الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الفكر"

اتجاهات الشعر التونسي الحديث

Share

       -3-

الشعر واعلان الاستقلال :

لعل ندور الشعر القومى فى ديوان الادب التونسى الحديث قبل استقلال تونس كان من اهم اسبابه تلك القيود التى فرضت على الشاعر فى عهد الحمارية فكبلت قريحته ، وكفت من غربه ، وحدت من حماسه للموضوعات الوطنية,

وجعلت انتاجه فى هاته الناحية معدوما او شبه المعدوم . . ذلك ان الشاعر التونسى كان لا يجد الحرية التى تمكنه من النشر فى المجلات والصحف المكبلة اولا يجد الحرية الشخصية التى تمكنه من الجهر بارائه او طبع آثاره بطابع وطنى ثورى دون ان يناله اذى فى شخصه او فى معاشه . لذلك بقى الشعر القومى نادرا او هزيلا وبقى الشاعر التونسى فى هاته الناحية مسبوقا اذا قارنا انتاجه بانتاج شعراء العربية المعاصرين فى الشرق - واذا استثنينا شعر الشابى فى الوطنية والاشادة بالحرية والدعوة للثورة وهو شعر نشر فى فترة

تسامح نسبية وكانت الدعوة فيه مقنعة لا توجه على سبيل التعيين فاننا نرى شعر الوطنية والسياسة ظل رازحا تحت وطاة حالة الحصار التى اعلنت عقب حوادث 9 افريل 1938 - واستمرت قائمة ما يزيد عن العشر سنوات - ويجب ان لا ننسى العنت والارهاق الذي لقيه المفكر التونسى من جراء انتصاب الرقابة على الصحف والنشريات فى فترات طويلة بغيضة صرفت الكثيرين عن قول الشعر فى الاغراض القومية او الجأتهم الى واد انتاجهم فبقى محتجبا لا يرى النور

على ان الشعر التونسى حين احس برفع القيود التى كانت تكبله انطلق من عقاله ، وهب يشارك فى الحياة القومية ويسجل كفاح تونس فى كافة الميادين ويمجد ابطالها ويرثى شهداءها ويخلد المعارك التى خاضها الشعب وقادته مع الاستعمار المتحضر

وقد عرضنا نماذج مما قيل فى معركة التحرير وسنعرض مواقف اخرى للشعر التونسى الحديث ازاء المشاكل والاحداث التى جدت بعد الاستقلال ، ولكننا قبل عرض هاته المواقف نريد ان نقف برهة لنرى وحى هذا الاستقلال وصداه فى شعر شعرائنا . فالاستقلال حدث عظيم مرتجى . حدث هز النفوس

هزا وحرك المشاعر فى النفوس الشاعرة وغير الشاعرة فبعث فيها النخوة والاعتزاز والانتصار ، واثار فيها الامل والحماس والفخار . وقد احتفلت تونس بعيد استقلالها الاول احتفالا رائعا شارك فيه ضيوف من كل اصقاع الدنيا. وشاء فخامه الرئيس ان يشرف الشعر فى ذلك اليوم الاغر فرصد جائزة سنية لاحسن القصائد التى تنظم فى موضوع الاستقلال

فما هى قيمة هذا الشعر الذى اوحاه الاستقلال لشعر ائنا ؟

نقول بكل صراحة ان القصائد الست التى نجحت فى المباراة كانت انتصارا للشعراء التقليديين الذين كانت ميزتهم الاولى والاخيرة المحافظة على الاوزان والقوافى الكلاسيكية والتعبيرات الفخمة الجارية على سنن الشعر القديم وقوالبه المالوفة . وقد كنا نظن اننا تجاوزنا عهد الشعر التقليدى ودفناه مع الرصافى وعبد المحسن الكاظمى والبارودى . واننا اجتزنا المرحلة الرومانتيكية مع الشابى وسعيد ابى بكر واشرفنا على مرحلة الشعر الفنى الذى تكون كل كلمة فيه قد وضعت لغرض ايحائى او تكون محملة بشحنة شعورية صادقة تترجم عن حالة نفسية او صورة شعرية بارعة تدل على عمق النظرة وسعة الخيال ، او تعبير جديد مبتكر يبرز شخصية الشاعر . فاذا بنا نرجع القهقرى الى الشعر الذى لا يحمل من الخصائص والمميزات الا هذا التفخيم المجلجل ، والجزالة البدوية ، او هذا الاسلوب التقريرى الفاثر الذى لا يبعث فى النفس حماسا ،

