الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9 الرجوع إلى "الفكر"

إلى القارئ

Share

حول السنة العالمية للشباب

التام ف مدينة موريال ( Montreal ) بالكندا من 24 الى 27 أفريل 1985 مؤتمر عالمى فى نطاق السنة العالمية للشباب التى أوصت بها منظمة الامم المتحدة . وكانت البادرة من الحكومة الكندية بمشاركة الينسكو والجامعة الدولية لتربية الاولياء وأوكلت حكومة الكندا تنظيم المؤتمر الى شركة البحث فى التوجيه البشرى ( * ) وكان عنوان هذه الندوة العالمية : (( ذاتية للتجديد : أولياء مرفوضون شباب ملفوظ )) .

حضرت هذا المؤتمر العالمى الهام الذى كان غاية فى احكام التنظيم فى بلد عرف بانتمائه الى عالم الامريكى الجديد وهو الذى مضى شوطا كبيرا فى التصنيع وتأثر مجتمعه بعوامل عديدة ناتجة عن هذا المنحى ولكنه لم يفقد توازنه لأنه قد حافظ أكثر من العالم القديم ( أوربا ، إفريقيا ) على كثير من القيم الموروثة وشد افراده الى ضرب من التوازن النفسى والطيبة والعزوف عن العنف والتنكب عن نوازع الخبث والزور والبهتان . ولعل ما أصاب العالم القديم من جراء استغلال الثورة الصناعية للبشر وما تبعها من استعمار افريقيا وآسيا قد جنب العالم الجديد كثيرا من الآفات التى يتخبط فيها الافراد اليوم فى أوربا وافريقيا بفعل القطيعة بين ماض كان حافظا لجملة من القيم الاساسية فى نشأة الفرد ونموه وسلوكه وبين حاضر يشكو التأزم والصراع والاستلاب .

وقد كانت طرافة هذا المؤتمر متمثلة فى انه جمع فى مكان واحد وآن واحد بين الكهول والشباب كممثلين أساسيين للحاضر والمستقبل يشدهما مصير واحد لانهما محكوم عليهما لضمان بقاء المجتمع وصيرورته أن يتناظرا ويتناقشا حتى يجدا الارضية المشتركة لدفع مجتمعات العالم الى العيش فى كنف السلم والطمأنينة والخلق . وقد ضم هذا المؤتمر كهولا وشبابا من بلدان عديدة ( 28 بلدا ) يمثلون حضارات وثقافات وأنظمة متعددة ومتباينة .

اجتمع كل هؤلاء وغايتهم مضبوطة فى ما حمله هذا المؤتمر من أهداف محددة اذ هو يرمى الى :

- تحليل أسباب الازمة التى يعيشها الشباب على أصعدة عديدة نفسانية وتربوية واجتماعية وأسرية ثم تحديد نظرة الاولياء تجاه ردود فعل الشباب .

- تقييم تأثير التطور الاجتماعى والتكنلوجى على هيكل الاسرة ووظيفتها والروابط التى تجمع أفرادها .

- تحديد دور الاولياء والاساتذة وغيرهم من المعنيين بالتربية والاسرة لمجابهة حاجات الشباب المستحدثة .

- الحوار حول طرق تربية الشباب والكهول وتكوينهم حتى يتلاءموا مع الواقع البشري والاجتماعى الجديد .

- تقوية شخصية الشبان حتى يختاروا مستقبلهم من خلال أنفسهم ويخلقوا فى أنفسهم حب العمل والتوق الى المستقبل والشعور بالمسؤولية ويكفوا عن اعتبار أنفسهم كائنات مهمشة . وكذلك تقوية شخصية الاولياء ليجدوا فى أنفسهم ما يمكنهم من القيام بدورهم والاضطلاع بمسؤوليتهم وتصحيح كل ما من شأنه أن لا يتلاءم مع تطور الشباب تطورا حقيقيا .

- بعث الهياكل والبرامج الكفيلة بنشأة حوار من نمط جديد بين الكهول والشباب والعمل على ايجاد تواصل تاريخى ومجتمعى شامل بين الاجيال والبحث عن ايجاد القوانين الكفيلة برعاية الشباب وضمان تطوره .

والغاية من كل هذا هو حث كل المشاركين فى المؤتمر على الاتفاق حول مشروع حضارى مستقبلى يمكن البشرية من الخروج من الازمات والحروب والمحن ولا يكون ذلك الا بتغيير الحاضر : حاضر الكهول وحاضر الشباب أى فى الواقع الانكباب على دعم الاسرة دعما واقعيا للخروج بها - من جراء ما أصابها - من تأثيرات عدة وهذا لا يكون الا بايجاد الحلول التى لا تعتمد

التواكل على الغير سواء كان هذا الغير هياكل أو مؤسسات بل على شعور الافراد بالمسؤولية واقدامهم على الاصلاح الجذرى الذى يحافظ على احترام المساواة فيما يخص هياكل الشباب والكهول والذى يدفع الى التفكير الجدي فى ايجاد توازن بين الظاهرة الاقتصادية والظاهرة الاجتماعية والذى لا ينسى القمسة العادلة بين المكاسب فى نطاق الجهد المبذول والاقتدار ، كل ذلك تحاشيا من تفشى الاستغلال والوصولية . وهذا لا يمكن أن يتم الا فى كنف الحوار لانه لا يكفى البحث فى المشاكل بتمش نوعى ومختص بل من (( الواجب الحث  على ايجاد الحوار والقيام ببحث من شأنه أن يجعلنا نظفر بالحلول وذلك بوضع الشباب والكهول بعضهم أمام بعض وحضهم على تبادل تجاربهم السابقة والنظر فى الوضع الحالى واستجلاء آفاق المستقبل . ويجب أن نتحاشى المجابهة عند ضبط المطالب بل الواجب يقتضى سد الفجوة الحاصلة بين الاجيال فى انعدام الحوار بين الاشخاص بعضهم مع بعض )) .

