كانت حياة البير كامو Albert CAMUS غريبة فى أطوارها ، فقد ولد فى أسرة فقيرة وكانت والدته أمية لا تحسن القراءة ولا الكتابة ، لكن شاءت الاقدار أن يصبح أحد أساطين الأدب فى العالم ، وأتيح لعدد من آثاره أن تنقل الى خمس عشرة من اللغات . وأكثر من ذلك فقد بلغ القمة من الرفعة والشرف إذ أسندت إليه جائزة نوبل فى الأدب وهو فى الرابعة والأربعين من عمره ، مما لم يحصل عليه الفطاحل من أمثال أندريه مالرو (Andre MALRAUX) وهو الذى كان يقول عنه كامو نفسه " انه لأستاذى دوما " .
أجل ، ان حياة الرجل لتشكل قصة ملتوية متناقضة الاطوار ، فهو وليد الجزائر والقائل فى " الصيف " (LEte) " إن الجزائر لهى وطنى حقا " وما فتئ يتغنى بجمال بلدنا مشيدا بنقاوة سمائه وسحر شواطئه وتألق أضوائه . ومع هذا فقد بارح الجزائر فى السابعة والعشرين من عمره ، ولم يعد اليها الا لفترات متقطعة وجيزة المدى ، رغم ما حدثنا عنه من " أجواء أروبا الرطبة الحالكة " . هذا الى ما كتبه فيما بعد فى " عودة الى تبازة " ( Tipaza a Retour ) اذ يقول :
" ليس لى أن أجحد الضياء الذى ولدت فى كنفه ، بيد أننى أبيت الا تلبية مطالب زمنى بما تفرضه على من أعباء " .
وكان تطور كامو متسعا بوضوح مغزاه فى الحقل المذهبى . لقد انخرط عضوا بالحزب الشيوعى خلال فترة الجبهة الشعبية ( Front Populaire ) وأمسى سنة I944 رئيس قلم التحرير لجريدة منبثقة عن حركة المقاومة . ومما كتبه فى مقاله الأول الافتتاحى بها :
" إن هدفنا هو بعث ديمقراطية عملية حقة " . لكنه ما يلبث أن يعتزل المعمعة ويجلس على الربوة حتى اذا كانت سنة 1957 وأسندت اليه جائزة توبل نجده مصرحا على رؤوس الملا بأنه " رجل مناهز للكهولة لا رصيد له سوى الشكوك التى تخامره والآثار التى ما فتئ يعالجها ، هذا الى أنسه الى العمل فى كنف العزلة ، ولجوئه الى أحضان الود والاخاء " .
ونحن ان أعدنا الى ذاكرة قارئنا اتخاذ الرجل هذين الموقفين المتعارضين فليس من غرضنا الحكم له أو عليه ، إنما همنا أن نتفهم حقيقته ونستوضح جليته . ولئن حامت من حوله أجواء من التأويلات الخاطئة والأحاديث الملفقة ، واكتنفت ضروب من اللبس علاقات كامو بالجزائر ( وهو ما يهمنا مباشرة ) فنحن سنحاول ما استطعنا أن نلقى ببعض الاضواء الكاشفة سعيا منا الى استئصال كل اثر لسوء التفاهم واللبس ، مسهمين عند الاقتضاء فى تحطيم بعض الأوهام والخرافات ، سواء أكان منشؤها عن نية أو عن محض الجهل .
ولكن لزام علينا قبل أن نتفهم أى انسان أن نعمد - على حد تعبير منتانى ( Montaigne ) إلى " اقتفاء أثره مليا وبمزيد الامعان " . فلنشر بادىء ذى بدء الى المراحل الرئيسية لحياة الرجل ، تلك التى اخترمتها المنية وهو فى السابعة والأربعين أثناء حادث سيارة بأحد دروب فرنسا فى الرابع من يناير (جانفى) سنة 1960 .
معلوم انه ولد بمندوفى (( Mondooviوقد اصبحت تدعى اليوم دريعان ( Drean ) بولاية عنابة ، فى نوفمبر من سنة 1913 ، وكان والده عاملا بمستودع للخمور فى ضيعة فلاحية ، فلقى حتفه بساحة الوغى فى مستهل حرب I9I4 . عندئذ قصدت والدته عاصمة الجزائر واستقرت بحى بلكور ( Belcourt ) برفقة ولديها . واشتغلت أولا بالترسخانة ، ثم انصرفت للعمل فى المنازل . ومما خطه قلم كامو فيما بعد قوله : " لقد ترعرعت أنا وعامة أبناء جيلى فى جو ملؤه جلبة النفير للحرب الأولى ، وما انفك تاريخنا من يومئذ عبارة عن القتل والظلم والعنف " ( الصيف ) . كما يقول فى " حاليات رقم 1 " ( Actuelles l ) "إننى لم أتعلم الحرية عن ماركس (Marx) " انما تعلمتها عن البؤس " . (وكان متوجها بقوله هذا خاصة إلى ج . ب . سارتر . (j.p.ASRTRE
وزاول الصبى كامو تعليمه الابتدائى بمدرسة نهج أومرات (Aumerat) حيث أعانه لويس جرمان (Louis GERMAIN) احد معلميه بها على متابعة دروسه فى الثانوية المعزوة اليوم الى " الامير عبد القادر " . ولم ينس كامو لمعلمه هذا منته الكبرى نحوه ، فما أن خول جائزة نوبل حتى وجه اليه برسالة ضمنها خالص مودته وعرفانه لما طوقه به من إحسان . وهى الرسالة التى ألقيت منذ زهاء سنة على ضريح ذلك المعلم الذى تقدمت به السن ، وظل مقيما بالجزائر بعد نيلها الاستقلال .
