الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9 الرجوع إلى "المنهل"

إسلاميات, تعدد الآلهة وأساطيرها

Share

ان الذى يدلك على استمرار بدائية المجموعة النفسية (١) الانسانية وتأثير بواعثها فى أعصاب سكان البيئات المتخلفة . . هي هذه الاعتقادات الساذجة المخترعة في تعين خالق الوجود ، المشابهة لحكايات العجائر عن مردة الجان .

ألا تراهم يعتقدونه طاقة أزلية تحل لدى كل فريق فيما يتخيلونه الها خالقا .

١ - فجماعة يتخيلونه انسانا أو حيوانا أو نباتا أو جمادا . .

٢ - وآخرون يتصورون لكل عالم الها : فللجبال اله وللامطار اله وللرياح اله ..

وتمادت الخرافة ببعض القدامى ، حتى جعلوا للحرب الها ، وللخمر الها،وللموسيقى الها ، وللجمال الها . . والحبل على الحرار .

وكما تخيلوا تعدد الآلهة الكاملين ،

تخيلوا انصاف الآلهة من الابطال والعباقرة وأمثالهم . . !

فالآلهة في عقليتهم أشبه شئ بلعب الاطفال التى تخترع ألوانها وأشكالها فى كل بيئة وفق عقلياتهم لاثارة عبثهم والهامهم . وان كانوا يشيدون لها الهياكل ويعكفون على عبادتها عكوف الايمان الصحيح .

ومثلهم فى ذلك كمثل أشعب ، فانه كان اذا ضاق بتجمع أطفال المدينة حوله ، يكذب عليهم فيقول ليصرفهم عنه ، ان ثمة عرسا ، - و كانت العادة أن توزع الحلوى في الاعراس كما توزع فى الاعياد . . فى زماننا فيصدق الاطفال ويعدون الى المكان الذى أومأ اليه ، فلا يلبث أن يصدق هو الكذبة فيأخذ فى العدو خلفهم . .

وما دار في خلدهم أن الواقع التكوينى لآى كائن من الكائنات ، يستحيل أن يكون في عين يقين العلم شبه تخلفهم ، وحسب ظنونهم وأوهامهم . . فما بالك بالواقع الوجودى لجلال الخالق العظيم الذى بيده الواقع التكوينى للكائنات كافة .

أجل يستحيل بأوسع ما للمستحيل في كل نفس من مدلول أن يكون الخالق العظيم كما تصوره أساطيرهم المتناقضة المنحطة، وأهواؤهم الارضية الرخيصة ، وطفولة أفكارهم المضحكة وبساطة معرفتهم ، وغباوة عقليتهم وسذاجتها .

أو كما يصوره الدساسون الملحدون للشعوب البدائية الغافلة ، لمآرب شيطانية خبيثة ، وتخلف خلقى لعين . يدل على ظلم الانسان لأخيه الانسان وتعمد الاضرار به منذ أبعد الازمان . .!!

ولماذا نعجب لأولئك الوضاع الدساسين القدماء الذين ملأوا الدنيا بالأساطير والترهات والمكايد . باسم حقائق الايمان ، وأذاعوها بين الشعوب البدائية ، لاحكام الخلف وتمزيق الكلمة بينها . ونحن نجد أمثالها تؤلف وتذاع في الصحف والاندية ، حتى في البلدان الراقية باسم حقائق الايمان والعلم اليقيني . . .

ألا نشاهد جموعا غفيرة من البشر ، في هذا العصر الحضارى القمرى ... اذا قلت

لهم :

(( ان هذه العوالم الهائلة المترامية في ابعاد الفضاء المحكمة الصنع الرائعة ، تدل على عظمة صانعها وشمول علمه ، وكبير قدرته ، ونفوذ سلطانه . . وتدل على استحالة أن يكون هو جل وعز هاتيك الطاقة المزعوم أنها حالة في انسان أو حيوان أو جماد مما هو مؤله ومعبود . . ))

أنكروا عليك ذلك وقالوا :

(( الكائنات متعددة وآلهتها الموجدة لها يجب أن تكون مثلها ، متعددة . .

وكل جماعة اتخذت لنفسها الها فالهها علمى وحق ، وخليق بها عبادته وانتصارها له . . ولا يمكن أن نجعل آلهة الامم المتعددة المختلفة الها واحدا .. هذا غريب عجيب )).

أو ليس هذا ما كان يقوله الكافرون من قبل .

وفي ذلك يقول الله عز وجل :

(( وقال الكافرون هذا ساحر كذاب ))

اجعل الآلهة الها واحدا ، ان هذا لشئ

عجاب ، ص ٢٧-٥(٢)

فتراهم يعجبون ويرفضون أن تكون الكائنات صنع الخالق العظيم العليم المريد القادر الواحد الأحد ، ولا يعجبون ولا يرفضون أن تكون صنع آلاف الألهة المتعددة التى اتخذوها من أشياء الكائنات . . وتراهم على اصرار يشيدون لها الهياكل الضخمة والمعابد الضخمة . ويتقاسمونها بينهم أربابا معبودة ، ويذعنون لها ويعكفون حولها مطمئنين معتصمين . . .

مما جعل سيدنا يوسف عليه السلام حين شاهد عبادتها سائدة في مصر ينهض لمحاربتها، والدعوة الى الكفر بها ونبذها والاقتصار على

عبادة الخالق الحق وحده بقوله :

(( يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير، أم الله الواحد القهار (٣٩) ما تعبدون من دونه الا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما انزل الله بها من سلطان . . ان الحكم الا لله امر الا تعبدوا الا اياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ١٢-٤٠(٢) .

