الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الفكر"

إلى القارىء، ، , العبرة من عبد النصر

Share

فى مثل هذا اليوم - غرة جوان - منذ تسعة عشر عاما عاد الى ارض الوطن مظفرا الرئيس الحبيب بورقيبة بعد سنوات طوال قضاها فى السجون والمنافى الفرنسية فكان ذلك تتويجا لجهاد طويل ورمز نجاح لخطة كفاحية سديدة وقيادة سياسية موفقة ، وكان ذلك كذلك جزاء عادلا ونصرا مبينا لصمود الجماهير الشعبية بالبلاد التونسية وتضحياتها الجسيمة واضطلاعها الواعي الناضج بتبعات مصيرها .

عندما تخلص الشعب من التواكل الألكن وقهر الخوف الأعمى وتحدى اليأس الأبكم فآمن بالفعل الحاسم واضطلع بالمسؤولية الواعية وأقدم على أن يصنع تاريخه بنفسه ، تفجرت طاقاته الكامنة فكسرت الأصفاد وأرست كيان الأمة وفرضته كأسطع وأقوى ما يكون ، فتلاشت خرافة الاستعمار الذي أوهمه خيلاؤه وأوحت له غطرسته بأن يقيم صرح إمبراطوريته على انقاض الشعوب التى تحالف عليها الناس والزمان لأنها سهت عن أمرها ونامت على صدى بنته من أمجاد .

وعندما دخل الشعب في محنته الثالثة ( * )  فجر 18 جانفى 1952 إذ ألقت السلط الاستعمارية القبض على رئيس الحزب المجاهد الاكبر الحبيب بورقيبة كانت تونس تواجه وحدها العملاق الفرنسى بل كانت تتحدى بمفردها الاستعمار في افريقيا قاطبة واستطاعت مع ذلك مناوءته ومغالبته حتى اضطر الى الإعتراف بسيادة البلاد التونسية والاعلان عن استقلالها ، فآنفتح الباب فى وجه معظم الشعوب الافريقية وتحرك بذلك التاريخ حركة سريعة فى آتجاه التحرر من العبودية والانطلاق نحو القيم الانسانية العليا .

وإن تحرر الجزء الأكبر من القارة السمراء منذ حوالى 15 سنة قد شد من أزر الشعوب الافريقية الخاضعة للهيمنة البرتغالية (**) فصمدت بدورها فى الكفاح وثابرت ولم تبال بوحشية القمع والتشريد والتقتيل حتى انهار الحكم الفاشى

الذي أقامه الطاغية سالازار منذ أربعين عاما تقريبا وحل حكم - يبدو - أكثر تفتحا على مقتضيات العصر إذ أعلن عزمه على منح هذه البلدان استقلالها . وتبقى افريقيا الجنوبية وروديزيا تحاولان وقف التيار التحرري وتأخير المحتوم الى أن تنزل عليهما الضربة الحاسمة ويثار الحق لنفسه منهما .

وها هى اسرائيل - هي الأخرى - لا تزال تؤمن بالمستحيل ، فتتمسك بقانون القوة ولا تعبأ بقوة القانون ، تتصامم عن نداءات الضمير العالمي وتتجاهل حقيقة الشعب الفلسطينى المسلوب وطنه ، المداسة كرامته ، وتتحدى كل المبادئ الانسانية التى أقام عليها العالم المتحضر أسس حضارته ، فلا تتردد فى تصعيد حرب الابادة ضد الشعب الفلسطينى ولا تتورع عن أن تمطر القرى العربية والمخيمات بوابل رصاصها وتهدى مئات الاطفال اللعب القاتلة والحلوى المسمومة وتفتك بالشيوخ والنساء ، كما فعلت مؤخرا فى مخيم النبطية وعين الحلوة وصيدا وضواحي بيروت . . . متناسبة أن إرادة الشعوب لا تدمر ، بل إن التضحيات والمحن تجعلها أشد صلابة وأطول نفسا وأكثر تجلدا وأقدر على رد الفعل .

