الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الفكر"

إلى القارئ

Share

لطالما ذكرنا بحقيقة المناعة بالنسبة للأمم وقلنا ان التطاول على أمة ما والطمع فى النيل منها يبدآن دائما بتشكيك أبنائها فى أصالتهم وتشوبه مقومتها ومسخ روحها . فالاستعمار يحتل النفوس ويسمم الأرواح ويتقنع بقناع العلم والموضوعية ليفاضل بين الحضارات قبل ان يحتل الاوطان ويدوس السيادات  ويهيمن على مصير الشعوب . لذلك لا تعنى الأمم بشئ كما تعنى بالحفاظ على كيانها الروحى وصيانة شخصيتها الحضارية وتغذية أجيالها الصاعدة بروح القيم العليا التى تؤمن بها وتهتدى بهديها ، وهى قاعدة لا تشذ عنها سوى البلدان التى باعت نفسها للشيطان فآثرت السلبية والتبعية لأسباب تاريخية أو لخيانة مثقفيها ورجال الرأي عندها .

فنحن حين ننادى بتونسة برامج التعليم تونسة جدية ونعتبر ذلك شرطا أساسيا من شروط الأصالة القومية وضمانا لمناعة هذه الأمة ودرءا لعوامل الانحلال والتفسخ والذوبان فى الغير ، لا ننساق مع العاطفة ولا يحركنا تعصب مقيت ، وإنما نؤكد ضرورة حيوية وقضية مصيرية ؛ إننا نريد ان تساهم البرامج التعليمية - أكثر مما هى تساهم الآن - فى تأصيل الشباب فى بيئته وتنشئته على محبة الوطن والاعتزاز بالانتساب إليه والاستعداد للمساهمة في إعلاء شأنه وتطوير ثقافته وإنماء تراثه والزيادة فى إشعاعه لما فيه خير الانسانية وتقدم الحضارة .

على أن التونسة ليست انغلاقا على النفس أو تنكرا للقيم الانسانية الخالدة أو تنازلا عن المستوى الرفيع الذى بلغه الفكر البشرى فى كل مجالات المعرفة ، إنما التونسة مطلب من مطالب الاخلاص للذات والوفاء للروح وهو سعى لا تكاد تشذ عنه أمة تحترم نفسها ، والتونسة إحياء واستيحاء للماضى ورهان على الستقبل ، فهى عملية أخلاقية إنسانية لأنها تقتضى الاجتهاد والعزيمة وتنفى التواكل وتمقت التطفل ، وتساهم - إيجابيا - بالتابع فى احترام الشعوب بعضها لبعض ، لأن التقدير المتبادل والتفاهم والسلم والأخوة البشرية لا تضمنها ثقافة واحدة موحدة مفضلة تفرضها أمة قوية اقتصاديا أو علميا ، بل يساعد عليها ويهيئ أسبابها التنوع والتميز وحوار المدنيات بعضها مع بعض واستمداد بعضها من البعض ، على نحو ما ذهب إليه " فاليرى " (Valery ( عندما قال : " لنستمد مما يفرق بيننا ما يثرينا جميعا " .

والدعوة للتفتح التى يتزعمها بعض المثقفين والاساتذة كلما نودى بالأصالة أو شرع فى تحقيق أسبابها لا يكون لها معنى من دون تكامل مع الشخصية القومية وحيطة من التلاشى والضياع الروحى ، والا كانت قناعا للاستعمار الثقافى وستارا للتبعية او مغالطة لا تنطلى على كل مخلص غيور .

ألا فليتمعن رجال القلم واصحاب الرأى فى بلادنا فى هذه الحقائق وليتحملوا مسؤولياتهم حتى لا يكونوا كالأعمى أو الطفل الصغير فى مفترق الطرق .

اشترك في نشرتنا البريدية