طالعنا بكل اهتمام وارتياح الخطاب الذى القاه فى شهر فيفرى الفارط السيد " رونى ماهو " المدير العام لمنظمة اليونسكو بـمناسبة تسلمه جائزة " مونتانى " لسنة 1973 من طرف مؤسسة ألمانية مستقرة بمدينة " همبورغ "
ولئن عبر السيد رونى ماهو فى هذه المناسبة عن افكار قيمة جديرة بالتمعن ، كعادته فى مثل هذه المواقف ، فان ما قاله حول تعدد مراكز الاشعاع الثقافى وتكاملها ، وتحذيره أوربا من مغبة الهيمنة الفكرية ومعرة السيطرة العقائدية والامبريالية الايديولوجية ، لينسجم مع ما لم نزل ندعو له و ننبه الى ضرورته منذ اعوام طوال ، احتراما للذات البشرية ، ووفاء لروح الثقافة الحق وخدمة للاتجاه الانسانـى السليم ، الذى لا يسمح بالاعتداء على الثقافات القومية بدعوى التفوق المادى والسبق التقنى وحتى الحضارى ، بل يقتضى أن تساهم كل أمة بخير ما تجود به عبقريتها فى اثراء التراث الفكرى البشرى ، واعلاء شأن القيم السامية ، ورعاية طرافة الشعوب ، من دون انـحياز الى نموذج جمالى أو نمط حضارى .
بل ان التسامح والاريـحية وسمو الاخلاق ومقتضيات التعايش السلمى تعنى جميعها التفتح على الغير ، أى الاستعداد النفسى لحسن الظن به والاصغاء اليه والتواضع القبلى والمبدئى ازاء آرائه وانتاجه وترقب الجديد الطريف منه ونشدان الحوار الايجابى معه .
يقول رونى ما هو مخاطبا رجال الفكر فى أوربا والعالم المتقدم عامة : ان التفتح الحق على عالم اليوم لا يـمكن ان يتم الا اذا أدركنا تمام الادراك ان هذا العالم يرفض السيطرة - مهما كان نوعها - فى ميدان الثقافة ، وان العلاقات بين الدول لا يمكن ان ترتكز الا على قاعدة الاعتراف بتعدد المراكز القادرة على الخلق بل تزايدها تزايدا لا يقف مبدئيا عند حد
ان اوربا لم تفقد - ولا شك - شيئا من قدرتـها على الخلق . والعالم شاعر ازاءها بذلك ، معترف لها بما تقوم به فى توجيه مصير الانسانية من دور لا يمكن أن يوجد له بديل
ومع ذلك فانه يتعين على أوربا أن تتخلص نـهائيا من خناس الكبرياء الذى ما زال - بعد انقراض هيمنتها - يوسوس فى صدرها .
ان نجاة اوربا رهين هذا التخلص واشعاعها الروحى المحرر متوقف عليه . وهذا ما يفرض عليها أن تتخلى نـهائيا عما كانت تعتقده من صلوحية طرقهـــا وانـماطها لكل زمان ومكان ، وأن تقتنع بأن تلك الطرق والانـماط ينبغى أن تعرض ، لا أن تفرض ، وأن تقدم من حيث هى امكانيات قابلة للاستثمار بعد أن يدخل عليها من التكييف والمراجعة الجذرية أحيانا ، ما يجعلها ملائمة لواقع البلد الذى يروم اتباعها .
وقبل هذا وذاك يتحتم أن يندرج كل استيراد ثقافـى وتقنى فى نطاق عملية تبادل للخدمات لا فى بوتقة اعانة مزعومة منطوية حتما على الوان من الذل والاهانة ، ومكتسية مظهرا من التجرد لم يعد ، لاسباب واقعية ظاهرة - ينطلى على أحد .
وثقوا ان العلاقات بين أوربا وبلدان العالم الثالث اذا هى لم تستجب لـهذه
المقتضيات ، ولم تعتمد مبدأى الشمول والتبادل ستبوء بفشل ذريع ، لا يكون فى صالـح أحد " .
ونحن اذ نعبر عن أملنا فى أن يجد هذا النداء الحار الصادق ما هو جدير به من صدى فى الاوساط الثقافية والتربوية بأوربا وامريكا ، وننوه بما لا يزال يبديه المدير العام للمنظمة الدولية للتربية والعلم والثقافة من علو همة وبعد نظر وآتساع أفق وسداد رأى ، فاننا نـهيب برجال الفكر والادباء والفنانين فى العالم الثالث عامة ، حتى يـمعنوا النظر فى هذا الموقف ، لعلهم يفوزون بمزيد الثقة من أنفسهم ، ويصبحون لرسالتهم أشد وعيا وبشعوبـهم أقوى التحاما ، وعلى اشعاع قيمهم الاصيلة اكثر تصميما ومن اجل المساهمة فى الحضـــــارة الانسانية أرسخ قدما وأطول نفسا وأبقى أثرا .
وكلمة أخرى لا بد من أن نقولها . اننا نقلنا فقرة طويلة من خطاب رونى ماهو باعتباره من أقطاب رجال الفكر وكبار المسؤولين عن حظوظ التربية والثقافة منذ أكثر من عشر سنين حتى نقيم الدليل مرة أخرى على أن مواقفنا فى خصوص ضرورة تعدد الثقافات وحتمية تكاملها ليست صادرة عن تعصب أو ضيق نظر أو هى نابعة من عقلية جيل لـم يهضم بعد الاستقلال ولا تحرر من كابـــــــوس الاستعمار التحرر الكامل ، بل انـما أملاها تأملنا فى تاريخ الفكر وتحليلنا الموضوعى لحقيقة الثقافة ورسالتها المقدسة وتشبعنا بالاتجاه الانسانى السليم
فهل تساهم أقوال المدير العام لليونسكو فى فتح البصائر وتوجيه الجهود الوجهة السديدة ؟ هذا ما نأمل أن يكون من دون صراع وفى مأمن من التوتر والبغضاء والاحقاد ، بل فـى كنف التقدير المتبادل والمحبة وعلى أساس التبارى النزيه ، خدمة للسلم والتآخى البشرى ونصرة للقيم الانسانية الخالدة .