وبدت ملامح النبوغ على كامو خلال تردده على الليسى فلفت اليه أنظار مدرسه فى مادة الفلسفة جان قرينيه (Jean GRENIER) الذى أصبح فيما بعد أستاذا له وصديقا حميما . وكان لجان قرينيه الأثر الحاسم فى توجيه كامو . فهو الذى بعث فيه موهبة الكتابة ، وعمل على اذكاء جذوتها فيه ، كما كان المرشد له ، وهو لما يتخط طور المراهقة ، فى مضمار المطالعة والدرس ، مما يتاح له فى الغالب أثر لا تمحوه الأيام .
وأتيح لكامو فى تلك الفترة أن يطالع على الخصوص تآليف نتشه ( Nietschze ) ودستويفسكى ( Dostoiewsky) وكذلك كتب مالرو (Malraux) الذى كان يومئذ قد نشر له " فتنة الغرب " ( La Tentation de I' Occident ) و " الغزاة " ) Les Conquerants ) و " الجادة الملوكية " ) (La Voie Royale
وكانت سنة 1930 نهاية دراساته الثانوية ، ومنتهى المرحلة الاولى لحياته بالجزائر . ثم كانت الى ذلك موعد الذكرى المئوية لغزو الجزائر ، وهى التى أقام لها الاروبيون رائع الحفلات ، لكنها كانت بالخصوص السنة التى انتابت كامو خلالها الطعنات الاولى لداء السل المستعصى برؤه يومئذ . وأغلب الظن أن تلك الطارئة كان من أثرها إرساخ ملكة الكتابة لدى الفتى المولع الى ذلك التاريخ بارتياد الشواطئ والمغرى بلعب كرة القدم . وفى نفس تلك الفترة ، فترة السابعة عشرة من سنيه ، سنحت له ، بايعاز من جان قرينيه مطالعة رواية قصصية غمرها النسيان فى يومنا ، تصور حياة ولد فقد أباه . فلكانت فتحا جديدا بما كشفت له من حقائق . وقد وصف لنا انطباعاته عنها فيما بعد ، حيث يقول : " ان فترات صمتى العنيد وآلامى الغامرة القاهرة ، وما حف بى من عالم شاذ فى ملامحه ، الى ما اتسمت به أسرتى من شمم وأنفة فى خصاصتها وبؤسها ، وبالتالى ما كنت أعتبره سرا أحتفظ به - كل ذلك قد
أصبح من يومئذ يسوغ لى أن أقوله بلا حرج " ( تكريم لجيد ، نشر ( NRF , Hommage a Gide ) . NRF
وتولى رعاية الشاب فى مرضه عم له محترف للجزارة مولع بمطالعة الكتب محب للجدل والنقاش ، وكان فلتيرى الآراء منتحلا للنزعة الفوضوية .
وفى سنة 1932 انخرط كامو فى فصل الآداب العليا (Lettres Superieures) وهو الذي يدعوه الطلبة باسم " كانى " (Khagne) فى مصطلحهم . وقد أحدث انخراطه ثورة فى وسطه العائلى حيث لم تكن تلك البيئة الشعبية لتنظر بعين الرضا من ينصرف من أبنائها الى طويل الدراسات ذات المستوى الرفيع . ومما يؤثر بهذا الصدد أن أحد أقربائه توعد برصاص بندقيته من حاول الزج بالفتى " كامو " فى زمرة " المثقفين " . على أن محجته كانت واضحة : كان عليه أن يحرز على الاجازة ، ثم يساهم فى مناظرة التبريز لكى ينتصب لخطة التدريس .
وتعرف كامو الى الفنانين وحملة الاقلام ، وخاصة من بينهم ماكس بول فوشيه - Pol Fouchet) Max) ونشرت له أربع مقالات فى مجلة " الجنوب " (Sud) بمرسيليا .
حتى اذا كانت سنة 1933 انخرط بجامعة الجزائر لاعداد اجازة الفلسفة ، وكان ذلك فى نفس التاريخ الذى نشر فيه أستاذه جان قرينيه (Jean GRENIER) مجموعة خواطر بشأن الحياة تحت عنوان " الجزر" ( iles Les) وصادف أن كان آخر نص نشر لكامو قبيل وفاته هو مقدمة أعدها لطبعة ثانية لنفس الكتاب . وقد ورد فيها بقلمه :
" كنت زمن أتيح لى العثور على كتاب " الجزر " أروم الكتابة فيما اعتقد . وانما صممت عليها اثر مطالعت اياه " .
وفيما هو بصدد اعداد اجازته ، أى فيما بين سنتى 1933 و 1936 جدت أحداث هامة ، فمن غزو موسولينى (Mussolini) للحبشة ( اثيوبيا ) الى انتصار الجبهة الشعبية ( Front Populaire ) بفرنسا ، الى اندلاع الحرب الأهلية باسبانيا . وكان الجو يدعو بطبيعته الى اتخاذ موقف سياسي ملتزم . وفعلا فكر كامو فى الالتحاق بحركة مناهضة للفاشية كان قد تم بعثها يومئذ على يد هانرى بربوس ( Henri BARBUSSE ) ورومان رولان ( Romain ROLL AND ) حتى إذا كانت سنة 1934 انخرط فى الحزب .