وإن العبرة التى تستخلص - بمناسبة عيد النصر -من الثورة التونسية المظفرة والثورة الجزائرية المباركة وتحرر معظم شعوب افريقيا وآسيا والتحول الحاسم الذي طرأ فى مستوى العقليات والنفسيات وبآعتبار ميزان القوى فى الشرق الأوسط ، بعد ملحمة العبور ومعارك الحولان ، وتصاعد الثورة الفلسطينية الباسلة التى أخذت تقض مضاجع الصهاينة وتسفه احلامهم وتفضح غطرستهم الحاقدة ، هى أن العنف ضرورى عندما يكون الصراع من أجل الوجود ! وشرعى عندما يغالب عنفا مسخرا لدعم الاستعمار الصهيونى استيطانا وايديولوجيا واقتصاديا وثقافيا . . . والعنف حق ايضا عندما يواجه حربا إبادية ، وأخلاقا غابوية ، انكشفت طبيعتها النازية منذ مأساة ديرياسين خاصة

إن العنف من أجل القضية العادلة ، إذا ما سخرته الزعامة المخلصة للمبادئ والوفية لمطامح الجماهير الشرعية ، يؤثر في الواقع الإستعمارى ويضعضع أركانه ويأتى على معنويات مرتزقته ويخلق بذلك حركية جديدة تؤول حتما إلى دحر قوى الظلم والامبريالية ولو بعد أمد طويل وتضحيات جسام .

فالاستعمار الفرنسي والإنقليزى لو يتقهقر إلا عندما أقلعت الشعوب عن الكفاح الافلاطوني والمطالبة "المعقولة" والرصينة والاعتماد  على "ضمير الطرف المقابل " وظهر زعماء افذاذ جمعوا بين نور العقل وصرامة التحليل وحرارة الايمان وبين العمل الشجاع الذي يعرف كيف يجند الجماهير وينظم صفوفها ويقود نضالها الدامى بحكمة وشجاعة .

ولقد باركنا الثورة الفلسطينية منذ ظهورها عندما اعتمدت على طاقات الشعب الفلسطيني ورفضت شتى أنواع الوصايات ، ونحن اليوم نستوحى من عيد النصر وملحمة النضال التونسى الذي أطاح بالاستعمار الفرنسى بعد 75 سنة من الاحتلال ، معاني التفاؤل بمآل المعركة الضروس التى يخوضها اخواننا الفلسطينيون ، ونحييهم بهذه الباقة من القصائد والقصص المستوحاة من تمردهم على منزلتهم المفروضة وكفاحهم المستميت من أجل الحياة الحرة الكريمة ، والإيمان بأنهم أخذوا يعيشون تلك الايام الممتازة ، المكثفة بالطاقات والامكانيات ، تلك التى يقول عنها ماركس : "فى التطورات التاريخية الكبرى ليست عشرون سنة أكثر من يوم واحد ، مع أنه قد تأتى فيما بعد أيام تضم في أحشائها عشرين سنة ! " .

إن مآل الاستعمار الصهيونى الاندحار والانحسار لا محالة ، لأن الذى يغالب الحق ويتطاول على ارادة الشعوب عندما تستهدف الحياة الحق مثله كمثل من ينهش الصخر بأسنانه .

وإن من يطالع كتاب "ج. ك. فيبو" (*)  الذي ظهر منذ أسابيع قليلة بعنوان " أيام اسرائيل المزعجة " لن يشك فى ان الكيان الصهيونى دخل مرحلة "التخبطات" ، وتعرت متناقضاته الايديولوجية وعمت الحيرة شبابه ومثقفيه وحتى قادته العسكريين فأخذوا ينشرون غسيلهم على الملأ ، وانكشفت للعالم سوءاته ، وكأن المستقبل آنسد أمامه .

فليتصلب حكامه " التاريخيون " وليعبوا من نشوة غرورهم حتى الثمالة ، او فليغرسوا رؤوسهم فى الرمال حتى لا يبصروا هول غدهم ولا يسمعوا أنشودة الجماهير الزاحفة ، فلن يكونوا أوفر حظا ولا أطول عمرا من هتلر أو سالازار . . . وسيفرض التعايش العادل الحر نفسه بين كافة أهل الكتاب وبنى الأعمام في أرض فلسطين الحرة العزيزة المقدسة وسيرفرف علم الاخوة والتسامح والصداقة على ربى القدس .

تلك إرادة الفلسطينيين وكافة العرب وكل الاحرار فى العالم وهي منبثقة من مشيئة الله ومشيئة الله لا تغلب ، ولكم فى غرة جوان ، عبد النصر أحسن رمز وأفضل عبرة !

اشترك في نشرتنا البريدية