عنوان محاضرة القيتها بالاتحاد الثقافي الصفاقسى يوم الاثنين ثانى افريل 1962 وقبل ان نلخص المحاضرة نشير الى النشاط الثقافي الخطير الذى يقوم به الاتحاد الثقافي بصفاقس اللذى القيت المحاضرة من منبره فاقول : هذا الاتحاد الذي يرأسه اليوم السيد محمد قطاطه ويساعده على العمل الاستاذ عبد الكريم عزيز عبارة عن وحدة ثقافية تكونت : من جمعية الثقافة والتعاون المدرسي ومن جمعية الاتحاد الصفاقسى الزيتوني وجمعية النهوض بالطالب القرقني - افرغت هذه المشاريع كلها في قالب الوحدة فاصبحت قوة ثقافية عتيدة زاخرة مفيدة رائعة بعيدة الاثر عظيمة الخطر كثيرة النشاط في سائر الميادين الثقافية تقوم بجلائل الاعمال وتقدم للشعب الصفاقس النبيل أجل الخدمات ماشئت من رياضة واعانة للتلاميذ ورحلات وحفلات وعرض اشرطة سينمائية مثقفة بدون مقابل ومكتبة زاخرة بالوف المجلدات في سائر شعب المعرفة وبشتى اللغات وقد جرد عادة هذه الجمعية الناشطة ان تخصص مجموعات من الآلات الفنية والمعاجم والكتب المدرسية لمختلف اقسام التعليم الثانوى والفني للتلاميذ المقيمين بماوى التضامن الاجتماعي تيسيرا لهم على مراجعة دروسهم وللجمعية ثلاث فرق فى الكرة الطائرة يديرها الاستاذ البشير الملولى فى توفيق ونجاح تمكنت به من الارتقاء الى القسم الثاني بعد ان احرزت على بطولة الجنوب وليس هذا فحسب فقد واصلت الجمعية اهتمامها بالمكتبة فاقتنت بمبلغ 977,343 دينارا كمية هائلة من الكتب الجديدة بلغ عددها 754 مجلدا منها 579 كتب عربية والباقي فرنسية وبذلك ارتفع عدد مجلدات المكتبة بعد ضم مكتبة فرع طريق منزل شاكر من 3993 الى 8961 . وكان نشاط الجمعية ملموسا حيث وصل عدد المطالعين 2129 مطالعا وعدد الاعارات الداخلية 5002 اعارة وعدد الاعارات الخارجية 14936 أعارة . اما موارد هذه الجمعية فتتألف مما ياتي اعانات : كتابة الدولة للصحة ، كتابة الدولة للتربية القومية ، ادارة الشباب والرياضة : بلدية صفاقس ، مجلس ولاية صفاقس .
وغنى عن الايضاح ان كل تاخر فى دفع اعانة ما لانعاش هذه الوحدة الجبارة او السعى فى تنقيص مواردها يعد خطا لا يبرر مهما كانت المعاذير ما دامت هذه الجمعية مثابرة على السير قدما بالبلاد في ميادين العرفان التى يجب ان تتمتع بالاعانات المتوالية . اذ التنقيص من مواردها تنقيص من نشاطها وعرقلة لبعض اقسامها ولا يفكر اى كان فى هذه البلاد التى تعمل جاهدة بكل ما لديها من امكانيات للتخلص من التخلف ان تتساهل فى انعاش هذه الوحدة التى غمرت بنشاطها سائر الميادين
وقد شاءت هذه الجمعية بواسطة صديقنا الاديب النابغ الحازم سيدي محمد محفوظ ان احاضر على منبرها فكان لها ما ارادت
المحاضرة ابن خلدون بين العرب والبربر
وحيويته ونشاطه ، (4) ابن خلدون نظريته فى البربر , (5) ابن خلدون نظريته فى العرب, (6)شعوبية ابن خلدون وتفنيدها
الملخص