ولا يلهب فيها عاطفة ويترك فيها صدى وتاثيرا . فكانما هو مقال منظوم او خطبة مسجوعة . على ان هناك عيبا عاما يسيطر على تلك القصائد وهو فقدان الوحدة فى الموضوع . فرغم ان تلك القصائد قد قيلت فى غرض معين وهو تمجيد (( الاستقلال )) فانه ليعسر عليك ان تقتطع منها ابياتا يكون الكلام فيها حديثا عن الاستقلال خاصة ، وعن الآفاق التى يفتحها فى مستقبل الامة .بل هى اشبه شىء بالخواطر المنظومة تدور حول اشتات من المعانى كادت تكون بعدد الابيات ، فهى معان يدعو بعضها بعضا لا وحدة فيها . ولا تركيز لافكارها ، ولا استقلال ذاتيا لمقاصدها

فالقصيد الفائز بالجائزة الاولى يحوى واحدا وثمانين بيتا ولكن الحديث عن الاستقلال فيه وهو موضوع القصيد - لا يوجد الا فى ابيات قليلة ليس فيها ما يلفت النظر سوى افراط الشاعر فى استعمال الالفاظ التى ترد بكثرة فى الصحف - وهاك بعضها :

يا عيد تونس فى ريعان فرحتها

                     والحظ فى لوحة الايام مرتسم

وجيلها الصاعد الوثاب منصرف

                      لبعثها امة بالعصر تنسجم

لئن تبارت شعوب فى حفاوتها

                     بالذكريات وحيت عيدها الامم

فسوف تحفل فى عز وفى شمم

                      بيومك الخالد الغالى وتستهم

وفى الشعور بما توحى المواقف من

                        مجد تماوج فى اعطافه الشمم

تطاول وتحد للشعوب وقد

                  كبت سوابقها وانفكت  اللجم (1)

ونورد مثالا على فقدان الوحدة فى هذا القصيد قول الشاعر فى ابيات متوالية

وكافح الشعب طورا بالسلاح وبالام

                   - داد طورا-  وكان البذل والكرم

وثورة الشعب من اعراض غضبته

              للحريات . اذا حيكت لها التهم

 وهي البطولة ما قدمت عن كرم

                      من تضحيات ، وما جادت به الهمم

والنصر بالحزم والاقدام مرتهن

                     لا يحرز الشوط من زلت به القدم

والخلد للشهدا ، والمجد للوطن الغا

                      لى الابى وللحرية العظم

فى موكب النصر والاعلام خافقة

                    والشعب فى غمرة الافراح مدغم (2)

فهذه ابيات ستة تناولت على الاقل ستة اغراض كل بيت فيها يصلح لان يكون موضوع قصيدة مستقلا بذاته . ويمتاز القصيد الفائز بالجائزة الثانية زيادة عن المئاخذ العامة التى اخذناها على القصائد كلها بهذا الفتور الشائع فيه فهو لا يلهب حماسا ولا يحرك شعورا

بل ربما بعث فى النفس السامة والملل وانظر الى هاته (( الاوامر )) التى يصدرها الشاعر فى مخاطبته لتونس بينما هو يبقى خارج المجال كانه ليس منها وليست منه . يقول لتونس :

قومى لتخليد ذكرى كل من بذلوا

                  ارواحهم ليعيش الكل فى نعم

ومجدى قائد التحرير وافتخرى

                        بمن به قد تباهى المحفل الاممى

وشيدى للحمى مستقبلا بهجا

                       وجددى دولة للمجد والكرم

وواصلى السير فالتحرير غايته  

                     بداية لانطلاق العزم والهمم  (3)

وتمتاز القصيدة الفائزة بالجائزة الثالثة بضعف ظاهر فى التعبير وسقم فى الاوزان وسذاجة فى المعانى

وصاحب القصيدة الفائزة بالجائزة الرابعة يؤثر الجزالة على حساب الطبع ويفضل اللفظة المعرقة فى البداوة على اللفظة المعبرة الموحية بالمعنى المبتكر . . استمع الى هذه الابيات :

