الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الفكر"

أول اشتراكى فى الاسلام يثور على كنز المال

Share

كنز المال وحبسه فى الصناديق وتجميده فكرة عتيقة عقيمة أكثر ما يلجأ اليها البخلاء الذين يعيشون فى زعمهم لانفسهم ولا يقرؤون حسابا لغيرهم ظنا منهم أن الفردية تسعد بدون سعادة المجتمع وانها على شذوذها المطمح الوحيد للانسان وفاتهم ان حبس المال وتجميده أول ما يلقح بشظاياه الفرد الذى يعيش بالرغم عما لديه من ) كنز ( عيش المستضام المعذب فى الاوساط التى تئن تحت وقر الفاقة وترزح تحت وقر الخصاصة فتكون الحياة الاجتماعية جحيما لا يطاق وكيف يلذ العيش بين مناظر تتفتت لها الاكباد وتذون لها المهج فيجيء الاضطراب ويسود الشقاء ويتكدر العيش وليست هذه العلة الاجتماعية الخطيرة وليدة الحضارة الحديثة فقد فكر الناس فيها منذ ألوف السنين وجاءت الشرائع لتخفيف ويلاتها وزحزحة وطأتها وما ازدهرت الحضارات وزحزحت المدنيات الا بالتعاون والتعاضد واستعمال الاموال فى صالح المجتمع لتزول العقبات وتنسجم الحياة ويذهب خطر الطبقية من الوجود الانسانى

ولعل اول ثورة اشتراكية فى الاسلام لتحقيق هذه الاهداف الاجتماعية السامية هى التى نادى بها الصحابى الجليل الحر ، الصادق اللهجة أبو ذر الغفارى صاحب المواقف المشرقة فى الاسلام والعزيمة الوقادة الفذة والشخصية القوية التى لا تنثنى مهما عظمت الكروب واشتدت الخطوب . كيف لا وهو الصحابى الذى قال له الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم اثر اسلامه : اكتم هذا الامر وارجع الى قومك فاخبرهم فاذا بلغك ظهورنا فاقبل : فقال أبو ذر ) 1 ( والذى نفسى بيده لاصرخن بها بين ظهرانيهم حسبما ثبت ذلك فى الصحيح وأصر على ذلك متعرضا لاشد العنف وصارم العقاب وعظيم الصدام . وما زال ذلك دأبه الى أن استفحلت الثروات وبعدت بين الاغنياء والفقراء المسافات وتضخم عدد الذين يكنزون الاموال فقام صارخا معلنا بأصول الاشتراكية التى توصل الى أهدافها باجتهاده عن طريق فهم النصوص المقطوع بها يقول بين الناس وفى الطرقات والشوارع كل كلام من شأنه أن ينفر من كنز المال وحبسه ويرفع بذلك صوته ويتلو قوله تعالى : والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها فى سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم ) الآية ( والكنز أو كنز الاموال فى نظر أبى ذر ) كل مال مجموع يفضل عن القوت وسداد العيش فصاحبه مذموم بلسان الشريعة ( .

ومعلوم أن سبيل الله فى الآية الكريمة هو ) كل عمل ) 1 ( صالح ( والاعمال الصالحة تشمل المشاريع النافعة التى تغذى الشرايين فى الامة وتدفعها الى مصاف الامم المتقدمة وترفع من مستوى عيشها وتصيرها قوية والله يحب المؤمن القوى ، أما تفسير سبيل الله بكل عمل صالح فقد أثبته الحافظ محمد بن اسماعيل البخارى فى كتابه الادب المفرد الذي جاء فيه ما نصه : حدثنا عبد الله بن سعيد قال حدثنا أسامة حدثنا عبد الملك ابن حميد بن أبى غنية عن أبيه عن أبى العجلان المحاربى قال : كنت فى جيش ابن الزبير فتوفى ابن عم لى وأوصى بجمل له فى سبيل الله فقلت لابنه ادفع الى الجمل فانى فى جيش ابن الزبير فقال اذهب بنا الى ابن عمر حتى نسأله فأتينا ابن عمر فقال يا أبا . عبد الرحمان ان والدى توفى وأوصى بجمل له فى سبيل الله وهذا ابن عمى وهو فى جيش ابن الزبير أفأدفع اليه الجمل ؟ قال ابن عمر يا بنى ان سبيل الله كل عمل صالح : فان كان والدك انما أوصى بجمله فى سبيل الله عز وجل فاذا رأيت قوما مسلمين يغزون قوما من المشركين فادفع اليهم الجمل فان هذا وأصحابه فى سبيل علمان قوم أيهم يضع الطابع هـ . الا ترون ان ابن عمر وهو من هو في الاسلام اجتهادا وحرية رأى وضلاعة فسر سبيل الله ) بكل عمل صالح ( وانفاق الاموال فى الصالح هو روح اشتراكية الاسلام بلا نزاع