ولد ابن خلدون بتونس سنة 732 هـ ونشا بها وعاش في شرخ الشباب وريعان العمر في عصر حالك بالانقلابات وشاهد بعيني راسه عبث العرب احفاد بنى سليم وبني هلال وما اليهم من العرب الذين ارسل بهم المستنصر الفاطمى الى المعز بن باديس تاديبا له وانتقاما من بلاده لانه الغي النحلة الشيعية وقرر توحيد المذهب وتعميم الفقه المالكي ودعا الناس الى الاقتصار على مذهب عالم المدينة مالك بن انس وعزم على حماية استقلال البلاد من تصرفات الفاطميين بمصر فاجابوه بحملة عرب الصعيد الذين فقدوا كل تهذيب وتنكروا لكل نظام واستهاموا بكل غنيمة فشاهد ابن خلدون امتدادهم الخطير وراى رعونتهم وهوجهم وعيتهم في البلاد واستباحتهم للاستيلاء على مواردها بالنهب والسطو وفرض الغرامة واستطالتهم على الملوك الحفصيين الذين فقدوا كل حصانة حتى تخطفهم العرب من قصورهم وفرضوا سلطانهم عليهم كما شاهد ابن خلدون وهو في سنه المبكرة لم يطر شاربه بعد عظمة المرينيين من البرابرة المسلمين في اوج عزتهم وجلال سلطانهم وحملتهم على تونس سنة 748 هـ التي يصفها الاديب التونسي ابو القاسم الرحوى ويقول عنها :
بجيش على الالواح والماء يمتطى
وجيش على الضمر السوابق بركب
وجيش من الاحسان والعدل والتقى
وذاك لعمر الله اعلى واغلب
ويصف ابن خلدون موكب دخول الحملة الى تونس كشاهد عيان قال : ثم عبا ( السلطان ) يعنى ابا الحسن المرينى الى دخولها ( يعنى تونس ) مواكبه وصف جنوده سماطين من معسكره بسيجوم إلى باب البلد يناهز ثلاثة اميال او اربعة وركب بنومرين الى مراكزهم فى جموعهم وتحت راياتهم وركب السلطان من فسطاطه وراكبه من على يمينه وليه عريف بن يحيى امير زغبة ويليه أبو محمد عبد الله بن تافراكين ومن على يساره الامير ابو عبدالله محمد اخو مولانا السلطان ابي يحيى ويليه الامير ابو عبد الله ابن اخيه خالد كانا معتقلين بقسنطينة مع ولدهما منذ خروج اخيه الامير ابي فارس فاطلقهم السلطان ابو الحسن وصحبوه الى تونس فكانوا طرازا في ذلك الموكب فيمن لا يحصى من اعياص بني مرين وكبرائهم وهدرت طبوله وخفقت راياته وكانت يومئذ مائة وجاءوا لمواكب تجتمع عليه صفا صفا الى ان وصل الى البلد وقد ماجت الارض بالجيوش وكان يوما لم ير مثله فيما عقلناه الخ اه
كل ذلك قد اثر عميق الاثر فى نفس عبد الرحمن بن خلدون الحساسة . ومن الطريف ان نذكر هنا ان هذه الحملة المرنينية كانت معززة باربعمائة عالم من خيرة علماء المغرب نظمهم ابو الحسن فى مواكبه جريا على عادته فى الاحتفاء بالعلماء والتفاخر بهم وقد اشار الرحوى الاديب التونسى قهؤلاء الاعلام بقوله :
هم الفئة العلياء والمعشر الذي
اذا حل شعبا فهو للحق مشعب
وقال لابى الحسن فى هذا الصدد :
واعليت قدر العلم اذ كنت عالما
ففيه وفي طلابه لك مارب
وقد اسهب عبد الرحمن بن خلدون في الحديث عن علماء هذه البعثة واشار الى تاثره بهم وما لهم من اثر في ثقافته وما دار بينهم وبين علماء تونس من المناقشات العلمية فى مجالس رائقة كان يحضرها السلطان ابو الحسن ويشارك فيها وبالتالى فقد انتهت هذه الحملة باحداث فظيع منمة وهزيمة نكراء ساحقة لابي الحسن المريني الذي حاول تخفيف وطاة العرب من بقايا بني هلال وبني سليم وحملهم على الجادة فاخفق وتآمر هؤلاء العرب مع جنود بني عبد الوادى الذين نظمهم ابو الحسن في حيوشه بعد ان استولى على عاصمة ملكهم تلمسان ولم يراع لهم كرامة ولا شعورا فاندفعوا الى خذلانه مع العرب والجؤوه الى التحصن بالقيروان
ومالبث العرين بذى امتناع
اذا لم يحمه الا العرين