الشيوعى الذي عهد اليه بالدعاية له فى الاوساط الاسلامية . ثم التزم التزاما آخر بابرامه لعقد زواج ، لكنه لم يتجاوز مدى سنة واحدة وما لبث أن انحل. . أما انخراطه فى الحزب الشيوعى فلم يتماد أكثر من سنة فيما يرويه بعضهم ، أى الى رحلة بيار لافال (LAVAL Pierre ) الى الاتحاد السيوفييتى حيث استجاب ستالين (STALINE) لرغبته ، فأصدر أوامره بالتخفيف من وطأة الدعاية الشيوعية بالمستعمرات الفرنسية . ويذهب فريق آخر الى أنه لم ينقطع عن الحزب الشيوعي الا فى سنة 1937 إثر نشوب خلافات بين الحزب الشعبى الجزائري ( P.P.A ) والحزب الشيوعى وكيفما كان الامر فقد كان كامو فى تلك الفترة أحد المثقفين اليساريين المتطرفين ، فقد امهر بامضائه عريضة لفائدة انجاز مشروع بلوم (BLUM) وفيوليت (VIOLETTE) باعتباره " الحد الأدنى " من المطالب العادلة المتعين ارضاؤها لفائدة الجزائريين ، هذا على حين كان من بين الشعارات المتداولة لدى المستعمرين قولهم : " لن يسم أبدا لعربى أن يكون رئيس دائرة بلدية " . وهى الكلمة التى أصبحت تتجاوب معها أو بالأحرى تعارضها على شكل مستظرف اصداء انتخاباتنا البلدية التى ثم اجراؤها فى الخامس من هذا الشهر ) فيفرى I967 بعد انقضاء 30 سنة على ذلك العهد .
كانت سنوات كامو الدراسية مليئة بالنشاط . كان يعد عدته لقضاء امتحاناته ، لكن كان عليه أيضا أن يشتغل ويكدح من أجل ما كان يعانيه من عوز وخصاصة ، وكانت القروض الشرفية غير وافية بحاجياته . فهو يعمل كمناضل ، ويقبل على التحرير . وكذلك يشرع سنة 1935 ، وهو فى الثانية والعشرين من سنيه ، فى تأليف " القفا والوجه " ( Envers et I' Endroit '(L وهو يعنى بشؤون " دار الثقافة " التى فتحت أبوابها بعاصمة الجزائر ، ويؤسس مع بعض اصدقائه " مسرح الشغل " ، ومن أجله يحرر باشتراك مع بعض الرفاق أول مسرحية له وهى " ثورة أستوريا " تمجيدا للمضربين الاسبانيين ، ولكنها تحجر بموجب قرار . ثم هو الى ذلك ينهمك طبعا فى المطالعة ، منصرفا خاصة الى مؤلفات ابيقطيطيس (Epictece) وبسكال (Pascal) وكيركغارد ( Kierkegaard ) ومالرو ( Malraux ) وجيد ( Gide ) . وكان لهذا الاخير الأثر البالغ فى صقل أسلوبه الانشائى . ثم هو الى ذلك يرسم كممثل فى جوقة محطة الجزائر للاذاعة .
وبوسعنا القول ان احتراف الادب كمهنة من قبل كامو قد تقرر نهائيا سنة 1937 ، ولربما كان أوفر إقبالا على التأليف المسرحى منه على الرواية أو الدراسة المذهبية . وانما اتضحت خطته تلك اثر الفحص الطبى القانونى
الذى اجرى عليه قبل مناظرة التبريز ( Agregation ) ، مما اضطره الى العدول عن اقتحامها . و كان قبل ذلك أحرز على شهادة فى الدراسات العليا تناولت موضوع اتصالات المسيحية بالثقافة اليونانية كما تتجلى من خلال كتب القديس أوغسطينوس ( Saint - Augustin ) وأفلطين ( Plotin ) .
وكانت نفسه مع ذلك تحدثه من يومئذ بادراك شأو بعيد . فهو يرفض خطة تدريس بمعهد سيدى بلعباس الثانوى خشية الوقوع على حد تعبيره فى "حماة الروتين والرسوب فى أوحال المهنة " فيعتزم تحرير دراسة عن مالرو ، ويقوم بجولة عبر إيطاليا . حتى اذا آب من رحلته انضم الى هيأة تحرير " الجزائر الجمهورية " ( Alger - Republicain ) ، وكانت هذه صحيفة تم بعثها حديثا عن طريق اكتتاب من طرف فرنسيى أحزاب اليسار وثلة من ابناء الجزائر ، وكانوا قد ضاقوا ذرعا بأكاذيب صحيفتى " ايكو دالجى" ( Echo d' Alger ) و " الدبيش الجيريان " Depeche Algerienne) ) فتاقت أنفسهم الى تصفح جريدة تنبئهم عن الحقيقة دون مؤاربة فى كل صباح . . . وعرف كامو بفصوله بها ، وتحقيقاته البارعة فى أسلوبها والمتسمة باعتدال لهجتها ، مما كان يمنحها المزيد من الحظوة لدى القراء . وكان كاتبها بشهر بالمناكر ويفضحها ويتصدى للذود والنضال عن الأبرياء من ضحايا بعض الممثلين المحليين للسلطة الفرنسية . كما أتيح له قبيل نشوب الحرب العالمية فى سنة 1939 أن يحرر تحقيقا عن ظاهرة البؤس والخصاصة ببلاد القبائل ، وهو التحقيق الذى نقله بحذافيره فى " حاليات 3 " التى نشرت له بعد مضى عشرين سنة . وبديهى أن الانتقادات التى كان يوجهها كامو لسياسة الحاكم العام للجزائر لم تكن لتتعرض مهما بلغ من عنفها لمبدا سيادة فرنسا . ذلك أن صحيفة " الجزائر الجمهورية " ) Alger - Republicain ) كانت يومئذ تناضل من أجل تحقيق سياسة الادماج التى كان يرفضها المستعمرون ، وان لم تكن ملبية رغائب السواد الاعظم من المسلمين . وقد كتبت هذه الصحيفة فى أكتوبر 1938 تقول :
" لا يجوز أن يكون هنالك صنفان من الفرنسيين ، بل صف واحد يشمل الباريسى وليد التربة الباريسية ، والمرسيلي سليل مرسيليا ، والعربى أصيل الجزائر . ومن أجل هذا نطالب بالمساواة الاجتماعية بين جميع الفرنسيين ، كيفما كان منشؤهم او معتقدهم او فلسفتهم ) وليس ثمة أية اشارة الى مساواة ما فى الحقل السياسى .