وقد صور تغلغل ميراث الأساطير الوثنية ، وعوامل تأثيرها في نفسيات كثير من البشر ، فريق من مفكري الكتاب الغربيين الاحرار في هذا العصر .

ولكن ما رأيت مفكرا كان مبدعا وموفقا على نقد هذه الوثنية المنحطة وعرض خرافاتها وهوسها وتعدد آلهتها عرضا علميا ساخرا مثل الكاتب الانكليزى (( جورج برنارد شو ))

في كتابه (( البربرية تبحث عن الله )) جل وعز .

هنا أعرض صورة مختصرة جدا لبعض ما ورد في مؤلفه ليأخذ القارىء فكرة صحيحة

عنه : (٣)

(( ها هو ذا يذكر أن فتاة بربرية كانت تبحث عن الايمان الحق بالله الخالق العظيم التقت برجل من زاعمى الألوهية فقالت له : اني أبحث عن الله فهل لك أن ترشدنى اليه ؟

أجاب الرجل بكل كبرياء وفخامة :

(( ها أنت بين يديه . اسجدى أمامى حالا واعبدينى أيتها المخلوقة التافهة والا أنزلت عليك لعنتى . . اننى سيد العفاريت . أنا الذى رفع السماء، وأنا الذى بسط الارض ..

وأنا الذى أوجد كل شئ بينهما . . أنا الذى أعطى الحية سمها . . وأنا الذى أجرى اللبن في ثدي الأم . . فى يدي الموت وجميع الأمراض والبرق والرعد والمطر والريح . .

وكل ما يؤيد عظمتى وجبروتى . .

هيا ايتها الفتاة !! اجثى على ركبتيك،وعندما تعودين أمامى مرة أخرى يجب أن تحملي معك أحب أطفالك اليك . وتذبحيه هنا أمامى قربانا ، فأنا أحب رائحة الدم الجديد الاراقة .

قالت البربرية معترضة :

- ولكن ليس لى أولاد بعد فأنا لا أزال عذراء . .

اذن فاحضرى والدك ليذبحك أنت ويقدمك قربانا لى . . ثم ابحثي عن جميع أهلك وأقربائك واجعليهم يحضرون الي كثيرا من الغنم يذبحونها أمامى ، ويشوونها لى ، والا أنزلت بهم طاعونا مخيفا يجعلهم يعرفون انى

أنا الله القادر . . . ))

أجابت البربرية :

- أنا ليست طفلة لتهزأ بى كل هذا الهزء . . اننى باسم الله الحق الذى أبحث عنه سأهشمك . . .

وكان يجلس فوق كومة من الاحجار - فأخذت تصعد اليه وهى رافعة صولجانها لتضربه به . غير انها لم تكد تصل اليه حتى اختفى ، ولم تجد شيئا )) . . .

فهذه صورة رائعة مبتكرة من الصور الناقدة للوثنية والاشراك وعبادة البشر نقدا ساخرا عجيبا . وتجد في الرواية أمثالها . .

وكم أتمنى على شبابنا الذين يتخاطفون الروايات الحديثة الخالية من الخلق والعلم والأسلوب العربى الصحيح . . لو اقتصروا على الروايات التاريخية والعلمية الفنية التوجيهية أمثال هذه الرواية : (( البربرية تبحث عن الله ))

على أن في قصص القرآن المجيد الواقعي حول عرض الوثنية ، وكشف سخافاتها وأساطيرها وترهاتها ما فيه الكفاية لذوي النهى .

وما أدسم وما أروع وما أصدق قصة سيدنا ابراهيم الخليل حين حطم آلهتهم المتخذة من الأحجار ، وجعلها جذاذا ، وما أعظم الأسلوب الذى اتخذه في كشف أخطائهم وكيف انتقل بهم بين العوالم كاشفا لهم أنها مخلوقة وزائلة ولا تصلح أن تكون هى خالقة الكائنات المهيمنة عليها والمتصرفة فيها .

وكيف يمكن ان يكون المخلوق هو الخالق ؟! هذا محال .

ألا فاتل معى هذه الآيات الآتية بخشوع ولا تنس أن في القرآن المجيد التحدي المعجز الى يوم القيامة .

(( واذ قال ابراهيم لأبيه آزر اتتخذ أصناما آلهة . انى أراك وقومك في ضلال مبين )) ٧٥ - (٤)

وكذلك نرى ابراهيم ملكوت السموات والارض ، وليكون من الموقنين )) ٧٦

فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي ، فلما أفل قال لا أحب الآفلين )) ٧٧

فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربى ، فلما أفل قال لئن لم يهدنى ربى لأكونن من القوم الضالين )) ٧٨

فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربى . هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم انى بريء مما تشركون )) ٧٩

اني وجهت وجهى للذى فطر السموات والارض حنيفا ، وما أنا من المشركين )) ٨٠

وحين تنتهي من تلاوة هذه الكلمة أود من كل قلبى أن تعود الى قصة شعيب وصالح وهود ونوح ولوط في القرآن المجيد متأملا مستقصيا فانك تظفر بالعجب العجاب من الاعجاز الممتع المصفى المؤيد بالحجج العلمية القوية والنور والحق والخير والهدى .

وماذا أقول وكل الصيد فى جوف الفرا

اشترك في نشرتنا البريدية