لا شك ان جميع التونسيين يدركون اليوم ان بلادهم تعيش ثورة كبرى جامحة شملت جميع الميادين الحيوية واخذت تأتي على مخلفات عصور الانحطاط العقائدية والفكرية وعلى التدهور الاجتماعى والتخلف الاقتصادى الذين اورثتهما ثلاثة ارباع قرن من الاستعمار الفرنسي البغيض ؛ بذلك شهد جميع الملاحظين الاحانب الذين زاروا بلادنا ، الاصدقاء منهم وغير الاصدقاء.
ولاشك ايضا ان خطوات شاسعة قد قطعناها منذ ان تكلل كفاح الشعب بالإستقلال السياسي ، في طريق التحرر العقلي والتحرر الثقافي والاجتماعي والاقتصادى بفضل وعي المواطنين والمواطنات وبفضل عمل الجماهير الكادحة الدائب وتكتل القوى الشعبية الحية المتجسمة فى الحزب الحزب الدستوري التونسي وكافة المنظمات القومية ؛ ومن الاخلاص للحق والاعتراف بالجميل لذويه ان نسجل ان الرجل الذى خلق هذا الوعى وغذي ولايزال - الحماس الشعبي وقاد - ولا يزال الثورة الكبرى انما هو قائد الحزب وزعيم الحركة الوطنية منذ اكثر من ربع قرن ورئيس الدولة المجاهد الحبيب بورقيبة وذلك باتصالاته المباشرة بالشعب وبخطبه الاسبوعية وبما ينفخه فى اعضاده وفى رجال الدولة والحزب والمنظمات القومية من حماس وروح الثقة والاخلاص والجسارة والتعقل فى آن واحد.
وان هذه الثورة الكبرى - لو تبينا خصائصها - لوجدناها جذرية عميقة لاتتناول القشور والمظاهر وانما تنفذ الى الصميم تعالجه وتتناول الواقع غير المرضى فتقلبه راسا على عقب ؛ انها تتجاوزا الحوادث والظواهر بأنواعها الى آلة التفكير نفسها فتسعى الى اصلاح ما افسدته العصور الغابرة والعقائد الخاطئة منها ، والى النفس ذاتها فتطهرها مما علق بها من امراض وأدران ، والى سلم القيم الموروث فتعيد فيه النظر وتلائم بينه وبين مقتضيات العصر الذي نحياه والبيئة التى نعيش فيها . وكما ان المعرفة الحق تبدأ يوم يشعر المرء بأنه لا يعرف شيئا فكذلك الثورة الاصيلة تندلع وتكتسح الميدان يوم يدرك اصحابها ان حياتهم لا ترضي وان معتقداتهم وثقافتهم واسلوب حياتهم وعلاقاتهم الاجتماعية وواقعهم الاقتصادى لا ترضى ؛ لذا جاءت ثورتنا الكبرى تدعو وتعتمد في ان واحد على الصدق والقوة على الصدق والصراحة واتصف رجال الثورة بالاخلاص للشعب ومجاهرته بالحقائق ولو كان بعضها مرا ، واجتنبوا التملق والديماغوجية المورثة للنفاق والتدهور فالفوضى والانحطاط
ان عاجلا ام آجلا . انهم يؤثرون الاصداع بالحق ولو اصطدم به بعض الذين طال سباتهم الفكرى فجمد عقلهم وتحجر وتصلب واصبح كالعود الميت جف منه النسغ فهو الى انكسار .
ومع ذلك فليست هذه الثورة الكبرى دامية ولا عنيفة ولامحمومة على نحو ما جرى او يجرى فى بعض البلدان الاخرى . انها تعتمد على الاقناع والتشاور ومقابلة الحجة بالحجة وتعتمد على العقل الحي النابض فتعمل على تنميته وصقله واشعاع انواره على كافة افراد الشعب حتى يروضوا النفس على التغلب على العاطفة والاهواء والتعصب . هى ثورة بشرية عميقة اصيلة صادقة سلمية تحترم الفرد وتؤمن بحريته وكرامته وتعمل على توفير الاسباب الحقيقية للحرية والكرامة.
وقد رأت مجلة " الفكر " وهي التى لانزال تستمد قوتها ورسالتها من هذه الامة الماجدة وتعمل خدمتها وازدهارها الثقافى والفكرى رأت ان تسجل بعض جوانب هذه الثورة وتحلل خصائصها وتشير الى اتجاهاتها مساهمة في العمل الجبار الذى يقوم به جميع التونسيين للنهوض بالبلاد .
وقد رات اسرتها ان تضع هذه الثورة فى اطارها الحقيقي من الناحية العقائدية والتاريخية والثقافية فجاءت المقالات مذكرة موحية محللة من غير ادعاء العصمة ولا الجواب الفصل وكل ما نرجوه هو اولا ان نكون سجلنا جانبا من ثورتنا الكبرى وعرفنا ببعض خصائصها وجوانبها وثانيا ان نكون دعونا ادباءنا ورجال الفكر والثقافة فى ربوعنا وفي كامل العالم العربي الاسلامي الى التفكير الجدى الصادق فى شؤون دارنا العقلية وفي المعطيات الثقافية والاجتماعية التى لاحياة ادبية مزدهرة من دون ازدهارها
ولعله مما يشرف مجلة الفكر ان يكون خامس اعدادها الممتازة لهذه السنة يصدر فى غرة جوان والامة التونسية تحتفل بحريتها واستقلالها وتواصل زحفها التاريخي الحثيث الى حياة العزة والكرامة .

