الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "الفكر"

اشياء لا تباع . . .

Share

كان يتجول عبر شوارع المدينة الملتوية فى هذا اليوم الكئيب ، وكانت تغمره المرارة ويبدو عليه اليأس . انه يسير منذ الصباح الباكر تحت سيول من أشعة تجعله يبدو غير مكترث بما يدور حوله من ضجيج أو ازدحام ، انه لا يرغب الا فى اشباع رغبته المجنونة الملحة فى اعماقه . . . خطواته القصيرة مضطربة ونظراته التى زخرفها اليأس والحرمان مرارا عديدة تبعث بريقا من امل الشباب الساحر الظامئ الى الحياة . . . يداه تنقبضان وتنبسطان فى غير شعور منه . . . كآبته وصمته يصفان لكل من يعترضه ما يجيش بخاطره ويحدثان كل من يسأله عن رغبة جامحة فى نفسه ، رغبة العودة الى حضيرة اشغال اخرى بعدما انتهت اعماله من الحضيرة الاولى التى عمل فيها لاول مرة بعدما زعم أن الحظ خالف جميع مساعيه فى حضيرة الله التى عاشرها منذ شبابه وتجول فيها بزورقه وشباكه سنوات متتالية . . .

لقد قضى نصف شهر فى البحث عن أى عمل يطفئ لواعج رغبته ويقتل نعابين الاحتياج التى ظلت تترصده يوما بعد آخر . . . . وشعر بأن حرارة الشمس بدأت تقتل فيه مقدرته على مواصلة السير فوقف وأسند ظهره الى جدار قديم واخرج من جيبه ورقة ظل يتأملها فلا يرى فيها غير سطور غامضة بالنسبة له ، وفكر فى الاهمية المتمثلة فى مراكز رفع الامية لامثاله من الاميين وتمنى أن يكون واحدا من الذين يحاولون الالتحاق بقافلة الحروف ولكن سيولا من الدراجات الزاحفة قرب الرصيف افاقته من ضياعه وغيرت تفكيره فتمنى أن يكون واحدا من هؤلاء العاملين العائدين الزاحفين من أجل لقمة العيش . . . نسى الزمن وأعاد الورقة بحركة بطيئة الى جيبه وهو يعلم أنها تمثل شهادة عمل تسلمها من رئيس الحضيرة الاولى . . .

عاد الى بيته المتواضع واستقبلته زوجته كعادتها منذ أيام بنظراتها المتعطشة الى اية حركة من شفتيه ، الى اية كلمة . ولكنه كعادته طأطأ رأسه غير عابئ بتساؤلات عينيها متجاهلا حيرتها وتمتم : كالامس ، تماما دون أى فارق . . . وتقتفى خطاه متنهدة : ربنا يوفقك . . .

ارتمى على مقعد خشبى وحاول ان يقاوم انهيار اعصابه وتلاطم افكاره فقال :

- اريد ان اعمل أى شىء أجده ، ان اتحصل على أى شئ - لن يصيبنا الا ما كتب الله لنا يا رجل . . . - نعم وما كتب الله لنا ؟ !

كتب الله لنا ان نبحث عن رزقنا فى حضيرة الله ولكنك شئت أن تبحث عنه فى حضيرة الناس أليس كذلك ؟ !

فوجه نظراتة الحائرة فى صفحة وجهها الهادىء ثم طأطأ رأسه وقال بصوت حزين :

- نعم اردت ان ابحث عنه فى حضيرة الناس ، أردت ان اطرد الوحدة المرة - التى عانيتها سنوات . .

ثم انتفض على قدميه وقال :

- أريد أن اصحب ضجيج الناس ، أن أعيش مشاكل الناس . . أن أفهم الناس ، أن أتطور مع الحياة . . . أريد أن أتجول فى غير اسواق السمك والشواطئ . . . نعم انى كرهت أن أتخيل الناس من بعيد ، انى كرهت الوحدة التى عانييتها سنوات فى حضيرة الل . . .

- ارجوك يا رجل ألست بائع السمك للجميع . . .

. ألست الذى يمضى ليالى الفصول الاربعة خارج البيت . . . لا . . . لا . . . انى كرهت الليالى القارسة ورقصات الزورق فيها ، انى كرهت انتظار الليالى الهادئة . . . أتفهمين انى أريد أن أعمل حيث لا خوف من السحاب ، من المطر ومن العواصف أريد أن أعمل حيث . . .

- حيث شاء لك الله أن تعمل فتصرف جهودك كلها للعمل وحده . . .

