يوم يظهر هذا العدد ، العدد التاسع من السنة العاشرة لمجلة الفكر ، تكون تونس محتفلة بعيدها القومى ، بالذكرى العاشرة لرجوع الرئيس الحبيب بورقيبة مظفرا من سجون الاستعمار الفرنسى ومنافيه ، بعد كفاح مرير دام ربع قرن .
عشر سنوات تمر منذ أن أوقفت عزيمة الشعب وحنكة الزعيم الفذ تيار الفرنسية ومسخ الذات ، وفرضت ارادة المكافحين الصادقين على " التاريخ " و " طبيعة الأشياء " أن تبقى هذه الأمة عربية اسلامية ، حرة كريمة ، تقرر مصيرها بنفسها ، وتساهم بقسطها في خدمة الانسانية ، واقرار الاخاء والوئام بين البشر !
عشر سنوات تمر بسرعة والشعب يبني ويشيد ، ملتفا حول قائده ، معتزا بحزبه ، واثقا من نفسه : شيد الدولة وجسم السيادة وبعث الجيش الوطني وأقام علاقات دبلوماسية مع الدول الشقيقة والصديقة ، وأسمع صوت تونس في المحافل الدولية على تنوعها وشتى اختصاصاتها ، وتونس الادارة وأجلى الجيوش الاجنبية عن تراب الوطن بعد كفاح وتضحيات غالية ، واسترجع كل الاراضى الزراعية الذي اتخذها الاستعمار مرتعا رمى فيه جذوره .
عشر سنوات تمر مسرعة ، وتونس لم تثبت وجودها فحسب ولا ركزت مقومات كيانها فقط ، بل هي تصدت ، في حماس خلاق وعزيمة لا تعرف الفشل ، الى التخلف تقاومه وتجتث أسبابه من الأساس كى يرتفع مستوى المواطنين وتنفتح بصائرهم وتتساوى فرص الحياة أمامهم وينبعث بذلك المجتمع الاشتراكي الفاضل الذى تطمح اليه .
عشر سنوات تمر ويحق لنا أن نفخر ونطمئن فى نفس الوقت على مستقبل هذه البلاد ، إذ تحرر فيها الفكر من كل القيود التى كبلته فى عصور الانحطاط وعهود الاستعمار ، وأطيح بجبروت التقليد وفاسد التقاليد ، فتحررت المرأة وعادت لها كرامتها كمواطنة ، وشيدت آلاف المعاهد العلمية للبنين والبنات فانفتحت أمام الاجيال الصاعدة أسباب الارتقاء إلى أرفع منازل العلم والعرفان وانتشرت الثقافة بكل فروعها وعمت المدن والارياف وارتفع بذلك مستوى الشعب بحيث أصبح أقدر عل ممارسة الديموقراطية وأقوى على الاضطلاع بمسؤولياته كاملة .
عشر سنوات تمر، ولا نكاد نجد الوقت للالتفات الى الوراء والنظر الى ما قطعناه من شاسع المراحل في طريق العزة والعظمة ، طالما نحن مهتمون بالمستقبل ، منشغلون عما أنجز ، بما يجب ان ينجز ، لا نتذوق الحياة الا اذا كانت كفاحا متواصلا وجهدا مستمرا ، ولا نتصور الكرامة الا فى قدرة الانسان على تغيير ما به ، والسيطرة على المادة وعلى الضعف ، وفرض القيم العليا التى هي عنوان شرف الانسان وقدسية الفكر .
وتونس سائرة الى الأمام ؛ والذكرى عبرة لمن يعتبر ! ولن ينسى التاريخ فضل الرجل الذى جسم أمانى أمته وعبر عن ارادة شعبه فكان فوزه فوز تونس ولا يزال ايمانه وقلبه الكبير هدى للأجيال الصاعدة .
