كلما تصدى أهل الرأى ، فى تونس وسائر البلاد العربية الاسلامية ، الى علاج قضايا الفكر وشؤون الثقافة والأدب ، كثر الجدل واستشري الخلاف حول اقوم المسالك لمواجهة العصر والأخذ بأسبابه ، وتدارك ما فات والاستعداد لما هو آت .
وكثيرا ما يقابلون في غمرة النقاش بين الماضي الناصع التليد والمستقبل المشرق الملآن ، فيحرصون على جعل الحاضر امتدادا للماضى ونسخة أمينة منه ، أو يرومون الانسلاخ عنه والكفر به ، وذلك تمسكا بالأصالة أو انتسابا الى روح المعاصرة .
والحقيقة أن هذا النقاش المانوى متواصل منذ أواخر القرن الماضي عندما صدمت شعوبنا بالمدنية الغربية وغزاها الاستعمار غزوا ، وتسلط على طاقاتها الروحية والمادية تسلطا ، فأفاقت من غفوتها وتقاوت على نفسها لعلها ان تتخلص مما ران على عقول ابنائها وبصائرهم من تحجر وجمود وتدهور طيلة عصور الانحطاط والظلمات .
ولئن توفقت كل هذه الشعوب أو جلها - وبدرجات متفاوتة طبعا - الى التخلص من براثن الاستعمار المفضوح ، فى شكله السياسي والعسكرى والاداري ، فان أكثرها لا يزال يعاني ويجاهد في سبيل التحرر من الاستعمار الاقتصادى وخاصة الاستعمار الثقافي والأيديولوجى ، الذى لا تتزعمه دائما ووجوبا الدول التى شاء الحظ - بل سوء الحظ - أن تتسلط عليها فى الفترة الاولى ، وهى لا تزال بالخصوص تعانى وتجاهد للخروج من التخلف والتخفيف
من وطأة الجهل والمرض والخصاصة ... بتنمية الثروة والسعى الى توزيعها بأوفر قسط ممكن من العدالة .
وفي هذا الصدد لئن أجمع الناس على ان الذكاء هم المنجم الطبيعي الاوحد والأخصب لاستخراج شتى الثروات وتجاوز كل العقبات وبلوغ جميع الاهداف ، وان التثمير الثقافي - بالتابع - هو من بين سائر أنواع التثمير الاخرى أوفرها نفعا وأعظمها جدوى على المدى البعيد ، فانهم مختلفون في نوعية هذه الثقافة ومضامينها ومحتوى التعليم والتربية اللذين يخلقان اسباب هذه الثقافة وبمهدان لظهورها وازدهارها ومتباينون فى تصورهم للحضارة ومتطلباتها واتجاهاتها .
وبينما يتواصل النقاش وتتبلور المواقف وتتقابل ، لا نكاد نلاحظ عملا ايجابيا لتجاوز التناقضات والخروج بالقضية المصيرية من طور الكلام والهذيان الى مرحلة الفعل المخطط المبنى على رؤيا واضحة لمنزلتنا فى الكون ، وهويتنا الحضارية ، ودورنا فى العالم ، ورسالتنا الفكرية ضمن الحركية الانسانية التى لا تعرف التوقف لانها كالنهر العارم ، المتدفق دوما ، ترفده شتى الجداول السياسية والروحية والثقافية . . .
بل لا نزال - فى الغالب - ننفعل دون ان نفعل وناخذ ولا نعطي ونقلد عوض أن نبدع ، ولا نكاد نفرغ من محادثاتنا الأكاديمية بين المناسبة والأخرى ، وننتهي من دراساتنا الموسمية الروتينية ، حتى نخضع للواقع المفروض علينا فى جميع مظاهره فنحياه أو بالاحرى يحيانا ويتلبس بنا ويضغط علينا ، وننساق مع مقتضياته ونواميسه دون اية مباداة ولا مبادرة .
وكما أن الانسان مفطور بالطبع - مثل الحيوان - على التلاؤم التدريجي مع كل الحالات الضارة الطارئة عليه من دون شعور بخطورتها المتزايدة ، ولا استعداد للتوقى منها ، وقادر بالتابع على التكيف مع بيئة مشحونة بالملوثات الكيميائية ، (اذكر فى هذا الصدد التجربة التى أجراها " باستور " سنة
1864 وضمنها محاضرته أمام طلاب معهد الفنون الجميلة بباريس (*) . .، فان الانسان مهيأ - كذلك - الى التلوث الحضاري والتسمم الثقافي والتعفن الأخلاقي ، من دون شعور ، ما دام غزو الأرواح وصدأ الأفكار وتخدير النفوس والتسرب الى العقليات . . . تعمل عملها فى بطء مستمر ، ويستفحل داؤها من دون آلام منبهة . .
ولا جدوى فى موقف جبان ، هروبي ، سواء الى الوراء أو الى الأمام ، للافلات من عملية التكييف الحضاري والخروج من السلبية الثقافية .
فانه يخطئ من يعتقد أن التمسك بالماضى كفيل بصيانة الذات وحماية الحمى ، لأنه لا يمكن الاستعاضة عن الحياة بالأحلام ولأن اجترار حلو الذكريات ، وتحنيط القيم فى متون التاريخ ، واعتقال الأفكار فى سجون الأمس ، ضرب من العقوق ازاء التاريخ ذاته ونوع من السلبية الآثمة قد تستوجب علينا لعنة الآباء قبل الأبناء . . .