وقطع عليهما هذا الاندفاع فى الكلام طرق على الباب ، وعادت الام يتبعها الابن الاكبر الذى لا يتعدى عمره الاعوام العشرة . . . وأراد الاب أن يصرف اتجاهه الى شىء آخر فقال :

- كيف كنت مع اقاربك ودروسك اليوم ! - كنت دائما الاول فى القراءة يا أبى . - حسنا ، حسنا أريدك مجتهدا يا بنى ولا تنس الحساب . مرر يده على شعر ولده ثم صرفها عنه واخرج الورق من جيبه .

- انت الاول اذا فهل تستطيع قراءة هذا ؟ - نعم يا أبى استطيع سوف ترى . . .

وامعن النظر فيها طويلا ثم قرأ بتقطع : " تتوفر فيه امكانيات العمل الجدى ، قادر على استعمال النقالة بالخصوص . . . "

- انه صعب يا أبى ولكنى اعرف النقالة . . . - نعم انه صعب . . . لقد احسنت قراءته . . .

قطع الغرفة ذهابا وايابا وهو يصلى نار الحيرة والقلق ورفع البرنس القديم بين يديه وفكر ثم القى به ناحية وتمتم : ايام الشتاء مازالت طويلة ، وثمنه لا يسمن ولا يغنى من جوع . . .

كان مطروحا على فراشه الى جانب زوجته النائمة يحملق فى الظلام فلا يرى غير الاشباح المتتراقصه على ايقاع انفاسه المتصاعدة فى اتزان منتظم ، وقد تظاهر بالنوم لكى لا يحرم زوجته لذة الراحة . . . كان يفكر فى اشياء غامضة والوحشة الممتدة حوله فى الظلام تزيده حيرة ، ونعيق البوم الذى يعزف لحن المرارة يملأ ذاته نقمة تذوب فى ثورة صامتة ، وخيال اللقالق التى تعودت أن ترفرف قرب شراعه جماعات نائحة تزيده خوفا وكرها لعمل رفض أن يربط به مصيره الغامض الكئيب . وحظه الذى آمن به منذ صباه مازال يتصوره هناك بين حجارة وفى مغارات غار السعود فى شبه انحناءة ، يخشى كلما فكر فى اعانته على الاستقامة أن يعجز فينكب على وجهه ويزيد حياته تعقدا واضطرابا . . . وقوالب السكر التى تعودت أمه - فى ايامها - أن توقظ بها - مكتوب - اطفالها وبناتها يخشى - ان حاول بدوره - أن تضيع بين الحجارة ليلتقطها الاطفال حينما يجدونها اثناء السباحة أو اللعب . . . كميات كبيرة من السكر ذابت بين تلك الحجارة وشموع كثيرة اضاءت هناك المغاور وداعبت أمل العجائز وحتى الصغار ، والقضاء وحده وظروف الحياة توقظ الحظ أو تنيمه . . .

وعاد نعيق البوم موحشا يذكره بالليل والشرود ويصرف عنه اشلاء الذكريات وأساطير الحظ والمكتوب التى لم يعد يؤمن بها . . فهو يعلم أن الحظ فى العمل وأن العمل فى مجالات الحياة بكل ما فى العزيمة من طموح . . . وامتلكه شعور غامض حين أعاده الى واقعه سعال احد ابنائه وشعر بأنه اخطأ حينما لم يجعل الواجب فوق مرارة الظنون وصلب عينيه فى عالم الظلام الاجوف لانه علم أنه لم يكن من اولئك الذين تولد معهم اتعابهم وأحزانهم ولكن أرادها فصنعها وهو يخشى أن يجعلها لا تجد طريقها الى الانسحاق النهائى . .

وفجأة نهض من فراشه وألقى نظرة الى ناحية زوجته وابنائه الذين بجمعهم فراس واحد . وشعر بخوف غريب لكن رغبة طغت على كل الهواجس فتسلل خارج البيت حاملا سلة كبيرة فوق كتفه . . . ولم يشعر كيف قطع الطريق الحجرية الى البحر ، واتجه بحذر متناه الى زورقه الذي هجره منذ مدة فكرهه

ومع انبثاق خيوط الفجر الاولى افاقت زوجته فاصابها ذهول من فقدانه وتلاطمت فى رأسها الافكار مدة من الزمن . لكن حركة الباب وهو يغلق جعلتها تسرع لترتمى على صدر زوجها العائد تمطره قبلات فى حين انحنى ليضع السله المملوءة على الارض ثم يستوى ليضمها بين ذراعيه العارين . . . ويتركها للفرحة السابحة فى ابتسامة عينيها ليعود الى السلة يأخذ منها الشبكة ويضعها فى زاوية ثم يتجه نحو السوق حاملا سلته الثقيلة . . .

ع . ش . -المنستير-

اشترك في نشرتنا البريدية