة " المفتش كعبورة " ولا استطيع طبعا فى تلك اللحظة الا أن أقضم اظافرى بعصبية ولهذا ترانى حتما مجبورا على منحه اعدادا رديئة هو فى الحقيقة يستحقها . . وهذا ليس ذنبى . . طبعا "
ومن وقتها عرف أن ابنه يتبع طريق الضلال ورغم نصيحته له فى اول الامر وتوبيخه بعد ذلك الا ان هذا الابن العاق بقى على حاله سائبا مع السياح تاركا بذلك دروسه .
ويوم فاجأه وهو يدخن أحس بأن العالم فسد وان الحياة ما عاد يستسيغها ولم يزد على ان ناداه وقال له بأسف عميق :
- " أنت تعرف أنك ما زلت غرا والأفضل لك ان تقلع عن التدخين حالا وان تكف ملاحقة السياح والا . . ستسبب فى قتلي أيها اللعين . . وقال " اللعين " وهو يصر بأسنانه بتوتر واضح وعرف ببداهته ان ابنه لا يدخن فقط بل يشرب الخمر ويزنى ويأكل لحم الخنزير ولا يصوم رمضان و . . و . .
ولما اتم توبيخه له لاحظ ان ابنه يطيل النظر اليه باستخفاف وقح ود وقتها لو هجم عليه بضراوة واعمل اسنانه فى رقبته . وبما أن هذا الابن صار فى طوله فان الجيلاني صار كل مرة تلتقى عيناه بعينيه يلجم عواطفه المتأجة ويكبت غضبه حتى لا يحشر نفسه فى صدام
بينه وبين هذا الابن الذى صار له لسان حاد كالشفرة . . له بذاءة وقحة وذراع قوية كأذرع الصعاليك .
ويذكر الجيلانى صباه وما كان يكنه من احترام لوالده رحمه الله وكيف كان يكلفه فى بعض الاحيان بحمل عدد من البرانيس والجبائب الى بعض تجار " اللغة " بالوسط والشمال الغربيين حيث تلقى هذه البضاعة رواجا هناك .
وعندما توفى والده ورث عنه هذه الحرفة واستقر فى حانوت ابى بكر وبين الحبن والآخر عندما تتجمع لديه عدد من البرانيس والجبائب يقوم بسفرة قد تدوم اسبوعا او عشرة ايام يزور خلالها عددا من المدن والقرى . . ويرجع وقد تحصل على ارباح لا بأس بها .
وبلع الجيلاني السكين بدمها كما يقال وصبر واتجه الى الله يتضرع له ان يهدى هذا الابن الضال الى الطريق القويم وضع جميع اسلحته وبفى ينتظر فهو ضعيف والكبر أوهنه والشيخوخة بدأت تهد جسمه علاوة على آلام الظهر والرجلين التى هزت كيانه واثرت فيه بصفة بليغة .
ولكن الشئ الذي يحزنه ان يعجز فى يوم ما واولاده لا يزالون صغارا فكيف يصنع لاعالتهم ؟ انه لا يملك شيئا فى هذه الدنيا وهذا الولد الطائش لا يفهم هذا الامر ولا يفكر فى المستقبل البتة .
وعاودته الافكار السيئة فالفي نفسه وحيدا فى هذه الدنيا يصارع من أجل الحياة ويكافح من أجل الحصول على رغيف ممزوج بعرقه وبضوء عينيه الضعيفتين ليوزعه على الافواه المفتوحة التى تنتظر الرزق . . انه يحس بالشيخوخة بدأت تجتاحه وبقواه بدأت تنهد فيتنهد ويدعو الله متضرعا ان يطيل عمره ويمتعه بالصحة حتى يرى اولاده وقد صاروا رجالا يعملون ويحصلون على رزقهم بأنفسهم عندها يسلم أنفاسه الاخيرة وهو مرتاح البال مطمئنا على مصير عائلته.
لم تسقط ولو حلقة واحدة من سلسلة هواجسه واشجانه هذه بالرغم من ارتفاع صوت الخشبوع ينادى لصلاة الجمعة ومع ذلك تحامل على نفسه واتجه الى اقرب مسجد ليؤدى صلاته .