وكان المؤتمر بتنظيمه المحكم وباجتماعاته العامة ومحاضراته وورشاته فرصة للقاء بين شخصيات عديدة من مختلف القارات ومناسبة للخوض فى عدة مفاهيم ومشاكل وقضايا هى صلب حضارة اليوم علاوة على اهتمام الحكومة الفدرالية الكندية وحكومة (( الكيباك )) ،  بارسال وزراء لتتبع أشغال المؤتمر . فكان حقا مؤتمر الوفاق والنظرة المستقبلية الجديدة اذ مكن من بلورة عدة مشاكل تتعلق بالكهول والشباب وأوجد بينهم نوعا من الحوار المسؤول . ولكن المؤتمر أكد على موضوع هام وهو البحث عن الذاتية فى نطاق تعايش الثقافات وصيانة الذاتية سواء المتعلقة بالرجل أو المرأة بشعب ما أو ثقافة ما . وإن احترام الذاتية يؤدى فى الواقع الى البحث عن تنظيم جديد للعالم والنظر فى تحديد جديد للروابط التى يجب أن توجد بين الشعوب وهى متصلة أشد الاتصال بقضايا العالم اليوم الكبيرة وهى : السلم والتنمية والفاقة فى العالم سواء كانت الفاقة المتمثلة فى الجوع الضارب أطنابه فى كثير من بلدان العالم أو (( الفاقة الكبرى )) ، كما يسميها أبو العتاهية وهى هذا الجوع الروحانى والبطالة المعنوية أو كما سماها بعض المحاضرين : الروح العاطلة : ( L' ame en chomage )

وكانت محاضرتى تندرج فى صلب هذا الموضوع اذ هى تتناول : الثقافة كعامل تأصيل موضحا أن قضية الشعوب سواء المتقدمة أو التى فى طريق النمو وقضية الشباب والكهول والمرأة والرجل على السواء انما هى قضية ثقافية أى مرتبطة بحماية الذاتية ، والتأصيل والتجذير فى التاريخ والقيم والاسرة

والوطن ( * ) . وهذا هو العنصر البارز فى الواقع الذى خيم على كل المؤتمر واتفق عليه الجميع ، وهو الذى أبرزته سواء فى محاضرتى أو فى كلمتى فى افتتاح المؤتمر أو فى التدخلات العديدة والاستجوابات التلفزية والاذاعية والصحفية .

ألم يصدع بذلك العالم الانتروبولوجى (( ليفي ستراوس )) عندما حذر افريقيا من أن يصيبها ما أصاب العالم الاوربى عندما قطع الصلة بتاريخه وبنى مجتمعات على أساس أفكار مجردة وايديلوجيات ولهذا فليس من الغريب أن نجد الشبان فى هذا المؤتمر يرجعون الى القيم القديمة التقليدية : كفضيلة العمل والجهد والتجاوز وكالعائلة وهذا لا يتنافى مع ما آمن به الشباب من روح الخلق والخيال والتعاون والتضامن وهم يرفضون أن يكونوا من المحافظين الجدد بل ينشدون استقرارا فى الاسرة أساسه الروابط المنعشة بين الاشخاص ولكنها أسرة من الواجب أن تكون أكثر تفتحا وأبعد مساواة فيها يتقاسم الرجل والمرأة الادوار والاعمال والقرارات .

ثم إن المؤتمر لم يهمل ما يتخبط فيه العالم من أزمة اقتصادية وبطالة الشبان ( فى تونس اعتنينا بالموضوع واحدثنا برنامج تشغيل الشباب الذى هو ثورة وتجربة فريدة من نوعها يحق أن يطلع عليها الشباب فى العالم ) . وأدى هذا الى الدعوة الى نظام جديد اقتصادى واجتماعى وثقافى يحفظ التوازن بين الشعوب والافراد ، ويوجد مفهوما جديدا للانسان يكون بفضله الشباب والكهول قادرين على صنع عالم أكثر عدلا ومساواة وأقرب الى الاخوة وفى الاخير أحرص على التعاون لأن (( التعاون هو حنان الشعوب )) كما يقول (( برجس )) .

هذه حوصلة متواضعة لما تم فى هذا المؤتمر الذى ستعرض - بمساعدة من الامم المتحدة - أهم توصياته على الحكومات وفى تونس قد بدأنا التظاهرات والندوات المتصلة بالاحتفال بالسنة العالمية للشباب وقد قامت وستقوم التشكيلات الشبابية بعدة تظاهرات فى هذا السياق وأعدت وزارة الشؤون الثقافية برنامجا حافلا فى هذا الصدد حتى يتشبع كل التونسيين بهذه المعانى التى ذكرت والتى لا تخرج عن قيمنا ومبادئنا الاسلامية السمحة التى تربينا عليها فى تونس والخالية من العنف والتأزم والتطاحن والاوهام .

اشترك في نشرتنا البريدية