-٥-
الأدب العربى وإنحلال الدولة الاسلامية
من الذين درسو اتأريخ الأمة العربية واستقصوا الاسباب التى ساعدت على تقوية الأدب العربى فنمي وازدهر . وتتبعوا العوامل التى تضافرت على انحلاله وركوده فخمل وذبل من خرج بنية عكسيه بين الادب العربى والدولة العربية تبين الفارق الشاسع بين حالي الادب والسياسة وانه فى الوقت الذي تضعضعت فيه سياسة الدولة العباسية وتوالت عليها الازمات الخطيرة التى تمخضت عن اسوأ النتائج كان الادب العربى فى أوج نهضته وأنضر روعته .
وطبيعي ليس معنى ذلك أن الاضطرابات السياسية وما جرته من خطوب قوضت دعائم الدولة - وطوحت بها من شاهق مجدها إلى خصيض التفرقة والانقسام هى سبب من أسباب نهوض الأدب وازدهاره . وانما النهضة الفكرية والتقدم العلمي يتأخران عادة عن النهوض السياسي ريثما تنضج ثمارها وريثما تهضم الافكار ما يجد على مألوفها .
فلقد كان عهد الدولة الأموية - عهد جهاد ، وفتح ونصر . إتسعت فيه خارطة الدولة العربية من وراء خوراسان إلى ما وراء أسبانيا ومن القصتنطنية الى المحيط الهندى . وكان طبعاً عصر نهوض سياسي إتجهت فيه الأمة العربية الى ما يوطد سلطانها وينشر نفوذها . والى تدبير امورها وتهيئة الانظمة التى تكفل لها الاستقرار والتنظيم .
وبدأ العهد العباسي بتركيز الدعوة العباسية والقضاء على منارئيها من أمويين وعلويين ، ورد عادية الدول المتاخمة التى ما فتئت ترقب الفرص عليها تنال شيئاً من النصر ينهض بمعنويتها التى قعدت بها الهزائم المتكررة .
حتى اذا ما استتب الامر بعض الشئ للعباسيين فى الشرق . وحتى اذاما تركزت سياسة الامويين فى الغرب - ظهرت طلائع النهضة العلمية من وراء غبار المعارك . وظهر قادتها ودعانها - وهم خليط من ابناء الدولة الاسلامية . يحملون نتاج جهودهم طيلة السنوات التي امضاها الفتح الإسلامي يتنقل من الشرق إلى الغرب ومن الجنوب إلى الشمال .
فرحبت بهم بغداد كما رحبت بهم قرطبة . ومهد لهم - فى عاصمة العباسيين وفي عاصمة الامويين التنافس الذي قام بين الدلتين الطريق الى أغلى أمانيهم والمع آمالهم - فتسابقوا يشيدون للعباسيين نهضة علمية فى الشرق ويبنون للأمويين أخرى فى الغرب كانتا التراث الخالد لتلك العصور الذهبية .
ولو لم تكن تلك الهفوات السياسية التى وقع فيها قادة الدولة العباسية فجرت على دولتهم الفوضى والإنحلال وصيرت مقاليدهم في ايدى طغمة من الرعاع الجهلة أثاروها ثورات متصلة الحلقات أتت على أكثر ما تفخر به الامة الاسلامية وتعتز من علوم وآداب .
ولو لم تثر المطامع فى بلاد الاندلس تلك المعارك الدامية التى خاضت غمارها الدولة العربية فى أسبانيا فكانت تلك النهاية المحزنة .
لكان للنهضة العلمية العربية تأريخ غير هذا التأريخ ويتم للمدنية العربية التزعم على الشرق والغرب ولاصبح العربى اليوم كما كان بالامس أستاذ الغربى وقائده .
ولكن لم تلبث الحال أن تبدلت فى بغداد وفي قرطبة . وفي غير بغداد وفي غير قرطبة من الحواضر الأسلامية . ولم تلبث النهضة العلمية ان واجهتها ضطرابات السياسة ومطامع الرؤساء . ولم تلبث أندية البصرة والكوفة . ومجالس قرطبة وغرناطة أن خلت مس أعلامها . فبينما كان رجل العلم والأدب يعملون لبناء نهضة علمية ترتكز الى ما بلغته جهود السنوات التى قضوها في
الدرس والتأليف والترجمة . كانت المطامع تهدم بناء الدولة الاسلامية بايدي من فرقت كلمتهم الأنانية . ووسوست لهم المادة . فاستساغوا الخديعة والغدر واثاروها فتناً هو جاء جرت الشر والدمار ومزقت الدولة العباسية فى الشرق وجزأت الدولة الاموية فى الغرب . فاذا بالخلافة القياسية تنقسم الى دويلات واذا بالمملكة الاموية تنحل الى طوائف . وإذا بتلك الديلات وهاتيك الطوائف تندفع في جحيم من المغامرات والدسائس .