وكذلك ينضم كامو بفضل ما نشر له من فصول وتحقيقات الى صف تلك
الاقلية من الفرنسيين التى حدث بها شجاعتها او نزاهتها ابتداء من سنة 1830 ، وفى أزمنة شتى ، إلى الاصداع بكلمة الحق ، فكانت المشهرة بأعمال التقتيل والنهب التى اتسم بها غزو الجزائر من طرف فرنسا ، و كانت المناضلة عن " الاهالى " ( Indigenes ) تجاه تصرفات الدواوين العسكرية الغاشمة والاغتصابات الشاسعة الترابية لفائدة المعمرين ، هذا الى ضروب الاهانات والمظالم المسلطة على أبناء الجزائر فى عديد من الظروف .
وكانت طائفة من حملة الاقلام قد نددت ببعض مظاهر النظام الاستعمارى ، ومن بين هؤلاء أندرية جيد ( Andre GIDE ) فى " رحلته " الى الكونغو ، وأندريه مالرو فى أحد أعداد مجلة " كرابويو " (Crapouillot) لسنة 1935 حيث نشرت صورا لوطنيين من أبناء الهند الصينية قطعت رؤوسهم من طرف الجنود الفرنسيين . حتى مونتير لان (Montherlant) نفسه المعتدل فى لهجته نجده يقول فى نفس السنة بكتابه " خدمة من غير جدوى " (Service inutile)
" فى افريقيا الشمالية شاهدت العنف يمارسه القوى الأروبى على كاهل الضعيف الأهلى : مما جعلنى فيما أعتقد أسأم العنف طيلة الحياة ، وابتدأت احب المغلوبين على أمرهم " .
وبهذا الصدد أيضا نشر جان قيهينو (jean Gueheno)على عهد الجبهة الشعبية تحقيقا عن الجزائر بهذا العنوان البليغ وهو " البؤس فى رائعة النهار " هذا الى كتاب غير هؤلاء عالجوا نفس الموضوع .
نحن ازاء تيار فكرى برمته منبثق فى معظمه عن نزعة انسانية لا اكثر ولا اقل ، وعن فكرة الشذوذ واللا اتباعية أحيانا ، وفى النادر عما نسميه اليوم "مناهضة الاستعمار ". ولعمرى انها لحركة حرية بأن تدرس من طرفنا ، وذلك على الأقل تأدية لواجب العرفان إزاء من اتسموا بالنزاهة والفعالية من بين ممثليها الذين كان لهم خلف نسجوا على منوالهم ، وليس من شأننا أن ننسى ما أسدوه خاصة سنة 1945 عند مجازر ولاية قسنطينة ، أو بعد 1954 طيلة فترة كفاحنا التحريرى القومى .
أما بخصوص كامو وبالنظر الى فصوله بصحيفة " الجزائر الجمهورية " فسوف نرى انه لئن ناضل عن مفهوم للعدالة الاجتماعية فى دائرة نظام سياسي لا يضع محل النقاش وضع الاروبيين الموطنين بالجزائر فهو سيكون أشد احترازا بكثير سنة 1945 إزاء المطالب السياسية الرامية الى اقامة جمهورية
جزائرية . حتى إذا كانت سنة 1954 أصبح المناهض كل المناهضة لفكرة استقلال الجزائر .
ينبغى ان أردنا مزيد الالمام بشخصية كامو أن نعود أدراجنا الى فترة ما بين سنتى 1935 و 1940 لتتحدث عن نشاط كامو الذي سبق لنا أن أشرنا اليه . ذلك أنها فترة هامة أتيح له خلالها تحقيق عدد من تجاربه موفرا له رصيدا فكريا وفق فيما بعد الى استغلاله وانمائه فى الآثار التى ابرزها ( على أن الامر ربما استدعى افاضة القول للتدليل على أن آثار كامو الأدبية وان أعوزها التماسك الذاتى الا أنها لا تخلو فيما بينها من اتصال تشكل تساؤلات الكاتب بشأن الحياة ومغزاها أحد خطوطه الرئيسية ) .
لقد قلنا إن كامو شرع سنة 1935 فى إعداد كتابه " القفا والوجه " ، وهو وهو الذى يقول عنه بعد مضى عشرين سنة :
" أما أنا فأعلم أن المنهل الذى كرعت منه هو " القفا والوجه " . أما بشأن الحياة نفسها ، فلست أعلم عنها اكثر مما قلته فى " القنا والوجه " بأسلوب متضح العى " .
وان هذا التأليف الصغير الحجم ليثير انتباهنا بما يكشفه لأعيننا من ثنائية جبلية فى الرجل ، بما حواه فى قرارة نفسه من تأرجح بين الرفض والقبول ، وبين الشغف والخلو منه ، وبين ما يمليه العقل من جانب وما يهواه القلب من طرف آخر . ومعلوم أن " بين نعم ولا " هو عنوان احدى القصص الست المتكون الكتيب من مجموعها . وقد ذهب مونتير لان الى ان ذلك التناوب بين النقيضين يشكل ظاهرة عريقة فى الجنس الاسبانى ، فلربما يكون كامو قد ورثها عن امه . على أنه نفسه قد كتب يقول : ان اسبانيا لهى وطني الثاني باعتبار الدم الجارى فى عروقى .