فكم جبت آفاقا وكم خضت لجة

                  وكم جزت وعرا لم تهلك هواجله

بعثت به الجيش اللهام مدججا

                 كان المنايا الفاجعات جحافله

يظل صناديد الرجال قتامه

            وتكشف عن اسد ضوار قساطله

كانى (( بحنيبعل )) بين صفوفه

           وقد اشرعت زرق الحراب عواسله ( 4 )

ومن الشعر الذى قيل لتحية عيد الاستقلال الاول والذي لا ندرى هل شارك به اصحابه فى المباراة الشعرية ام لا قصيدان جميلان نشرا بمجلة الفكر فى عدد افريل سنة 1957 اولهما لمصطفى خريف جاء فيه هاته الابيات العامرة :

يا بلادى يا بلادى حدثى

             عن بطولات مدى الايام تذكر

واكتبى فى جبهة الشمس لنا

             قصة تروى وتاريخا يسطر

عن اباء الضيم ، عن عشق العلى

                 عن هوى الحرية الحمراء يؤثر

عن جهاد دموى باسل  

                 ضربت امثاله فى كل معشر

سار فى الناس حديثا شائعا

             يبعث الروعة فيمن يتدبر

عن رجال ملاءوا الدنيا بما

               لم يسجل فى كتاب منذ اعصر

أنفوا الذلة فى اوطانهم

               ففدوها بالدم الغالى المطهر

صمدوا للبغى فاندك بهم

               كهشيم بدد ، تذروه صرصر

يا دم الاحرار ، قدست دما

                ولك الرضوان والذكر المعطر

ولا ينسى مصطفى خريف الاخت الجزائر فى يوم فرحة تونس فيحيى جهادها بهاته الابيات الحرى :

هذه البيضاء تشكو بغيه (5)

               وهى جرح من دم المغرب يقطر

كلما مر بذكرى طيفها

            هاج فى الحس شجونا لا تعبر

وبدا كل مذاق - عندها -

                   ذا مرارات . بلا طعم مكدر.

جاش ما بين ضلوعى جاحم

                كلهيب الاطلس الآشب يزفر(6)

والقصيد الثانى لاحمد اللغمانى - وهو قصيد من الشعر الحر - بعنوان ((عشرون مارس )) يحيى فيه كذلك عيد الاستقلال الاول . وجاء فى الفقرات الاولى من هذا القصيد المطول قول الشاعر :

اشرقت ضحاك السنى

              ومسحت ادران الدجى

وحملت للمهج الحوال  

                       م فى تبلجك المنى

تلك المنى - يا طالما لعبت بنا

                    رانت لنا بعد الجماح واقبلت بعد القلى

يوم الرجاء

يا محيى الهمم الذوابل - يا ربيع الكبرياء

يا باعث الحق المجندل من سراديب الفناء

يا معولا خرت لنفرته صروح الظلم ، ياسيف القضاء

يا ساقى المهج الظماء

            من سلسبيل العز ، من نبع الاباء

انا ولدنا فى ضحاك مع الرجاء . . .

             فالامس قبلك لم يكن الا هباء(7)

فمن رجع الى هذا القصيد تبين له ما نعنى بوحدة الموضوع وباللفظة الموحية المكونة للجو العاطفى . واننا لنفضل هذا القصيد - على ما فيه من تحرر من الوزن الموحد - على كثير من تلك القصائد التقليدية التى يصح فيها المثل: (( اسمع جعجعة ولا ارى طحنا )) او قول ابى العلاء فى شعر ابن هانى : (( كالرحى تطحن قرونا ))

الشعر واعلان الجمهورية

فى يوم الخامس والعشرين من شهر جويلية 1957 اعلن نواب الشعب المجتمعون فى قاعة العرش الحسينى بقصر باردو سقوط النظام الملكى بتونس وقيام النظام الجمهورى مكانه وانتخبوا زعيم الامة وقائد الكفاح اول رئيس لهاته الجمهورية

