الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "المنهل"

إيران في عهد الدولة القاجارية

Share

حرب بوشهر والاستيلاء على جزيرة خارك

كانت الحكومة البريطانية في الهند تعتمد في سياستها الاستعمارية لدولة ايران على عنصر المبادرة ووضع السلطات الحاكمة في ايران امام الامر الواقع بحيث تجبرها بذلك على تنفيذ رغبات بريطانيا الظالمة .

ففي سنة ١٢٧٣ ه - ١٨٥٦ م وقبل ان تتمكن القوات الإيرانية من الاستيلاء على مدينة هرات في عهد ناصر الدين شاه كانت حكومة الهند البريطانية تتخذ الترتيبات اللازمة للاستيلاء على الموانئ الايرانية على الخليج الفارسي ، وربما كانت بريطانيا تنوى الاستيلاء على تلك الموانئ ولو لم تهدد ايران بالاستيلاء على هرات اما وقد استولت القوات الايرانية بالفعل على بعض المناطق الافغانستانية فقد وجدتها بريطانيا حجة لتبرير استيلائها على تلك الموانئ ، وكان الاسطول البريطاني قد ابحر من قواعده في ميناء بمبي متجها الى الموانئ الايرانية على الخليج . وكان معظم القوات البريطانية ، من الهنود وبعض البريطانيين . وبعد شهر من الاستعداد من قبل بريطانيا لغزو الموانئ الايرانية بعث الحاكم البريطانى العام في الهند الى السفير الايرانى لدى الامبراطورية العثمانية فرح خان مذكرة انذار تشتمل على النقاط الآتية :

١ - يجب على ايران أن تسحب جميع قواتها العسكرية من مدينة هرات ، وان تعوض الامراء المحلين في افغانستان عن الخسائر التي لحقت بهم على يد

٢ - يجب على ايران ان تقوم بإجراء اتفاق مع بريطانيا تتعهد فيه بانها متنازلة عن كل مطالبها فى الاراضى الافغانستانية ، كما ان عليها أن تتعهد بعدم التدخل في شؤون افغانستان الداخلية . وان تعترف رسميا باستقلال افغانستان . وان أى اختلاف يقع في المستقبل بين ايران وافاتستان فان بريطانيا ستكون هي المتحدثة الرسمية باسم افغانستان ، وعليه فعلى ايران احالة مشاكلها مع افغانستان الى الحكومة البريطانية للبت فيها .

٣ - يجب على ايران ان تقوم بعقد اتفاقية تجارية مع بريطانيا ، وان تسعى لازالة الخلافات التى نشأت بينها وبين بريطانيا ، وان تسمح لبريطانيا بافتتاح قنصليات في أى جزء من ايران تريد بريطانيا .

٤ - يجب على الحكومة الايرانية المسارعة في دفع جميع الالتزامات المالية المستحقة عليها للرعايا البريطانيين دون ابطاء . وان تسارع بالبت في القضايا المعلقة بينها وبين الرعايا البريطانيين .

٥ - على الحكومة الايرانية ان تسارع الى عقد معاهدة صداقة وحسن جوار مع امام مسقط بشأن ميناء عباس ( على الخليج ) لان الامام صديق وفي لبريطانيا .

٦ - يجب على شاه ايران اعفاء رئيس وزرائه الحالي من منصبه ، لان تصرفاته الحمقاء قد ادت الى تعكير العلاقات الودية بيني بريطانيا وايران . وتعيين رئيس للوزراء يستطيع المحافظة على العلاقات البريطانية

وبعد ان اخلت القوات الايرانية المناطق الافغانستانية التي كانت قد احلتها بالقوة ، ووافقت ايران على الشروط البريطانية المذكورة عاليه . وفاق السفير البريطاني على العودة الى طهران ، واستقبل استقبال الفاتحين . وتعهدت بريطانيا بتخلية الموانىء الايرانية في الخليج بعد ستة اشهر من عودة سفيرها جون ماكنيل إلى طهران .

وبعد ان تسلم فرح خان السفير الايراني في اسطنبول الانذار البريطانى بوقت قصير وصلت الانباء باحتلال القوات البريطانية لموانئ ايران على الخليج ، وقد قبل فرح خان الشروط البريطانية التى جاءت في الانذار ، الا انه عارض في رغبة بريطانيا في استقبال سفيرها في طهران بإطلاق واحدة وعشرين طلقة مدفعية ،

وقال ان تلك التشريعات خاصة في القانون الايرانى باستقبال الملوك ورؤساء الدول ، كما أخبر فرح خان السفير البريطاني في اسطنبول ان موضوع عزل رئيس الوزارة الايرانية كما جاء في الانذار يعتبر من القضايا الحساسة جدا والتى ربما حملت الحكومة الايرانية على رفض المذكرة البريطانية من أساسها ، وقد ظلت المحادثات بين السفيرين البريطاني والايرانى فى اسطنبول فترة من الزمن ولكنهما لم يصلا الى نتيجة مرضية .

لقد اعتادت بريطانيا ان تضغط على ايران عن طريق الحاكم البريطانى العام فى الهند ، فما كادت الانذارات البريطانية تصل إلى السلطات الايرانية في طهران الا بعد خراب البصرة . فقد أغرقت القوات البريطانية سواحل الخليج الفارسي بوابل من رصاص بوارجها الحربية ، واحتلت جزيرة خارك وميناء بوشهر .