هكذا كانت الحال بين السياسة والادب على النقيض . وهكذا قدر للنهضة الادبية أن تصطدم وهي في عنفوانها بالانقلابات السياسية فتساير أهدافها هنا وهناك وهكذا قدر لرجالها ان تعبث بهم تياراتها فتختلف بهم الاتجاهات . وتتفاوت بينهم الحظوظ . فناجح أبتسمت له الحياة وابتسم لها وراح يصف ابوارها وافراحها . ومترد تنكرت له الحياة وتنكر لها وأضحى لا يرى غير عبوسها وتحديها وآلامها .
وكما أثرت هاتيك الحوادث على سياسة الأمم الأسلامية وطموحها . كذلك هى قد أثرت على الأدب العربي واتجاهاته ووجد فيها الأديب العربى ما ادهشه وراعه ففاض يكشف لنا النواحي النفسية الحساسة مصوراً لنا ما تزخر به حياته من متناقضات كانت النتائج المتوقعة تفاعل المطامح وردفعلها . وكانت الطابع الذى طالعنا به آدب الجرجانى . والمتنبي . وبديع الزمان . وابن شهد . وأبي العلا . والصاحب وقابوسى . وغيرهم من أدباء المشرق ومن أدباء المغرب الذين فاتتهم عصور الأسلام الذهبية فاختلفت حياتهم وتفاوت نجاحهم كما إختلفت بيئاتهم وتفاوتت أوضاعهم .
وأنا كما نجد ذلك التفاوت قد باعد بين حياة نوابغ الأدب العربي الذين تنشأوا فى تلك العصور المضطربة . كذلك نجده قد أثر فى انتاجهم الأدبي . فنحن كما نقرأ لهم أدباً مرحاً باسماً يسدى على الحياة الفتنة والجمال نقرأ لهم كذلك آلاماً ونفثات تصور الحياة بؤساً وحرماناً فبينما تقرأ بيتي الحانمي عن الليل وقصده
يا رب ليل سرور خلته قصراً كعارض البرق فى افق الدجى برقا
قد كان يعثر اولاه بآخره وكان يسبق منه فجره الشفقا
يخبرنا أبن فارس عن حاله وكيف يقضى لياليه :
وقالوا كيف حالك قلت خير تقضى حاجة وتفوت حاج
نديمي هرتى وأنيس نفسى دفاتر لى ومعشوقى السراج
فيتجسم لنا الفارق الكبير بين هذين النابغتين ، فالحاتمى غمره الانس وطغى عليه السرور فلم يشعر بظلام الليل حتى فوجئ بشفق الصباح . بينما ابن فارس قابع فى داره لا يجد من ينادمه ويسرى عنه همومه غير هرته ودفاتره وسراجه
قد يكون فى وصف الحاتمي كثير من الخيال . وقد يكون فى خبر أبن فارس كثير من المبالغة فكما استظل الحاتمى بالوزير المهلبي . فقد استظل ابن فارس بتلمذه الصاحب بن عباد ، وكلا المهلبي والصاحب ممن يقدرون الأدب ويقدرون على إسعاد الأديب .
