من المسائل الأدبية التى تفرض نفسها اليوم فى النوادى والمؤتمرات والدواوين الرسمية وغير الرسمية المعنية بشؤون الأدب والفكر وكثر الحديث حولها فى الأوساط التونسية هذه الأيام مسألة حياة الأديب نفسه ومنزلته فى المجتمع والعلاقة بين وظيفته كمواطن مسؤول عن قوته وقوت ذويه ووظيفته كأديب مطالب بأن ينتج ما تتوفر فيه الجودة والأصالة .
وأزاء هذه القضية ذهب الناس مذهبين : ينادى بعضهم بوجوب توظيف الأدباء من حيث هم ادباء حتى يتفرغوا إلى الانتاج وينصرفوا اليه بكليتهم لا يشغلهم عنه شاغل معنوى أو مادى ، كما هو الشأن فى البلدان الاشتراكية ، ويتمسك البعض الآخر بمبدأ الفصل التام بين حياة الأديب كمواطن وبين انتاجه كأديب حجتهم ان أروع الآثار الأدبية من أول الدهور الى اليوم لم تتوقف على ما كان مطلوبا من الدولة ان توفره للأدباء من رغد العيش بل ربما أوجدها ما كان يتاجح فى نفوس أصحابها من ألم أو يأس أوفتور أو نقمة وتمرد على المجتمعات الظالمة .
ونحن نعتقد أن مبدأ التوظيف أو التفرغ يناقض مبدأ الحرية التى هى ضرورية للخلق الأدبى ولا يمكن للشاعر أو القصاص أن يجهز له ديوان وأن يطلب منه أن يقرض شعرا أو يؤلف قصة أو مسرحية لأنه يكون اولا لا يتمتع بالجو المناسب للخلق الأدبى وهو من جنس الأعمال التى لا يمكن أن يقال لها كن فتكون ! ولأنه ثانيا يخشى اذا هو ولج بابا حراما أن يقطع عنه مورد عيشه .
الا أنه يمكن لنا فى تونس مع مراعاة مبدأ حرية الأديب المقدسة والاقتصاد فى تطبيق قاعدة التفرغ الأخذ بيد بعض أدبائنا المرموقين ممن جاهدوا فى سبيل الأدب واخلصوا له والتخفيف مما يرهق كاهلهم اليوم عند قيامهم بمهنة التعليم او الادارة وفسح المجال امامهم لا لينتجوا جديدا فحسب بل كذلك ليعيدوا النظر فيما انتجوه سابقا ولينظموه ويعدوه للطبع ، وهؤلاء أعلام معروفون سواء فى تونس العاصمة أو القيروان او سوسة او صفاقس .
ثم ان تخصيص الجوائز القيمة فى شتى أنواع الأدب والفن مشجع كبير لأدبائنا وما جائزة علم البلهوان التى رصدتها بلدية تونس العاصمة الا دليل على ذلك . فهل تفكر كتابة الدولة للشؤون الثقافية والاخبار فى هذا الصدد فى رصد جوائز للمسرحية وللبحوث الأدبية او التاريخية أو للدواوين الشعرية ، انها تكون بذلك ساهمت مساهمة فعلية ناجعة فى اعانة الأدباء على تجاوز مشاكلهم الخاصة والتوفيق بين مختلف واجباتهم وتكون قد وفرت لهم مع ذلك الحرية وعملت عملا صالحا للثقافة القومية فى هذه البلاد .
واذا ما اخذ بيد أدبائنا ورصدت لهم الجوائز ذات القيمة فان البلاد تكون قد وضعتهم امام مسؤولياتهم التاريخية . ان الجوائز والاعانات مجرد تشجيع ، للأدباء حق على الدولة فى توفيرها لهم ولكن للدولة والأمة حق عليهم فى أن ينتجوا انتاجا اصيلا عميقا مستلهما من واقع البلاد مستجيبا لما ينتظره الجيل الصاعد منهم . واذا عرف كل ما له وما عليه واضطلع بمسؤوليته فبشر تونس بنهضة ثقافية صحيحة .
الفكر

