الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الفكر"

إلى القارئ, حول مؤتمر وزراء الثقافة العرب بالجزائر

Share

التأم بمدينة الجزائر من 9 الى 11 ماى 1983 مؤتمر الوزراء المسؤولين عن الشؤون الثقافية فى الوطن العربى تحت شعار من أجل أمن ثقافى عربى . وقد وفرت الشقيقة الجزائر لهذا المؤتمر كل الظروف الملائمة ليخرج بتوصيات يمكن أن نعدها خطوة هامة فى تجسيم طموحاتنا فى المجال الثقافى .

وحضر المؤتمر تسعة عشر وفدا عربيا ولم يترأس الوفود من الوزراء الا تسعة فقط كما شاركت عدة منظمات من بينها الجمعية العالمية للحفاظ على التراث الثقافى الفلسطينى ورعايته ممثلة فى شخص رئيسها السيد شون ماك برايد .

وقد افتتح المؤتمر ممثل السيد رئيس الجمهورية الجزائرية الدكتور عبد المجيد مزيان وأبرز أهمية انعقاده فى هذا الظرف العصيب وركز كلمته خاصة على حقيقة لا بد من ايرادها للاعتبار والتدبر وهو أن (( الأمة العربية بأجمعها تنتج سنويا ما لا يتعدى 15 ألف عنوان من الكتب العلمية الا النادر وأغلب ذلك النادر منقول عن اللغات الاجنبية ولا يتعدى انتاجنا الكلي الاربعين مليونا من المجلدات بما فيها التراث . وتنتج فرنسا 32 ألف عنوان وما يقارب 180 مليون كتاب وتنتج الصين أربعة مليارات من الكتب ومعنى هذا أن الفرد العربى لا يحصل الا على ثلث كتاب فى السنة بينما يكون من حظ المواطن الفرنسى والمواطن الصينى الاربعة كتب . هذا ونحن أمة الكتاب التى انشئت روحانيتها وطموحها الحضارى من البشرى بكلمة إقرأ . وتوجد

بعض المئات من الجمعيات الثقافية وتوجد فى كل بلد أوربى منها عشرات الآلاف ومعنى هذا أن الفرد العربى الذى ينشط داخل جمعية ثقافية هو واحد فى الألف بينما عدد الافراد الذين يعملون داخل هذه الجمعيات فى أوربا هم اكثر من عشر السكان )) .

ثم واصل أعماله بدراسة جدول الاعمال بعد اضافة موضوع مواجهة الغزو الصهيونى للثقافة العربية باقتراح من رئيس الوفد الفلسطينى وشكلت لجنة الصياغة برئاسة الدكتور محمد يوسف نجم .

وكان عمل المؤتمر يسيرا نظرا الى أن المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم باشراف مديرها العام الدكتور محيى الدين صابر قد هيأت كل محاور النقاش ونظرا الى ما تميزت به رئاسة المؤتمر من حكمة فى تسيير الاشغال . وهكذا أمكن النظر فى فترة وجيزة فى جملة هامة من التوصيات وتم إقرارها بعد النقاش وهى تتناول ثلاثة محاور : الموقف التنفيذى ومواجهة الغزو الصهيونى للثقافة العربية ونحو أمن ثقافى عربى .

أما المحور الاول فقد احتوى على التوصيات ذات الطابع العام ] التراث الحضارى  ( 19 قرار ) المسرح ( 8 قرارات ) الفنون التشكيلية ( 5 قرارات ) ثقافة الطفل العربى ( قرار واحد ) التشريعات الثقافية ( 5 قرارات ) مواجهة الغزو الثقافى الصهيونى للثقافة العربية ( 5 قرارات ) رعاية الانتاج الفكرى والادبى ( قرار واحد ) معهد المخطوطات العربية ( قرار واحد ) معهد البحوث والدراسات العربية ( قرار واحد ) تنمية الثقافة العربية الاسلامية فى الخارج ( 3 قرارات ) التعاون الثقافي الدولى ( 5 قرارات ) استقبال القرن الخامس عشر للهجرة ( 3 قرارات ) [ .

وضم المحور الاول أيضا الموقف التنفيذى الخاص للجنة التخطيط الشامل للثقافة العربية التى أقرت عدة توصيات حول الموسوعة العربية والمكتبة القومية المركزية وكذلك الخطة القومية للترجمة والمؤسسة العربية للتعريب والترجمة والتأليف والنشر والمعهد العربى للترجمة . وقرر المؤتمر أيضا فيما يخص نتائج المؤتمر العالمى للسياسات الثقافية وانعكاساتها على الثقافة العربية دعوة الدول العربية الى السعى الجاد لتنفيذ توصيات هذا المؤتمر ودعوة الينسكو الى أخذ التوصيات الخاصة بالموضوعات العربية بنظر

الاعتبار عند دراسة مشروع برنامجها لسنتى 1985/1984 أثناء الدورة الثانية والعشرين للمؤتمر العام ودعوة المنظمة الى التعاون مع الينسكو لتنفيذ التوصيات التى تتصل بنشاط المنظمتين .