ذلك ان أجدادنا ثاروا هم أنفسهم على ماض استفرغ منه لبه ، وأبوا أن يتركوا الموروثات المتحفية والمخلفات المتآكلة ترين عليهم وتسليهم عن نقائص واقعهم ، فقاموا في فترات مختلفة من تاريخهم بثورة حية خلاقة ؛ إنهم فكروا وامنوا وعملوا عملا صادقا فكتلوا قواهم وأحدثوا تغييرا بنيويا جذريا فى كل مستويات الحياة وأخرجوا مجتمعاتهم من طور الانغلاق والاجترار والتقليد الى طور الانفتاح والخلق والابداع . ان الماضي - بهذا المعنى - كان مستقبلا رائعا .
ويخطئ كذلك من يروم المعاصرة بجهل الماضى والتنكر له والتحقير من شأنه ، معتمدا على الاكتشافات العلمية ومعطيات الثورة التكنولوجية وحتمية انتشار النمط الصناعي المتميز بالالكترونيك والسيبرنتيك ، او ظانا ان الازورار عن الماضي انما هو المهر الضرورى للتقدم وتحقيق التنمية الاقتصادية والحضارية الشاملة ، أو منخدعا ببعض الفلسفات التى تدعي ان اتجاه التاريخ يقضى بجهل الأمس الغابر والتخلص من اعباء تراثه وتصفية حساب مقدساته !
فانه يمكننا أن نغير أشياء كثيرة ولكنه ليس فى الامكان أن نمحو من الوجود ما وجد وكان وما يصح على الأفراد الذين هيهات أن يقدروا على نكران حياتهم السابقة وجهل المؤثرات والعوامل التى كيفتهم منذ ولادتهم - وقبلها - يصح على المجتمعات التى هى فى الواقع ثمرة معطيات طبيعية وجغرافية وحصيلة ما مر بها من أحداث وعاشته من خبرات ونتيجة لما اوجده أبناؤها العاملون الخلاقون جيلا بعد جيل .
وإن الملاوذة بالحتمية التاريخية للهروب من الواقع وتبرير السلبية او للتحلل من الماضي وتمزيق الذات وتشتيت التراث ، خطأ تاريخي فادح وغباء كبير ! ذلك أن التاريخ - كالقدر - لا يستجيب إلا لمن اراد الحياة ولا يذعن إلا لمن استقامت له فحولة المواجهة فصنعه وكيفه وأخضعه الى مشيئته . وإن فى استقراء احوال الماضي وتصفح سجله الكبير منذ أن كان الانسان ، لشاهدا وتأكيدا على ما كان للعبقرية الفردية والجماعية من فضل فى صنع التاريخ وتغيير مجرى الأحداث . أما الذين يفنون أعمارهم في انتظار المعجزة فلن يظفروا من التاريخ إلا بتسجيل فشلهم في الحياة وعجزهم على تحمل الأمانة .
وإذن فلا يجوز - ونحن فى جهاد من أجل الحياة الحية الكريمة - ان ندين الماضى إدانة جائرة ولا أن نقدسه تقديسا ساذجا أعمى ؛ فالحياة ديمومة متصلة متواصلة وتجدد مستمر ، والكائن الحي العاقل السوى الذي يحيا حاضره بحق ليس فى مستطاعه أن يطمس في ذاته ملكة التذكر وهي
الحاضر الماضي ، ولا أن يحرم نفسه من القدرة على الانتباه الى واقعه وهو الحاضر الحاضر ولا أن يضيق من آفاق عيشه بالغفلة عن فسحة الأمل التى هى الحاضر المستقبل .
وبذلك يحافظ الانسان على وحدته الزمنية ويستبقى تماسك شخصيته . إنه يتذكر ، لأن الذكرى تنفع ، من دون أن يعيش بالذكريات أو لها ، وهو في نفس الوقت يستعد لما يتوقعه ويترجاه لأن ما فات لن يعود ولأنه كما قال الحكيم اليونانى منذ حوالى خمسة وعشرين قرنا لن نستحم فى نهر واحد مرتين . وبذلك ايضا - لا بدونه - يضطلع الانسان بتبعات المستقبل فى إطار الوفاء لروح الماضى والايمان بالوحدة والتضامن الحي بين الاجيال .
فما أحرانا ، ونحن نخوض غمار معركة التنمية والازدهار والمناعة بكل معانيها ، وما أحرى شبابنا الصاعد - ومنه من بلغ جهله بماضيه وماضى قومه حدا جعله لا يجد في حاضره ما يستوجب الدهشة ويدعو الى العمل الصالح أو دفعه الى السخط المطلق والانسلاخ الحضاري المؤسف - ما أحرانا جميعا وما أحرى شبابنا بالتزام هذه المعانى والتسامى عن اللغو العقيم وما أجدرنا بالحرص على الأشياء دون الألفاظ والجوهر دون الأعراض .
ثم أليس في عيد النصر الذي يحتفل به الشعب التونسي في مطلع هذا الشهر دليل آخر على ما سبق ؛ ألم يتيقظ الشعب التونسي منذ ثلث قرن الى واقعه فتذكر ماضيه ورفض الذوبان في الغير والفناء الحضاري واستلهم من هذا الماضي القوة على الرنو الى المستقبل والعزم على تغيير واقعه وبناء غده ؟ فخط بفضل كفاحه المرير وقيادته الرشيدة على صفحات سجل التاريخ الكبير ملحمة من أروع الملاحم واضاف مغامرة رائعة الى مغامرات الانسان يتجاوز دوما منزلته ويحقق اصيل اشواقه وسخي احلامه .