لقد كان ميلاد الجمهورية بتونس لاول مرة فى تاريخها الطويل الملىء بالاحداث حدثا ضخما يشبه المعجزات ، ذلك ان النظام الجمهورى كان حلما جميلا يراود اخيلتنا منذ الشباب وكنا لا نرى الطريق الى تحقيقه فهذا نظام الحماية العتيد جاثم على صدر الامة لا يزداد مع الايام الا رسوخا وتمكنا ، وهذا العرش الحسينى يعتمد على قوة المحتل وحرابه ليضمن لنفسه البقاء والتاييد . وقد كانت الاسرة المالكة تعرف انه لولا حماية الغاصب لما بقيت قائمة الذات طاعمة

كاسية ، كما ان المحتل كان يعرف كيف يستخدم هذا الوضع ليفتك كل يوم ما ابقاه من مظاهر السيادة التونسية للتمويه والخداع ولم يكن النظام الملكى بتونس يمت الى الامة بسبب من الاسباب ولم تكن تصله بها اية وشيجة من الوشائج او رابطة تربطه بالامها وآمالها بل كان كثيرا ما يزيد هاته الآلام بما يغنمه لنفسه من الامتيازات والمتع الفاضحة ولم يعترف القصر بالحركة القومية اعترافا اساسه النفاق والخديعة الا بعد ان قوى ساعد هاته الحركة وامتد سلطانها على النفوس وبعد ان علم كل الناس ان هاته الحركة الوطنية هى قوة الغد ، وان الاستمرار على تجاهلها او العمل على معاكستها لهو من الحماقة بمكان ... وهكذا كان سقوط الملكية بتونس يشبه سقوط الثمرة الناضجة وحق عليها قوله تعالى.

(( كذلك واورثناهاقوما آخرين فما بكت عليهم السماء والارض وما كانوا منظرين ))

فلا عجب ان نرى الشعر يحتفل بهذا الحدث المرتجى وان يشيد بقيام هاته الجمهورية الفتية ويستوحى من اعلانها شعرا يفيض بالبهجة والفرح ويغذى حماس الجماهير . ويبعث فيهم النخوة والاعتزاز

فاذا استعرضنا ما قيل من الشعر عند ميلاد الجمهورية وفى اعيادها نراه مختلف النواحى والازمان فهناك قصائد قيلت اثر اعلان الجمهورية واخرى قيلت فى ذكراها الاولى او الثانية .

فهذا منور صماح يحيى الشعب بفرح عيد ميلاد الجمهورية فيقول :

فمرحى ايها الشعب المفدى

                   فان الامر امرك لا يرد

لنا الدستور والشورى منا

                    ومنا زعيم قائد فى المجد فرد

ويحيى الزعيم الذى اراحنا من (( الحضرة العلية )) :

زعيم قد ازال هوان شعب

             وقبلا كان يضطهد الرعية

فامسى داحضا - يا ليت شعرى - فهل اغنته حضرته العلية (8) ومحمد الصالح الشتوى من شعراء العكاظية يرى ان اعلان الجمهورية بدء عهد جديد فيقول مبشرا به :

رعاك الله من عهد سعيد

               به الخضراء فى ثوب جديد :

محا ما كان من صفحات ظلم

                 وخط مكانها ازكى البنود

ثم يحيى الجمهورية الوليدة بقوله :

اجمهورية الخضراء دومى

             على العهد المقدس لا تحيدى

اجمهورية الخضراء انا

           نؤدى كلنا قسم الجنود (9)

ومحمد بن حميدة من شعراء (( العكاظية )) ايضا يرى موكب الرئيس الفخم يمر بشوارع المدينة اثر انتخابه لمهام الرئاسة ويسمع هتاف الشعب البالغ عنان السماء فيخطر له هذا الشعر.

بوركت صغت من الهباء رجالا

                   وجعلت منى شاعرا مقوالا  

ورددت رايتنا علينا حرة

               وفككت عن اعناقنا الاغلالا (10)

اما محمود الباجى فان اعلان الجمهورية بقاعة العرش يوحى له بذكريات اليمة ويعيد لذاكرته صورا مخزية كانت تجرى فى تلك القاعة التى اسماها (( بيت الطغاة ))

فى قاعة العرش نادى الشعب منتقما

                         من المهانة والاذلال والرهق

فى قاعة العرش انى اهدرت قيم

                          وعاش عهد من التقديس والملق

بيت الطغاة غزاه الشعب مبتسما

                    وكان ياتيه فى خوف وفى فرق (11)

