عاشت تونس في الشهر المنصرم حدثا هاما فى حياتها المستقلة ، وقطعت مرحلة في سعيها إلى الإزدهار الشامل ، والكرامة الكاملة . ذلك ان رئيس الدولة وقع يوم 12 ماى قانونا يقضي باسترجاع جميع الأراضى التى على ملك المعمرين أو الشركات الأجنبية ، بعد ثلاث وثمانين سنة بالضبط من انتصاب الحماية المقيتة ، وفي الساعة ذاتها التى وقع فيها الصادق باي معاهد باردو ، وعلى المكتب نفسه .
وما الحفل الذي انتظم آنذاك ، وعم فيه البشر جميع الوجوه ، الا تعبير عن جلالة هذا الحدث ، وأثره الكبير في نفوس المواطنين ، وانعكاساته العظيمة على اقتصاد البلاد ، إذ أن الداء الذي كان ينخر جسم تونس طيلة عهد الاستعمار من التزام في معظمه هذه الأراضى التى اغتصبها المعمرون ، وجعلوها قاعدة لتعسفهم وتهجماتهم على أبناء البلاد .
فبهذا القانون اجتث من الأصل الداء الوبيل وطويت صفحة سوداء من حياة هذه الأرض الكريمة . وهي صفحة - بل صفحات - مليئة بالأحداث ، غريبة الأطوار ، من المفروض أن نعرض عنها ونقبل على الغد الأسعد الذي ينتظرنا ولكن عملنا لن يكون متصل الحلقات ، راسخ البنيان الا اذا التفتنا إلى هذا الماضي الذي عانى منه آباؤنا واخواننا قبلنا الويلات - نستخلص منه العبر ونوضح معالمه ونستكشف مظانه .
وهو عبء يحس يثقله المسؤولون على حظوظ هذه البلاد ، ويقدر خطره رجال الفكر والأدب الذين يشعرون بعظيم مسؤوليتهم أمام الأجيال الصاعده التى تحتاج الى مزيد من التأصل ، وفضل من رسوخ القدم بهذه الارض حتى يحبوها كانفسهم ، ويستمدوا منها قوتهم ، ويغذوا بها أرواحهم ، ويشعوا بفضلها على من حولهم ، وتكون لهم بمثابة نقطة الارتكاز التى منها ينطلقون ليلتقوا بالإنسانية جمعاء ويعانقوا البشرية فى أسمى ما تتحلى به من قيم وأعمق ما ترسمه لنفسها من آمال .
لذا فلم يبق للمؤرخين والقصاصين والشعراء وكتاب المسرحية ورجال الأدب جميعا الا ان ينكبوا على صفحات كتاب هذه الأرض تنقيبا ودرسا يستقصون اخباره ، ويتعمقون في مآسيه ، ويحلقون فى أجوائه الانسانية ، ويتمثلون مواقف أبطاله وضحاياه .
ولا نخالهم الا فاعلين