وفى السنة التالية ، أى سنة 1936 ، نشر له كراس بعنوان " أعراس " ( Noces ) . ولربما أفادت هذه التسمية مفهوم اقتران الانسان بالأرض ، مما لا يخلو من شبه بكتاب " الأغذية الأرضية " ( Nourritures Terrestres ) لمؤلفه جيد (Gide) وهو عباره عن شبه أنشودة تغنى فيها بالمتع الحسية فى ضرب من الطمأنينة الساذجة . وهو الى ذلك تمجيد واطراء لمواطنيه الاروبيين ( ولا غرو فالعرب لا أثر لهم فى كتبه ، وانما يتحدث عنهم فى الصحف ) . وهو القائل انه على وعى ومزيد فخر بانتمائه الى " سلالة وليدة للشمس والبحر ،
سلالة حية شهية المذاق ، قد اشتقت عظمتها من سذاجتها ، وانتصبت على الشواطئ بسامة متهللة تلبية لبسمات أجوائها الرائعة " .
هذا هو الوجه ان صح التعبير . لكن هناك القفا ، لأن كامو المثقف لا يلبث ان ترتفع الغشاوة عن عينيه فيتضح له أنه وحيد فى خصائصه وسماته بين الأوروبيين ، كانما هو مستثنى منهم . فهو يكتب بعد بضع صفحات :
" اننى لموقن أن مثل هذه الأمة لا يسيغها كل الناس . فليس هنا من موطن للفطنة . انها سلالة لا تبالى بالفكر ، بل ينصرف تقديسها واعجابها الى الجثمان . . . وكثيرا مانعوا عليها " ذهنيتها " أعنى منحاها الخاص فى النظر وفى العيش . ولا غرو فبعض النشاط الحيوى البالغ لا يخلو من عسف . وبعد فهذه امة لا ماضى لها ولا تقاليد ترجع اليها ، لكنها لا تخلو من روعة شعرية . . "
ويتتابع التأرجح على هذا المنوال . فبعد " نعم " و " لا " يعود بالكاتب مطافه الى " نعم " ، فيعمد الى ابراز عطفه ازاء مواطنيه . انه لم يعزب عنه ولا شك أنهم متسمون بالظلم وقصر النظر ، وهو يقر بأنهم شحنوا " عنفا " بيد أنهم يبدون لنظره بصورة شعب " وليد هذه الديار " . وإن هذا العطف المستلهم لديه من شعور غامض فى نفسه بوشك انتهاء ذلك الوضع وعدم استقراره على حال . فهو يكتب فى " أعراس " بشأن الاروبيين :
" قد يكون ميسم الشباب وميزته ما وهبه من مبادرة الى انتهاب اللذات دون حاجز دونها . . . وكذلك ندرك كيف ولد ( أى العنصر الاروبى) فى كنف هذا البلد الذي ما وهب فيه أى شئ حتى استرد فيما بعد . ففى أحضان هذا الخصب والثراء وبين هذه النعم المبذولة بلا حصر (وكان باستطاعة كامو أن يذكر هنا ، فى معرض مقابلة الشئ بنقيضه ، بما كان يتخبط فيه الجزائريون من فادح البؤس ) نجد الحياة منساقة بطبعها الى منعرج الأهواء العارمة المفاجئة الملحة فى طلباتها والطافحة بلذاتها . كلا ما أعدت قط هذه الحياة للبناء والتشييد ، إنما للاحتراق . وليس هنا ما يدعو الى النظر والتبصر ، ولا ما يهيب بالمرء ان يصبح افضل . . . "
ان هذه النزعة الغنائية لكامو في " الأعراس " ليست بالظاهرة المنعزلة الوحيدة من نوعها . ففى أحد أعداد " المائدة المستديرة " خصصوه لكامو اثر وفاته نجد هذه الكلمة لجان هورقون (jean Heurgon) صديق كامو وأستاذه القديم متحدثا فيها عن الحلقة الأدبية الصغيرة التى كان الفقيد أحد المسيرين لنشاطها . يقول جان هورقون :
" ذلك أن ما قد تكهن به ج . أوديزيو ( Audisio G.) منذ سنة 1935 فى " شباب المتوسط " ( Jeunesse de la Mediterranee ) أعني تلك الوثبة الخلاقة المجددة فى جميع ميادين الفن كانت تهزه هو ورفاقه وتلهمه أن يصدع على رؤوس الملا بأقاويل نسوق من بينها كأنموذج هذه الكلمة بقلم كامو نفسه: "ليس بالخفى عن أى كان ان حركة للشباب والعاطفة المشبوبة قد انبعثت على سواحلنا . ففيما بين فلورنسة وبرشلونة ، وما بين مرسيليا والجزائر قد هبت أمة باسرها ، مائجة متآخية ، تملى علينا أسس سلوكنا فى الحياة " .