ومن غرر القصائد التى قيلت فى الذكرى الاولى لعيد الجمهورية قصيد بهيج للشاعر احمد مختار الوزير وصف فيه حالة الامة بالامس فقال :

كانت تمرغ بالعرا عطشا - ويحرقها لظاه

البؤس ينهشها  ويقرحها قروحا مخلباه

ولكم ترمضها بما يوهى ، فما اقسى عداه

لو لم تكن صمدت على وهن لافناها اذاه

الجوع ذاك الجوع كم اضنى وكم فتكت يداه

العرى ذاك العرى كم اضحى يواثبها شقاه

الجهل ذاك الجهل كم اعمى وكم قاست عماه

انى لاذكر ذلك الماضى فيقرحنى اساه

ثم وصف حالة الامة بعد ان افتكت استقلالها وباشرت سيادتها

فاذا نظرت اليوم اسعد بالذى عينى تراه

شعب ابى فك من قيد محررة خطاه

حر يصافحه الضحى كالروض معطار شذاه . . .

لقد حدثت هاته المعجزة لان قلبا عطف على هاته الامة قلبا سخيا بالحب فياضا بالعطف . لقد عانق ذلك القلب امة فرويت بعد الظما وانعشت بعد الذيول

قلب يعانق امة

          ظمأى و يسقيها رواه

لولاه لولا ذا الروى

             لتسعرت منها الشفاه (12)

وفى الذكرى الاولى لعيد الجمهورية نظم الشاعر الشاذلى عطاء الله قصيدا مهد له بصور شعرية مختارة العبارة ، جميلة السياق فقال عن خبر اعلان الجمهورية

ذاع فى بسمة الصباح الجديد

               و سرى كالسرور فى فجر عيد

ومضى كالصفاء فى دجية الليل

                رفيقا يجر فضل البرود

او كمر النسيم ضمخه الروض بن

                         شر الندى وعرف الورود

امل رف كارتعاشة طيف

                   فى اطار من الجمال الفريد

ورجاء كبسمة الطفل فى الطهر

                  ورجع الهزار بالتغريد

فتعالى الهناف يخترق الاجواء

                  وانساق فى حماس النشيد

ومن ابيات هاته القصيدة الناصعة البيان المشرقة الديباجة قول الشاعر يخاطب الشباب :

يا شبابا دماؤه لهب النار اذا شب فى الهشيم الحصيد

لك عزم كانه ثورة الاعصار يجتاح راسخات السدود

علمتك الاحداث كيف تلاقى عنت الدهر فى ابتسام الجليد

بلورتك الصعاب فانصهر المعدن عن جوهر عزيز فريد . . . ( 13 )

ويظهر ان صديقنا عطاء الله لا يتصور الجمهورية الا فى اطار من النور والارج والجمال فهو يمهد فى القصيد الذى خص به الذكرى الثانية لعيد الجمهورية بهاته الاببيات المعطرة

ظل يداعبه النسيم فتنتشى

                  ارواحنا باريجه الفواح

وتعب من فيض الجمال فتطف

                   ئ الظما المؤجج فى كؤوس الراح

وتخاله من نفحة الفردوس

                  يحملها الشعاع على بساط صفاح

ويلفنا الفجر المضمخ بالندى  

                   فى موكب من نوره الوضاح

ويظلنا الفنن المحمل بالجنى

                  فنصيب من زهر ومن تفاح

ونهيم باللحن الشرود تناسقت

                       نغماته من بلبل صداح

فان سالت الشاعر عن مكان هذا الظل الظليل والنسيم العليل والنور الغامر والجمال الساحر اجابك :

الظل ظل الجمهورية والجمال جمالها فى غمرة الافراح

والنور منبثق من المشكاة يغمر بالضياء زجاجة المصباح

حتى سرى فى الحالكات ومزقت

                   سبحاته سجف الدجى بصباح

ويمضى الشاعر متابعا صوره الشعرية فيتخيل ذلك النور ، نور الامل المنبعث من المشكاة قد استمر خافقا ناشرا اشعته فى حلك الدجى حتى اذن الله بانبثاق الفجر كالشرع النواصع تم بطلوع الصباح المبصر اللامع :

فاذا الصباح يصب ذوب نضاره

                        فوق الربى ويسيل فوق بطاح

واذا الحياة تدب فى جسم ذوى

                   حبا - وظل بهيئة الاشباح

ومن ابيات هذا القصيد الممتع قول الشاعر يخاطب الشعب :