وعندما وصل الانذار البريطاني الى ناصر الدين شاه القاجاري قال كلمته الشهيرة : " تريد بريطانيا ان تسلبنا كل شئ ولكن لسنا على استعداد لتقبل الاهانة الى هذه الدرجة . "

وقد عززت القوات البريطانية في الموانئ الايرانية بقوات اخرى بقيادة السير جيمس اوترام وبعض القادة البريطانيين مثل الجنرال هيولاك . . وكانت القسوة

الاولى التى غزت موانئ الجنوب مكونة من الف ومانتي رجل من رجال المدفعية وثلاثة آلاف وسبعمائة جندى هندى ، كما وصلت امدادات عسكرية اخرى قواعدها ثلاثة آلاف وسبعمائة جندى آخر ، كما قامت السفن الحربية بايصال عدد آخر من الجنود الهنود الى السواحل الايرانية .

كان حاكم عام الموانئ الايرانية في ذلك الوقت هو الميرزا حسن على خان ، ولكن يبدو انه لم يكن على شئ من الكفاية والتدبير فعلى الرغم من المساعدات التى جاءته من رجال القبائل الاشداء من منطقة تنكستان وجاه كوتاهى ، ورغم تطوع عدد كبير من سكان الجنوب للدفاع عن وطنهم حتى الموت ، الا ان الحاكم جبن عن الوقوف امام القوات البريطانية .

وصلت الى الجنوب قوات عسكرية قادمة من طهران بقيادة الميرزا محمد خان القاجاري قوامها خمسة عشر الف جندى وانضمت الى الحامية الايرانية في ميناء بوشهر ، ونشبت بين القوات البريطانية والايرانية حرب رابعة في شوارع بوشهر ظلت أربعون يوما ولكن القوات الايرانية الرسمية والمتطوعة لم تستطع مقاومة آلات الدمار الحديثة التى كانت تستعملها القوات البريطانية فسقطت المدينة الباسلة في يد بريطانيا في الرابع من شهر مارس سنة ١٨٥٧ م - السادس والعشرين من شهر جمادي الاولى سنة ١٢٧٣ ه .

وها نحن ننقل اقوال المؤرخين المعاصرين ايرانيين واجانب حول معارك الجنوب . يقول الكابتن هنت في كتابه ( الحروب البريطانية الايرانية في الخليج ) : كان حاكم بوشهر في ذلك الوقت حسن على خان بيكي وكما هو مذكور في تاريخ ( روضة الصفاي ناصري ) فقد كانت بينه وبين زعماء عشائر التنكستان الجنوبية كدورة وخصومة ، مع كل ما قدمته تلك العشائر من تضحيات فقد قاومت الغزو البريطاني لموانئ الخليج بكل ما لديها من قوة ، ورغم تفاوت السلاح البريطاني الحديث المدمر وبنادقهم القديمة التى تشعل بالفتيل ،

فقد قام كل من بافر خان التنكستاني والشيخ حسين جاه كوتاهي من زعماء عشائر التنكستان بأدوار بطولية فى الحروب البريطانية الايرانية في الخليج ، وخاصة

أحمد خان بن باقر خان ذلك الشاب التنكستاني الذي كان يتقد حماسة ، فقد تمكن مع مجموعة صغيرة من المحاربين من قتل سبعمائة واربعين جنديا من القوات البريطانية ، فقد روى لنا صاحب كتاب ( الوطنيون ) ان القنصل البريطاني في ميناء بوشهر بعث برسالة إلى احمد خان التنكستانى يؤنبه فيها على تصديه للقوات البريطانية ، ويخوفه ورفاقه بطش البريطانيين فرد عليه أحمد خان في بيتين من الشعر الفارسي خلاصتهما :

اني أنا أحمد قائد الشباب التنكستانى الجرئ ، اني ورفاقي لا نخشى الموت ، فرغم قواتكم الكبيرة سوف نقاومكم . . فنحن لا نخاف ولا نخشى جنودكم الدخلاء في أرضنا ، رغم الامدادات المتوالية التى تصلكم عبر البحر " .

وحلت الهزيمة في النهاية بأفراد المقاومة الشعبية من قبائل التنكستان ، وفر باقر خان التتكستاني الى مدينة برازجان ، وظل ابنه أحمد خان والشيخ حسين جاه كوتاسى يقاومان قوات الاحتلال بعد سقوط

ميناء بوشهر . ثم ألقى القبض عليهما وأعدمتهما السلطات البريطانية بطريقة وحشية .

أما المصادر التاريخية الايرانية فانها تحدثنا عن قصة الحرب فى الجنوب بشكل آخر خلاضته : ان السير جونزر القنصل البريطاني في ميناء بوشهر ذهب إلى حاكم المدينة حسن على خان يبكى واخبره بأن السلطات الايرانية غير راغبة في بقائه ( بقاء القنصل ) في الميناء . وانه يريد ايداع بعض الاموال والاثات الخاص به امانة لدى الحاكم الايرانى . فأمر الحاكم ان تسجل الاموال والاثاث في ورقة وعطى القنصل البريطاني ايصالا بذلك .

وما ان غادر السير جونز المدينة حتى أخذت قطع الاسطول البريطانى تتوافد على ميناء بوشهر منذ أوائل ربيع الاول ولم يكد يهل ربيع الثاني حتى كان فى الميناء ثلاثون قطعة حربية من قطع الاسطول البريطاني . ومع أن ايران لم تكن في حالة حرب مع بريطانيا الا ان الموانى الجنوبية التابعة لايران على الخليج الفارسي كانت غاصة يقطع الاسطول البريطاني

اشترك في نشرتنا البريدية