وقد أثبتت هذه الكلمة بعينها فى نشرية " دار الثقافة " بعاصمة الجزائر التى كان كامو المشرف على نشاطاتها ، وكانت النشرية تصدر بعنوان " المتوسط الشاب " ( Jeune Mediterranee ) . ولا شك أنها لم تكن تلك أول محاولة لبعث حركة ادبية يقوم بها كتاب فرنسيون من مستوطنى الجزائر . بيد أن اللهجة كانت هذه المرة متسمة بطابع الطرافة ، وكان الاتجاه مغايرا لما سبق . فلقد عرفنا مثلا الى ذلك العهد ما قام به لويس برتران ( Louis BERTRAND ) ومجلة " افريقيا اللاطينية" ( L' Afrique Latine ) حيث اتجهت مساعيها نحو مواصلة السير فى القرن العشرين على آثار الرومانيين فى أوائل المسيحية . وظل لويس برتران المنتمى الى المجمع العلمي الفرنسى ينافح بقلمه عن أسطورة " افريقيا اللاطينية " بمزيد من حماس كان أحرى أن يصرفه فى قضية أعدل وأقرب الى الرشد . فهو الذى كتب مثلا يقول : " إن افريقيا الشمالية قد انعدمت فيها وحدة الجنس البشرى ، فهى مجرد معبر وموطن نزوح على مدى الدهر . وقد أهلها موقعها الجغرافى للتأثر بمفعول الغرب اللاطينى " .
وكان لويس برتران قد شرع يكتب فى مستهل هذا القرن فى نفس الفترة التى انتخبت أثناءها الجالية الفرنسية بالجزائر العاصمة درومون (Drumont) نائبا عنها بمجلس الأمة الفرنسى . ودرومون هذا هو مؤلف كتاب " فرنسا اليهودية " (La France Juive) كما انتخبت رئيسا للبلدية ماكس ريجيس (Max Regis) ، وهو الذى لم يكن له من برنامج لحملته الانتخابية سوى هذه الكلمة "ليهلك اليهود عن اخرهم " ومعلوم أن النازيين لم يبرزوا الى الوجود الا بعد ثلاثين سنة .
وبوسعنا أن نسرد عددا من هذه الطائفة ، نخص بالذكر من بينهم روبير راندو ( Robert Rondeau ) فقد كتب رواية تحت عنوان " المعمرون " يؤكد لنا فيها جادا غير هازل أن " قاطنى هذه الديار الشديدى المراس والمنهمكين فى
اللذات كانوا يتصورون الحياة على غير ما يتصورها الشماليون من ذوى البشرة الوردية اللون " (يعنى الفرنسيين من سكان فرنسا) . وكل رواياته عبارة فى نفس الآن عن تصوير للبيئة الاروبية من جانب ، وعن تدعيم واطراء للمذاهب القائلة بتفوق المستعمرين من جانب آخر . وتلك هى لعمرى شنشنة الاروبى المستعمر للأقاليم الجنوبية (Sudistes) على غرار ما حصل فى الولايات المتحدة ، حيث ثار أبناء الجنوب من الامريكان لمناهضة تحرير الزنوج العاملين فى ضيعاتهم )
أما بخصوص كامو وكل المنضمين الى جانب أوديزيو فالظاهر من أمرهم أنهم أعرضوا جانبا عن ذلك التيار العنصرى الجذاب (نقول العنصرى اذ لم تخلق بعد كلمة استعمارى) وعن أحلام المنتصرين لفكرة " افريقيا اللاطينية" أى المسيحية . فلم يول كامو وأتباعه وجوههم صوب روما المسيحية بل نجدهم منصرفين بأمانيهم صوب الاغريق وثقافتهم الخاضعة فى جوهرها ولبها الى قيم أصيلة تقدس الجمال وتدين بالتوازن والاعتدال . وقد أصبح البون شاسعا بينهم وبين مواطنيهم أبناء فرنسا باعتبار حساسيتهم المفرطة لا بالنظر الى شحط الدار ، كما شعروا الى ذلك بتباين بينهم وبين مواطنيهم من أبناء الجالية الفرنسية نفسها . أما العرب فهم أغراب عنهم . ولربما حاولوا بموقفهم هذا تخط الانقسامات السياسية ، مما قد يجشمهم عسير الاختيارات ، فطفقوا يشيدون بحضارة متوسطية وليدة لهذا البحر بعينه . وبالتالى فان شارلو (charlot) صاحب دار النشر التى كان مستقرها بزقاق شراس ( charras ) كما كان يسمى آنئذ والتى كانت ملتقى تلك الطائفة القليلة من المثقفين والفنانين - ان شارلو هذا ما لبث أن اضفى عنوان " ضفاف " على المجلة التى تولى نشرها ، وهذا أ . روبلس (E.Robles) الذى كان منتظما فى سلكهم نجده اليوم مشرف لدى " منشورات العتبة " (Edition du Seuil) على سلسلة تدعى : " المتوسط" ( Mediterranee ) . وفى مجلة " ضفاف " المشار اليها خط كامو هذه الكلمة الواضحة فى دلالتها على تعلق همته أولا بأن يكون فنانا . فهو يقول :
" الجمال والشعر هما الحقيقتان دون أى شئ فى حياة الانسان " . وكان كامو قد كتب فى " الأعراس " بشان الأروبيين فى إقبالهم على السباحة كمتعة يرتادونها ، كما يفيده التعبير المتعارف لديهم "se taper un bain"
" ان مباريات الشباب على شواطئ المتوسط مضاهية فى روعتها الساحرة حركات لاعبى القوى بديلوس (Delos ) " . وهو يكتب أيضا فى " الأعراس " ( ص 65 ) :
" إن أملا جنونيا ليساورنى بأن هؤلاء الأعلاج المتهادين فوق الشواطئ هم ربما عن غير وعى بصدد تشكيل ملامح واضحة لثقافة سوف تحظى فيها العظمة الانسانية بمعيارها اللائق بها " .
