عندما نشهد اليوم فنون الثقافة التى أصبحت فى متناول الجماهير بسهولة تامة ويأسر الأثمان ، تستهلك استهلاكا وتتبخر فى الاذهان بالسرعة التى برزت بها نقول ما الذى حملته فى طياتها من قيم وماذا أولدته فى النفوس من مشاعر وأثارته فى العقول من أفكار وتخيلات ؟
أليست الصورة فى السينما والتلفزة ، وطريقة الإخراج فى المسرحية ودرجة التعقيد فى الرسم والوظيفية فى المعمار وغيرها هى التى غلبت على الفنون وطمست عن الناظر والمستمع الغاية التى من أجلها صنعت يد الخلاق وأفرز ذهنه هذه الخوارق الانسانية .
لقد باتت القيم والافكار والمعانى الانسانية التى أراد تحميلها الخلاق لأثره فى الدرجة الثانية وأخذت بالألباب صور العنف الهدام من حيث أريد التنديد به واستملح القبح والبشاعة والدمامة حينما قصد استقباحها واستبلد الذهن لمشاهد الفقر وتصاريف الجوع وأطوار المرض من حيث رام الجامع لها إثارة المشاعر وتوجيه العواطف حتى تزال من وجه العالم هذه الآثار .
إن العالم العصرى بقدر ما تقدم فى الظاهر وأعطى الانسان يوميا وسائل جبارة لتدبر أمره ووعى كيانه حجب عنه القيم الخالدة التى بها اكتسب انسانيته والمعانى السامية التى طوى بها أطوار التخلف وأزال عن طريقها رواسب الانحطاط فأصبح العنف الذى يلجأ اليه لاسترداد حقوقه والوسيلة التى بها يضطر الى الدفاع عن وجوده غاية فى حد ذاتها تستهويه فتعمى بصيرته ويجند قواه فى سبيلها عمره كله فتأخذه دوامتها ويصيبه الدوار الكامل .
وأصبحت المطالبة بحقوق الفرد لاكتمال ذاته وإضفاء السعادة عليه وتبصيره بما فقده العصور تلو العصور من حرية وكرامة وعزة سبيلا الى بعث الشقاء فى نفسه وإثارة الأهواء وتغليب التهم المتناهى على عقله ومداركه لا يصده صاد ولا يكبح جماحه كابح معرضا بذلك حقوقه الى الضياع ودافعا المجتمع ليأكل نفسه بنفسه ويتناحر بعضه مع بعضه حتى كفاح الشعوب من أجل حريتها اختلطت فيها السبل إذ كان الحد بين الظالم والمظلوم والغالب والمغلوب واضحا للعيان فأصبح اليوم مظلوم البارحة ظالما فى الغد والمهزوم هازما .
انظر كيف اختلطت السبل فى أنغولا وتشابكت المفاهيم فى لبنان وتصارعت الاهواء فى اسرائيل وتناحرت الاحزاب فى ايطاليا ونسى الناس فى كل هذا قضايا الحرية والعدالة أو على الاقل احتلت المرتبة الثانية من مشاغلهم وأخذت جهودهم وقواهم مشاكل اخرى يتلهون بها وفتن ودماء يزجون بها تلاحق الدهور كما كانت تفعل الآلهة عند الاغريق أو الرومان فى مسارحهم .
كل هذا لأن العقل البشرى الجبار أعطى وسائل كبيرة استغلها بعض الساسة وجبابرة العالم لخدمة اغراض الهيمنة والتجبر والاستغلال سواء موجهة الى الشعوب أو الى الافراد وطغت أصواتهم وأساليبهم ونظرياتهم على الجميع وأصبح الناس لا يسمعون صوت الحق والعدل والحرية من أفواه الانبياء كما كان ذلك فى قديم الزمان ولا من المفكرين والادباء الكبار مثلما كان الشأن فى أول هذا القرن الى نصفه بل أين الاصوات من هذا القبيل اليوم ؟ هى ليست خافتة فى حد ذاتها لان من الشعراء والروائيين والفنانين من لا يقلون خطرا عن سابقيهم يصرخون ولا من مجيب ويكتبون فتكيف أدبهم الوسائل الفنية والتقنية وتحجب عن الناس غرضهم الاصلى والقيم التى من أجلها ألفوا وخلقوا .
حتى فى الادب فان آلافا من الكتب وطاقات فكرية جبارة انصرفت الى النظر فى الاشكال وتقنينها وإفناء العمر فى الحروف والرجوع الى نوع من رموز