كانت هاته الاشتراكية التى نادى بها أبو ذر مثار شكوى ومصدر تظلم من الذين يصرون على كنز الاموال فرفعوا امر أبى ذر الى معاوية ابن أبى سفيان بالشام وهذا أحال الشكوى على الخليفة الثالث سيدنا عثمان بن عفان الذي حظر على الناس أن يجالسوا أبا ذر أو يكلموه وكتب الى معاوية أن يحمل أبا ذر على أغلظ مركب وأوعره فوجه به مع من سار به الليل والنهار وحمله على شارف ليس عليها الا قتب حتى قدم به المدينة وقد سقط لحم فخذيه من الجهد فلما قدم بعث اليه عثمان ان الحق بأى أرض شئت قال بمكة قال لا . قال بيت المقدس قال لا . قال بأحد المصرين قال لا . " ولكن مسيرك الى ) الربذة ( فسيره اليها فلم يزل بها الى أن مات على عقيدته وامتثاله لما حكم به عليه لانه قبل أن يكون اشتراكيا . كان متشبعا بحب النظام واقامة هيكل الحكم على أمتن الدعائم ولكن مهما حاول خصومه اقناعه بالعدول عن اشتراكيته سد أذنيه وكان من أكبر أنصار أبى ذر الامام على بن أبى طالب رضى الله عنه وهو الذى شيعه عند تنفيذ حكم النفى السياسى عليه وقال له فيما قال : لا يؤنسنك الا الحق ولا يوحشنك الا الباطل فلو قبلت دنياهم لاحبوك ولو قرضت منها لا منوك . اهـ

وهكذا ظلت هاته الاشتراكية التى نادى بها أبو ذر فى الاسلام من طريق الاجتهاد محل عناية ودراسة كبار علماء الاسلام الذين نظروا الى اشتراكية أبى

ذر نظرة اكبار واهتمام نظرا لمكانة الداعى اليها فى الاسلام وشهادة الرسول له باللهجة الصادقة وايمانه بما يدعو اليه وثباته عليه لآخر نفس من حياته متحملا كل أذى مستميتا فى الثبات على المبدأ وها نحن نستعرض اراء بعض العلماء : فنقول قال ابن عبد البر وهو من كبار علماء الاندلس ما يلى : وردت عن أبى ذر آثار كثيرة تدل على أنه كان يذهب الى ان كل مال مجموع يفضل عن القوت وسداد العيش فهو كنز يذم فاعله وان آية الوعيد نزلت في ذلك : ويعنى ابن عبد البر بآية الوعيد قوله سبحانه وتعالى : " والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها فى سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم يوم يحمي عليها فى نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم هذا ما كنزتم لانفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون " .

قال ابن عبد البر وخالف أبا ذر جمهور الصحابة ومن بعدهم لانهم حملوا الوعيد على ما نعى الزكاة . وأصح ما تمسكوا به حديث طلحة وغيره فى قصة الاعرابى حيث قال :

هل على غيرها ) يعنى الزكاة ( قال صلى الله عليه وسلم الا ان تطوع . والظاهر ان هذا كان فى اول الامر كما تقدم عن ابن عمر . وقد استدل ابن بطال له بقوله تعالى : ) ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو ( أى ما فضل عن الكفاية فكان ذلك واجبا فى أول الامر ثم نسخ والله اعلم . انتهى

وقال العماد الحافظ من كبار مفسرى القرآن العظيم الامام الجليل أبو الفداء اسماعيل بن كثير القرشى الدمشقى المتوفى سنة 774 هـ متحدثا عن اشتراكية أبى ذر شارحا لاهدافها ضابطا لاصولها والاطوار التى مرت بها بل والاصول التى استمدت منها فقال قلت كان من مذهب أبى ذر رضي الله عنه تحريم ادخار ما زاد على نفقة العيال وكان يفتي بذلك ويحثهم عليه ويأمرهم به ويغلظ فى خلافة فنهاه معاوية فلم ينته فخشى أن يضر بالناس فى هذا فكتب يشكوه الى امير المؤمنين عثمان وان يأخذه اليه فاستقدمة عثمان الى المدينة وأنزله بالربذة وحده وبها مات رضي الله عنه . الخ

اشترك في نشرتنا البريدية