ويلاحظ عمانويل مونيه ( Emmanuel Mounier ) فى أسلوب بارع بمجلة " فكر " ( 1956 ) : أن انتصار الالاه الوثنى ديونيزوس ( Dionysos) يتجلى دوما شبحه من وراء مصرع . . . . "
ومهما كان من أمر فمن البديهى أن الشمس والبحر غير كافيين وحدهما لتشكيل وطن بالمعنى المتعارف لدينا . لذلك انصرفت همة أولئك المثقفين اليساريين الى الذود عن بعض القيم المستلهمة من تراث يونان وخاصة الى تأكيد رغبة عارمة ملحة فى تحقيق سعادة أرضية صرف " هنا وفى اللحظة الراهنة " ( ici et maintenant ) . وفى موضوع الشمس والبحر ما يرمز الى هذه القيم الارضية ، ونحن نعلم مدى تفشى هذا الموضوع بعينه فى سائر ما خطه كامو . وهو عندما يكتب تحقيقه عن بلد القبائل نجده يعنون الفصل الاول منه تلقائيا : " يونان فى الأسمال " ( La Grece en haillons ) .
وهكذا ففى نفس الوقت الذى تنمو فيه لدى مسلمى المغرب حركات متسمة بطابع " الشباب الجزائرى " أو " الشباب التونسى " نجد هذه الطائفة من الأوروبيين المناهضين للفاشية يتفانون فى بعث شبه حركة " شباب متوسطى " ( Jeune Mediterranee ) حيث لا شعور لديهم بشخصية جزائرية حقة ولا حتى بانتماء خالص الى الفرنسيين .
ويذهب أ . روببليس الى أن مورصو ( Meursault ) وهو اسم الشخصية الرئيسية لرواية " الغريب " شديد الشبه باسم جان ميرصو وهو الذى انتحله لنفسه كامو بصفته صحافيا . ومعلوم ( Jean Mersult ) أن ميرسو (Mersault) عباره عن تركيب مزجى لكلمتي بحر ( mer ) وشمس (soleil) .
وقد كان كامو يتخذ له هذا الاسم المستعار سنة I939 في صحيفة " المساء الجمهورى " ( Soir Republicain ) التى خلفت " الجزائر الجمهورية " ( Alger - Republicain ) وكانت هذه الاخيرة قد احتجبت تحت ضغط الرقابة المنتصبة اثر اعلان الحرب فى سبتمبر I939 . لكن سرعان ما تحتجب هذه الصحيفة الثانية بدورها . فما كان من كامو وهو الذى لم يقبل فى الجيش بسبب مرضه الا أن اعتزم مغادرة الجزائر العاصمة فرارا من القمع الذى كان يهدده .
وفعلا بارحها فى مارس 1940 وينخرط عندئذ فى صحيفة " باريس المساء " (Paris -Soir) حيث يمتعظ على حد تعبيره لما شعر به من " قلب باريس برمته وذهنية الفتيات التافهات المبتذلات " . والواقع أن هذه الجريدة قد كانت تضفى عليها " البطة المغلولة " (Le Canard Enchaine ) لقب " بؤرة العفن " ( Pourrissoir ) فى معرض التنكيت والجناس .
وفى شهر ماية 1940 أتم كامو تحرير رواية " الغريب " التى أجل نشرها الى سنة 1942 بايعاز من مالرو ، والتى كتب لها نجاح صاعق على حين أن كامو كان عند مبارحته مسقط رأسه الجزائر شبه النكرة فى عالم الأدب حيث لم يطبع له من تأليفية " القنا والوجه " و " أعراس " سوى بعض مئات من النسخ . بيد أنه كان يحمل يومئذ فى حقائبه نسخا غير جاهزة تماما لرواية " الغريب " التى ظهرت سنة 1942 ( كما أسلفنا ) و ل " أسطورة سيزيف" ( Le Mythe de Sisyphe ) التى نشرت سنة 1943 ، ولمسرحية " كاليغولا" (Caligula) التى مثلت سنة . I944
ولما اكتسح الجيش الألمانى تراب فرنسا لجأ كامو الى مدينة ليون لكنه ما لبث أن عاد الى وهران حيث كانت تقيم زوجه ، وهنالك انخرط فى سلك التعليم . وينهى عندئذ كتابه عن " أسطورة سيزيف " ويعد رواية " الطاعون" La peste، وهو لا يخفى ما أفاده فى تحريره هذه الاخيرة عن رواية " موبى ديك " الشهير لميلفيل ( Moby Dick " ( Melville " التى يقول عنها " انها من أشد ما أبدعه الخيال اثارة فى قضية صراع الانسان ضد الشر ، بما هنالك من جدلية قاهرة تجعل المرء ينتصب خصما ألد لخلق الكون ولخالقه أصالة ، ثم يتمادى ثائرا على أمثاله الاوادم وعلى نفسه ايضا " .
ومرة أخرى يكون للمرض مفعوله فى حياة كامو اذ يمنحها وجهة غير وجهتها الاولى . قيل انه أصابه برد بينما كان يشاطر تلاميذه اللعب بكرة القدم . فاضطر الى العودة الى فرنسا بغية التداوى . وكان من أثر نزول الحلفاء بافريقيا الشمالية فى نوفمبر 1942 أن حال بينه وبين أسرته التى بقيت بوهران وحتى بينه وبين الجزائر نفسها من وجه ما ، حيث لم يتح له فيما بعد أن يزورها الا فى النادر . وفى أثناء هذه الفترة كتب أحلك مسرحياته وهى " سوء التفاهم " Le Malentendu التى كتب لها أن تمثل فى باريس المحتلة بمساهمة الممثلة ماريا كازاريس (Maria casares) وتلتقط ضمن حوارها هذه الكلمة المأثورة : " اياك والحكم على شئ ما ، إنك لم تحط بكل شئ علما " . وضرب كامو يومئذ بسهمه فى حركة المقاومة ، ولا امتراء أن ذلك كان من طرفه بجمع المعلومات والمساهمة فى تحرير النشريات السرية . وما لبث أن أوفدته
حركة " كمبا " ( Combat ) الى باريس نائبا عنها . وعندئذ ينخرط فى دار النشر المشرف عليها قاليمار ) Gallimard) بصفة أحد أعضاء هيأة المطالعة بها ، فلا يبرح هذه الخطة الى يوم يوافيه أجله المحتوم .
