الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الفكر"

أيها البحر ... ياصديقى

Share

٠ أيتها القرية العزيزة على ٠ هل انت حقا قريتى ؟ ٠ لولا صمود بابك ومناعة أسوارك . . ٠ لولا رباطك العظيم الزاخر بالذكريات ... لما عرفتك من جديد ... ٠ لكن كيف لا اعرفك ؟ .. ٠ وهذا بحرك يا قريتى العزيزة ... القاسية ماثل .. وهو الصديق أيام عز الصديق

٠ عرفتك يا قريتى .. ٠ عرفتك حين كانت أبوابك مغلقة . ٠ حين كانت انهجك ضيقة ... وأزقتك لا تسمح بالانطلاق ... ٠ عرفتك حين كانت توأد بناتك .. ٠ وأنت تنامين هادئة فى احضان هذا البحر الثائر . ٠ ايها البحر . . يا أخلص صديق . . هل تذكر أيامنا ؟ . ٠ هل تذكر أيام كنت آتيك فى الصباح الباكر قبل بزوغ الشمس ؟ ٠ واجلس على رملك او صخورك ؟  ٠واقضى الساعات الطوال بالقرب منك أسستمع الى حديثك من خلال   همسات موجك اللطيف .. أما كنت تسر بى حينذاك ؟ .

٠" لا تفشلى يا حبيبتى . . انك اخترت اعسر سبيل ، ولكنك اخترت .

٠ لا تتوقفى في منتصف الطريق . . ولا تعودى الى الوراء . . ٠ انك خلقت للكفاح ، وما لذة الحياة بدون كفاح ؟    نعم اننى شاعر بما تحسين .

٠ تحسين بالوحدة وان كنت فى مهد اجدادك وذويك ... ٠ تحسين بالغربة وان كانت جذورك منبثقة من هذه القرية نفسها ... تحسين بالخوف ؟ لا .. لا تخافى !

٠ انى هنا ... استمع الى زفرات قلبك السجين ... أنشد بكل شوق   وحنين ما توحى به الى تجارب الدهر ورؤية تلك القبور ..

٠ انك لا تأتين الا الى انا " بحر الجبانة " ، بحر النساء فى هذه القرية ٠ اتعرفين لم اختارونى حبيب النساء ؟ . ٠ لانه حكم عليهن العيش بالقبور .. أحياء وأمواتا ... ٠ الدار بالنسبة اليهن هى قبر الحياة . ٠ ومن قبر الحياة ينتقلن الى المقبرة ، مقبرتى . ٠ إننى اشعر بآلامك يا حبيبتى ... ٠ تتالمين لان حياتك او موتك على السواء . ٠ تعيشين فى عالم غريب ... ٠ تتألمين عندما تنصتين الى ما يقال لك صباح مساء : ٠ المرأة المثالية من عرفت الشارع مرتين فى حياتها ٠ مرة " بالحرام " ومرة باللثام .. ٠ الاولى من بيت ابيها الى بيت زوجها . ٠ والثانية من بيت زوجها الى القبر ليضمها اللحد . . ٠ أنا عالم بما يخامر نفسك والى اين تذهب بك مخيلتك . . ٠ ها انا اسمع صوتا من اعماق نفسك يقول لى : - أتذكر أيها البحر ؟ ساعة ولدت فى تلك الليلة الظلماء ... ليلة أطفؤوا    الشموع ما أن علموا بأن المولود فتاة وحجبونى عن العيون .

٠ واغلقت دونى الأبواب وانا ما زلت طفلة العب وأمرح .. ٠ ولم تكن لبيوتنا نوافذ تفتح على الطريق .. ٠ وبقيت هكذا السنين الطوال ... ٠ وراء الجدران السميكة وقد مضت على بنائها القرون . - نعم انا اذكر كل شئ يا حبيبتى وان لم اذكر فمن سيذكر .. .. ٠ أذكرك عندما كنت تأتين لمناجاتى وقد كبت ثورتك فكنت تدعينها أمواجى    لتذهب الى بعيد ... حيث تتررع وتنمو وتعود اليك من جديد ،    واذا بك تمزقين الحواجز وتكسرين القيود وتتحدين كل من وما شارك فى    الحكم عليك بالسجن .

٠ وتخرقين الابواب . ٠ وتخرجين الى الهواء الطلق وتأتين بين ذراعى .. ٠ انا الصديق الذى لا ساحل له .. لا جدران .. ٠ صديقك البحر   الذى تتلاطم اموجه بنفس العنف الذى تتلاطم به افكارك ..

٠  صديقك البحر القادر على كبح جماح أمواجه والظهور هادئا مرتاحا ٠ اذكر يوم كانت الدموع تسيل من عينيك فكنت اجففها بنسيمى ... ٠ أذكر جروح فؤادك الدامية ، وكنت أضمدها بحنينى ... ٠ أذكر ابتساماتك اليائسة . . وكانت تترنم لها امواجى باغانى الآمال    والسلوى

٠ أذكر . . . وقد اخذت بيدك لما رفضها كل الناس ... ٠ زرعت فيك شيئا من روحى حين غمر روحك اليأس فصمدت . . ٠ تحملت ، وعملت . ٠ وكان لك طول النفس وقوة الحأش . . وها أنا اراك اليوم تسأليننى عن هذه    القرية هل هى قريتك ، واسألك بدورى هل انت حقا تلك الفتاة التى عرفتها منذ سنين ؟ .

٠ لا تجيبى انا اعرف انك انت ، اعرف ذلك من خلال عطفك وحنينك ٠ وها أنت تنظرين الى كما كنت تنظرين الى فى ذلك الزمن البعيد ٠ لكأنك تبحثين عن شئ فقدته أو عن شئ جديد . . لقد كنت هكذا    تنظرين الى نظرة التساؤل والتوسل ....

٠ عم تتساءلين ؟ قولى ولا تخافى فانا الذى اصغيت اليك قديما .. ٠ سأصغى اليك اليوم وفى الغد .  - كيف لا اتساءل أيها البحر وانت تعلم بما تعلم ، وهل للحياة معنى     بدون تساؤل ؟ .

٠ اننى فى اشد الحاجة اليك وهل يمكن لى ان اتجه نحو سواك ؟ ... ٠ أيها البحر .. يا صديقى ..

اشترك في نشرتنا البريدية