لطالما ذكرنا بحقيقة المناعة بالنسبة للأمم وقلنا ان التطاول على أمة ما والطمع فى النيل منها يبدآن دائما بتشكيك أبنائها فى أصالتهم وتشوبه مقومتها ومسخ روحها . فالاستعمار يحتل النفوس ويسمم الأرواح ويتقنع بقناع العلم والموضوعية ليفاضل بين الحضارات قبل ان يحتل الاوطان ويدوس السيادات ويهيمن على مصير الشعوب . لذلك لا تعنى الأمم بشئ كما تعنى بالحفاظ على كيانها الروحى وصيانة شخصيتها الحضارية وتغذية أجيالها الصاعدة بروح القيم العليا التى تؤمن بها وتهتدى بهديها ، وهى قاعدة لا تشذ عنها سوى البلدان التى باعت نفسها للشيطان فآثرت السلبية والتبعية لأسباب تاريخية أو لخيانة مثقفيها ورجال الرأي عندها .
فنحن حين ننادى بتونسة برامج التعليم تونسة جدية ونعتبر ذلك شرطا أساسيا من شروط الأصالة القومية وضمانا لمناعة هذه الأمة ودرءا لعوامل الانحلال والتفسخ والذوبان فى الغير ، لا ننساق مع العاطفة ولا يحركنا تعصب مقيت ، وإنما نؤكد ضرورة حيوية وقضية مصيرية ؛ إننا نريد ان تساهم البرامج التعليمية - أكثر مما هى تساهم الآن - فى تأصيل الشباب فى بيئته وتنشئته على محبة الوطن والاعتزاز بالانتساب إليه والاستعداد للمساهمة في إعلاء شأنه وتطوير ثقافته وإنماء تراثه والزيادة فى إشعاعه لما فيه خير الانسانية وتقدم الحضارة .
على أن التونسة ليست انغلاقا على النفس أو تنكرا للقيم الانسانية الخالدة أو تنازلا عن المستوى الرفيع الذى بلغه الفكر البشرى فى كل مجالات المعرفة ، إنما التونسة مطلب من مطالب الاخلاص للذات والوفاء للروح وهو سعى لا تكاد تشذ عنه أمة تحترم نفسها ، والتونسة إحياء واستيحاء للماضى ورهان على الستقبل ، فهى عملية أخلاقية إنسانية لأنها تقتضى الاجتهاد والعزيمة وتنفى التواكل وتمقت التطفل ، وتساهم - إيجابيا - بالتابع فى احترام الشعوب بعضها لبعض ، لأن التقدير المتبادل والتفاهم والسلم والأخوة البشرية لا تضمنها ثقافة واحدة موحدة مفضلة تفرضها أمة قوية اقتصاديا أو علميا ، بل يساعد عليها ويهيئ أسبابها التنوع والتميز وحوار المدنيات بعضها مع بعض واستمداد بعضها من البعض ، على نحو ما ذهب إليه " فاليرى " (Valery ( عندما قال : " لنستمد مما يفرق بيننا ما يثرينا جميعا " .
والدعوة للتفتح التى يتزعمها بعض المثقفين والاساتذة كلما نودى بالأصالة أو شرع فى تحقيق أسبابها لا يكون لها معنى من دون تكامل مع الشخصية القومية وحيطة من التلاشى والضياع الروحى ، والا كانت قناعا للاستعمار الثقافى وستارا للتبعية او مغالطة لا تنطلى على كل مخلص غيور .
ألا فليتمعن رجال القلم واصحاب الرأى فى بلادنا فى هذه الحقائق وليتحملوا مسؤولياتهم حتى لا يكونوا كالأعمى أو الطفل الصغير فى مفترق الطرق .