وفيما يخص المحور الثانى فقد اتخذت ستة قرارات لمواجهة العمليات المستمرة ضد الثقافة الفلسطينية ومؤسساتها ورموزها وحماية الهوية الثقافة القومية .

أما المحور الثالث فيتناول مفهوم الامن الثقافى ( 13 قرارا ) والانتاج الثقافى ( 10 قرارات ) ونشر الإنتاج الثقافى ( 9 قرارات ) والصناعات الثقافية ( 11 قرارا ) .

هذه لمحة خاطفة عن قرارات هذا المؤتمر أردت ايرادها بهذه الصورة التى لا تعرف فى الواقع التعريف الكامل بمحتواها لاشعر القارئ الكريم الى أهمية هذا المؤتمر وحجم المواضيع المبسوطة فى الميدان الثقافى والداعية الى أخذها بعين الاعتبار والشروع فى تطبيقها .

ولا يخفى على القارئ الكريم أن الظاهرة الثقافية بمفهومها العصرى وما يتطلب ذلك من سياسة ثقافية مضبوطة واستراتيجية واضحة ، جديدة بالنسبة الى العالم الثالث والعالم العربى وحتى البلاد المتقدمة . وان ما يقرر فى مؤتمرات وزراء الثقافة إنما هو خطوة جبارة فى سبيل تحسيس الحكومات والشعوب لما يجب القيام به فى هذا الميدان .

على أن ذلك يقتضى الشروع فى التطبيق وتذليل الصعوبات والعراقيل فى داخل الاوطان العربية وخارجها إذ لا يمكن أن تزدهر ثقافة فى وطن عربى ما الا بتوفر شروط لا بد منها تكون مضبوطة من سائر الاوطان الاخرى . وهذه الشروط ليست - كما يظنه البعض - قبلية مسبقة تتناول المناخ الذى تترعرع فيه الثقافة من حرية وغيرها إذ كل بلد له ظروفه الخاصة وقدرته النوعية على الانتاج الثقافى وطاقاته الذاتية بل تتعلق بمشاكل موضوعية مرتبطة بازدهار الصناعات الثقافية وما تفرضه من استثمارات وانتاج وترويج وتشجيعات واعفاءات ومبادلات نقدية واجراءات ادارية .

وهذه الصناعات الثقافية - لتزدهر - تتطلب القرارات الجريئة من الدول العربية كلها اذ لا يمكن أن يتم الامر ويكتمل اذا تخلف البعض واعتبر هذه

المسائل هامشية ذلك أن أية صناعة ثقافية فى بلد عربى لا يشتد عودها وتتسع آفاقها الا اذا وجدت لمنتوجها السوق رائجة فى سائر البلاد العربية .

ان هذه الابعاد التى لم أذكر منها الا القليل بالنسبة الى الميدان الثقافى تتطلب أن يكون فى كل وطن عربى وزارة للثقافة مستقلة عن الشؤون الاخرى من إعلام وسياحة وشباب وغيرها وهى خطوة يجب أن تخطوها الدول العربية بسرعة وهى شرط أساسى ليتفرغ الوزير لشؤون الثقافة والثقافة فقط ويعطيها من وقته الوقت الكامل أو من وزنه السياسى ما لا يتيسر للوكلاء والمديرين العامين القيام به مهما كثرت مقدرتهم واتسعت تجربتهم وذاع صيتهم . هذه خطوة لا بد منها تستلزم بالطبع دعم ميزانيات وزارات الثقافة واعطاءها الاهمية الواجبة لها .

ولكن هذا أيضا لا يحل المشكل تماما اذ أن الوصول الى تطبيق هذه التوصيات يقتضى أخذ قرارات لا يقدر عليها وزراء الثقافة وحدهم لانها تتناول مسائل سياسية واقتصادية ومالية وتربوية وغيرها . ومن يقدر عليها اذن غير الرؤساء والملوك ؟ ولهذا فان قمة ثقافية تفرض نفسها لحل كل هذه المشاكل المتعلقة بالميدان الثقافى فى العالم العربى ولكنها أيضا تفرض نفسها للاتفاق حول ما يجب القيام به للحضور الثقافى العربى فى العالم لانه لا ازدهار حقيقيا للثقافة العربية اذا لم تتجاوز بصورة من الصور الرقعة العربية وتتناغم مع غيرها من الثقافات وتخرج من القوقعة المضروبة حولها .

هذه بعض الخواطر التى أوحت لى بها زيارتى الى الجزائر لحضور المؤتمر فى دورته الرابعة وللتمتع أيضا بجولة الى معسكر ( شرقى الجزائر فى منطقة وهران ) لتتبع خطى الامير عبد القادر بن محيى الدين الذى احتفل بالذكرى المائوية لوفاته وهو المجاهد الاصيل الذى قاوم الاستعمار من أجل أن تبقى الجزائر محتفظة بشخصيتها العربية الاسلامية .

اشترك في نشرتنا البريدية