وبمجرد تحرير باريس عين كاموا رئيسا لقلم التحرير بجريدة " كمبا " ( Combat ) . وبرزت الصحيفة بهذا العنوان الضخم : " من المقاومة الى الثورة " . ثم مرت الايام وأضحت تلك النار رمادا كما يعلمه الجميع .
وطفق كامو يصور لنا بأسلوب خلاب ما نشب من معارك لتحرير باريس . فليت شعرى هل خطر على باله يومئذ أن فصوله الرئيسية كان يقرؤها ويعجب بها فى الجزائر أيضا ثلة من الاحداث بفصول الثانويات ، ممن أصبحوا بعد اثنتى عشرة سنة أولئك الطلبة الذين سوف ينحي عليهم كامو باللائمة مؤاخذا اياهم عن استعمال جبهة التحرير القومى لاساليب العنف ؟ على أنه قد كان بمقدورهم أن يقرؤوا بصحيفة " كمبا " خلال صائفة سنة 1944 أقوالا مثل هذه:
" ان باريس تطلق نيرانها بكل ما لديها من رصاص فى ليل اغسطس . ففى كنف هذا المشهد الهائل من الحجارة والماء ، ومن حول هذا النهر المثقلة أمواجه تاريخا ، قد شوهدت من جديد متاريس الحرية منتصبة ، ومن جديد ينبغى أن تشترى العدالة بدماء البشر " .
وقوله الاخير هذا " ينبغى أن تشترى العدالة بدماء البشر " مناف فى الواقع على طول الخط لما كتبه بعدئذ ب " حاليات 3 " . والحق أن الأمر كان يخص أولا تحرير باريس ، لا تحرير الجزائر .
وهو يكتب غداة ذلك التاريخ ، أى يوم 25 أغسطس بنفس الاسلوب الشعرى الملتهب عاطفة :
" فى أجمل ليالى اغسطس وأحرها ، تلوح سماء باريس كما هى بنجومها الخالدة على الدهر ، وقد غشيها الرصاص المشع بخطوطه ، وتصاعد بها دخان الحرائق ، وأطبقتها الشماريخ الملونة تعبيرا عن فرحة الشعب . . . أجل إنها ليلة الحقيقة الوحيدة الحرية بأن يقام لها وزن ، حقيقة الكفاح والظفر " .
وفى ماية 1945 ، بينما كان الحلفاء يحتفلون بالنصر ، بعد استسلام جيوش هتلر ، كان الجزائريون يبكون الآلاف من الضحايا التى اغتالها الجيش الفرنسى لا لشئ سوى أن الجزائريين أرادوا التظاهر من أجل تحرير وطنهم .
ويرتحل كامو الى الجزائر بغية القيام بتحقيق ، ويدوم هذا التحقيق ثلاثة
أسابيع . وقد تضمنت " حاليات 3 " جانبا من الفصول التى نشرت أولا بهذه المناسبة فى صحيفة " كمبا " تحت عنوان " أزمة بالجزائر " . ويتجلى لنا من البدء ابتعاد الكاتب عن اتخاذ المواقف الواضحة الجذرية ، كما كان شأنه فى ملابسات أخرى طبعا ، زمن انخراطه فى هيئة " الجزائر الجمهورية " . ففيما بين سنتى 1939 و 1945 ثارت الحرب العالمية الثانية التى زعزعت أوروبا وأيقظت عددا من الشعوب الرازحة تحت نير الاستعمار . ويمعن كامو فى البحث عن حل وسط ، كما لو كانت الحقيقة ضرورة فى الوسط فيكتب لنا ( ص 93 ) :
" علينا ازاء ما تضطرب به افريقيا الشمالية فى يومنا من الاحداث أن نتحاشى موقفين متطرفين ، أولهما أن نحشر فى عدد المآسى ما لا يعدو أن يكون مدعاة الى القلق ، وثانيهما أن نتعامى عن جهم المصاعب التى تجتازها الجزائر اليوم " .
وهو يقدم لنا فى لهجة لا تخلو من عطف برنامج " أحباء البيان " ( Les Amis du Manifeste ) مع ابداء أسفه فى غير ما لبس لما كان من اضاعة الفرص السانحة لانجاز سياسة الادماج . على أنه معترف الى ذلك بأن هذه السياسة الادماجية ما فتئت تلاقى شديد المناهضة من طرف المعمرين ، وأن " الرأى العربى " ( كما يسميه ) هو فى معظمه إما عديم الرغبة فى تطبيقها وإما معارض لها . ويختتم كامو تحقيقه بقوله متوجها الى مواطنيه : " علينا أن نقتنع حق الاقتناع بأننا لن نحقق سلامة أى شئ لفرنسا بافريقيا الشمالية دون أن نحقق للعدالة سلامتها " .
وفى سنة 1947 ينتثر عقد جماعة " كمبا " ( ان روح المقاومة وأخوة المعارك لا يضمن لهما البقاء دوما ) وعندئذ يتخلى كامو عن تسيير الصحيفة لكلود بورديه ) Claude Bourdet) . ويقول بعضهم بهذا الصدد ان مبارحته لجريدة " كمبا " كان معناه اعتزالا من طرفه فى نفس الوقت للنضال السياسى . (يتبع)