ولكن الذي لاشك فيه اختلاف النفوس وغاياتها فما بعده هذا نجاحاً وتوفيقاً براه والآخر اخفاقاً وفشلا . فالحاتمى با كره التوفيق فسره ان لا تقل مكانته فى بلاط سيف الدولة ولم تتجاوز سنه العشرين ربيعاً - عن شيوخ الادب وأئمة اللغة كابى على الفارسي . وابن خالويه . والسيرافى فهو مستبشر متفائل . اما ابن فارس فهو استاذ الكثير من اعلام الأدب الموفقين فى حياتهم كالصاحب وبديع الزمان فهو يطمع فى أكثر من تعظيم الصاحب ورسالات الهمذاني
وما يرضى هذا وذاك لا يرضي أبا فراس الحمدانى . فما يطمع فيه أبو فراس لا يطمح إليه الكثيرون ، فابو فراس ابن عم سيف الدولة وفارس دولته فلا غرو ان حسب الايام رغم مكانته فى امارة آل حمدان تدافعه عما يريده :
ووالله ما قصرت فى طلب العلى ولكن كأن الدهر عني غافل
مواعيد آمال متى ما انتجعتها حلبت بكيات وهن حوافل
تدافعني الايام عما اريده كما دفع الدين الغريم المماطل
فما لاجدل فيه أن للعوامل النفسية أثرها الكبير على تصورات الاديب واخيلته . واننا لنلمس ذلك الاثر مجسداً فى ابيات أبى الحسن الجرجاني :
يقولون لى فيك انقباض وانما رأوا رجلا عن موقف الذل أحجما
اذا قيل هذا مشرب قلت قد أرى ولكن نفس الحر تحتمل الظما
وما كل برق لاح لى يستفزنى ولا كل اهل الارض ارضاه منعما
ولم ابتذل فى خدمة العلم مهجتى لاخدم من لاقيت لكن لاخدما
أأشقى به غرساً واجنيه ذلة اذن فاتباع الجهل قد كان احزما
على مهجتى تجنى الحوادث والدهر فاما اصطبارى فهو ممتنع وعر
كأنى الاقى كل يوم ينوبنى بذنب وماذنبى سوى اننى حر
فان لم يكن عند الزمان سوى الذي اضيق به ذرعاً فعندى له الصبر
وقالوا توصل بالخضوع الى الغنى وما علموا ان الخضوع هو الفقر
وبيني وبين المال بابان حرما على الغني : نفسى الابية والدهر
اذا قيل هذا اليسر عانيت دونه مواقف خير من وقوفى بها العسر
اذا قدموا بالخير قدمت دونهم بنفس فقير كل أخلاقه وفر
على ان حياة الجرجاني ليست كلها نكداً وشقاء . فمنها خلسات حلوة مسعدة وصفها لنا بابيات شيقة مرحة .
ياديار السرور لازال يبكى بك فى مضحك الرياض غمام
رب عيش صحبته فيك غض وجفون الخطوب عنا نيام
فى ليال كأنهن امان من زمان كأنه احلام
وكأن الاوقات فيها كؤوس دائرات وانسهن مدام
زمن مسعد وألف وصل ومني تستلذها الأوهام
وان مما يؤسف له ان ما بين ايدينا من ذلك التراث الادبي هو قليل من كثير أضاعته الحوادث والانقلابات فضاعت معه ثروة علمية لوحفظت لكانت دائرة
معارفنا الادبية اوسع مما هى عليه اليوم . وان مابين ايدينا اليوم من أدب المتنبي والجرجانى وأبى العلاء وذلك الرعيل هو من خيرة الادب العربى وجيده وان ما بين ايدينا اليوم من ذلك الأدب أنار لنا نواحي كثيرة فى تلك الأجواء القائمة . وكشف لنا دقائق ما كنا نعرف الكثير عنها لولا مانطالعه لكتاب تلك العصور وشعرائها
وان مما بين ايدينا اليوم من ذلك الادب عرفنا الشئ الكثير عن سيف الدولة وحكومته وحروبه . وعن الصاحب ومكانته ونفوذه فلقد حرص سيف الدولة ولقد حرص الصاحب على أن يسكونا محط رجال العلم والادب فاضحت مجالسهما لا تنقص عن مجلس الخليفة المأمون - لا من حيث كثرة العلماء والأدباء ولا من حيث مكانة العلماء والأدباء ولبوغهم ولا من حيث قيمة الموضوعات التى يتناولها البحث والنقاش .
ولقد حرص الادباء والعلماء ان يقابلوا العطف بالتقدير والمجاملة بالتفانى فلم يألوا جهداً فى الاشادة بحزم سيف الدولة والدعاوة لامارته ولم يألوا جهداً فى ابراز مواهب الصاحب ونفوذه ومكانته فحفل تأريخ سيف الدولة وحفل تاريخ الصاحب بمالم يحفل به تاريخ الكثير ممن كانوا اوسع ملكا من سيف الدولة وأقوى نفوذاً من الصاحب بن عباد ، وخلد أسم هذا وذاك مع الادب العربي مثلاً يضرب للنبل والنبوغ .
وكذلك كان الادب فى جميع ادوازه ومتعدد اساليبه صوراً لما فى الحياة من متناقضات . وكذلك كان الاديب فى مختلف حياته وفي شتى المناسبات التى تصادفه فى طريقه فناناً يصور لك ضروب الحياة صورا ًكاملة التعبير
ولذلك سيكون ادب هذا الجيل موضوعاً لدراسات الأجيال القادمة ينتقدون غثه من سمينه كما نحن ننقدو نقدر ما بين ايدينا اليوم من ادب الماضى وسيستعرضون فيه صور حياتنا ومافيها من خير وشر كما نحن اليوم استعرض حياة الأمم التى سبقتنا ومافيها من خير وشر .
فماذا تراهم يقولون عنا ؟؟؟!
تم البحث