استقبل العهد الجديد ببس

                   مة الآمال فى فجر الحياة الضاحى

فلقد قطعت مراحلا كانت شوا

                  سع فى خطى موزونة وفساح

وبنيت فى الدنيا منائر عزة

                   زحمت شوامخها بتلك الساح

وغرست للخضراء روضا طاولت

                  اغصانه متشامخ الادواح ( 14 )

ومن القصائد التى نشرت في عيد الجمهورية الاولى قصيد للشاعر القيروانى محمد مزهود . وقد كان لى شرف تقديمه الى مجلة الفكر التى نشرته فى عدد اكتوبر 1958 وفى ايراد ابيات من هذا القصيد الفخور الناضح بروح ثورية عاتية ما يكفى لاقامة الدليل على ان الشاعر اذا طاوع طبعه واخلص لفنه امكنه ان يستخرج من نايه نغمات مؤثرة قوية قال الشاعر متحدثا عن الثورة :

ثورة الشعب قوة ليس تهزم

              دونهما يدحر الخميس العرمرم

وانتصار الشعوب شد وباس  

                   واصطبار عند اللقا وتجشم

وانفكاك الاسار من ربقة ال

                    رق وثوب وعزمة تتضرم

ورؤوس الطغاة فى صولة الحق

                   على صخرة الكفاح تحطم

هكذا ثرت ايها الشعب بركانا

                   يصب اللظى على كل مجرم

يقذف الرعب فى القلوب انفجارا

                 وعلى معشر البغاة يدمدم

يرسل النار من شواظ شظاياه

                  فتجتاح مثل نار جهنم

ومنها هذه الابيات يخاطب فيها الشعب ويحيى ذكرى الجمهورية :

هكذا سدت بالفدا ايها الشعب وادركت بالفدا كل مغنم

وتمرست ممسكا بالمقاليد تسوس البلاد حرا وتحكم

وتقضى حول على بعث جمهورية طالما بها كنت تحلم

هو حول كانه بعض يوم ، وبدا عيدك الكبير الاعظم

يا لعيد فيه انطلقت من الاسر وحطمته عضوضا ادهم

اما مصطفى خريف فقد حيى عيد الجمهورية الاول بنشيد نظمه للاذاعة جعل لازمته هكذا :

حيوا عيد الجمهورية

         ذكرى اشراق الحرية

ومن ابياته :

ظلمات الاستبداد جلت و كشفناها

وقلاع الظلم حطمناها و نسفناها

وقوى الطاغوت عن الاحكام صرفناها

                   بعزائمنا الفولاذية

هبى ارياح النصر على الخضرا - هبى

بارك فى الحق شراعا ينشر - ياربى

وادفع بهدى التوفيق الى الحسن - شعبى

                  ولا سعاد الانسانية .

حاشية:

الى السيد فرج عبد القادر شوشان ( كلية الحقوق - تونس )

وصلنى قصيدك (( قرطاج )) وجوابا عليه اشير عليكم بقراءة المقدمة التى كتبتها نازك الملائكة لديوانها (( شظايا ورماد )) والدراسة التى جاءت فى كتاب الشعر والشعراء فى العراق من اختيار احمد ابو سعد ( دار المعارف بلبنان) فقد تفيدكم فى مسالة الشعر الحر الذي عرفه هناك (( بانه الشعر الذى لا يتقيد بقافية واحدة ولا بحر تام ويقيم القصيدة على (( التفعيلة )) بدلا من الشطر محطما استقلال البيت وقاضيا على عزلته من اجل دمجه مع الابيات الاخرى فى بناء فنى متماسك )) وفى خصوص قصيدك اراك لم تتقيد حتى بقيد (( التفعيلة )) الذى هو محل اتفاق بين اصحاب الشعر الحر . وهناك نوع من الشعر خال من (( التفعيلة )) يسمونه الشعر المرسل او الشعر المنثور ولكنهم يشترطون فيه جودة التعبير الفنى او الجودة الفنية . ولم ارك تقيدت كذلك باى قيد من قيود الفن فى التعبير . وانا لا اؤمن بفن تخلص من جميع القيود فى الشكل والمضمون .

اشترك في نشرتنا البريدية