ولم يخرج من الحصار الا بعد ان ذاق الامرين . وكانت هزيمته بتونس وبالا على سلطانه بالمغرب فانتقض عليه انه ابو عننان في حديث طويل ثم جاءت المصائب تترى فغمرت الاوبئة البلاد التونسية وكادت تستاصلها وجرفت بسيلها القاسى أعلام العلماء بتونس وما سلم منها الوافدون عليها . ومن هنا استوحش ابن خلدون كما قال ولم يستقر له قرار بتونس بالرغم عن استخدامهه بالبلاط الحفصي في كتابة العلامة على عهد ابى اسحاق ووزيره ابن تافراكين المستبد على دولته ويابى ابن خلدون الا ان يظهر نشاطه خارج تونس فيتقلب فى مناصب لا تحصى ويغامر مغاهرات صاخبة فتارة يرمى به فى قعر السجون واخرى تجرده الايام من طارفه وتالده ومرة يتوقل اعلي القنن لدى المرينيين وهو فى اثناء ذلك يدرس الاوضاع درسا عميقا . ومثله فى دقة ملاحظته وشغفه بالإطلاع وتطلعه للمعرفة وتمرسه بالاحداث واكبابه على الدرس اينما حل .كان لا يغادر صغيرة ولا كبيرة الا دونها حتى اختمرت عنده تلكم النظريات واحس من نفسه الميل تدوينها فانقطع بقلعة ( بني سلامة بالجزائر ) اربع سنوات وهي السنوات التى اخلد فيها الى السكون وكتب مقدمة كتابه الحافلة وشيئا من كتابه العبر . ولم يتمالك عن التنويه بالبربر الذين وطدوا دعائم ملك ثابت الاوتاد شاهد ابن خلدون آثاره وتبنك نعمته فاشاد بهم فى مقالته الي يختمها بقوله: البربر جيل عزيز على الايام وانهم قوم مرهوب جانبهم شديد بأسهم كثير جمعهم مضاهون لامم العالم واجباله كما انه لم يتمالك عن مهاجمة احفاد الهلاليين وبني سليم في عنف وقساوة وشدة فكتب عنهم الفصول المعنونة بما يأتى : العرب لا يتغلبون الا على البسائط - العرب اذا تغلبوا على أوطان أسرع اليها الخراب : العرب لا يحصل لهم الملك الا بصبغة دينية من نبوءة او ولاية او اثر عظيم من الدين : العرب ابعد الامم عن سياسة الملك - إلى غير ذلك مما يوحى لقارئ العناوين بشعوبية خطيرة يعتنقها ابن خلدون ويستبسل فى الدفاع عنها بل يتفوق بها على اخطر شعوبي العالم : ولكن الدارس للفصول العالم بوضعية ذلك العصر والدارس لاحداثه سرعان ما تتجلى له الحقيقة الساطعة من وراء تلكم الفصول التى تعالج مساوي احفاد عرب الصعيد بتونس والمغرب ويخرج بالنتيجة التالية : ان فساد ذلك الجيل من العرب وجهله وتنطعه واسرافه في العبث وتهافته على الفوضى وامعانه فى الوحشية وحنينه الى الهمجية كل ذلك هو الذي حرك قلم ابن خلدون وهيجه ودفع به الى التنديد وارهاف الحد لهذا الجبل من العرب ولولا وجودهم بالمغرب ما خطر على قلب ابن خلدون ان يكتب فى هذا الموضوع البتة الى آخر ما جاء بالمحاضرة من البراهين والدراسة الدقيقة التى تثبت ذلك وزيادة .
.القاهرة
. مع الدكتور ابراهيم مدكور : سألت مجلة اضواء صديقنا الدكتور ابراهيم مدكور المفكر الكبير المشهور بمؤلفاته الفلسفية والسكرتير العام للمجمع
اللغوي بالقاهرة الآن فى جملة من المشاكل التى تفرض نفسها اليوم على المفكرين العرب ورأينا ان ننقل أجوبته لقرائنا تتميما للفائدة:
1 - يكثر الكلام في بعض الاوساط الفكرية ان هناك حضارة خاصة في بلاد البحر الابيض المتوسط يطلقون عليها عادة تسمية " الحضارة المتوسطية " فما هو رأيك فى ذلك ؟
أظن ان لمن يفكرون فى هذا ما يبرر تفكيرهم لأن بلاد البحر الابيض المتوسط تكون وحدة جغرافية وتاريخية قديمة . ولم يحدث ابدا أن ظهرت فى احدى بلاده حضارة الا واهتدت آثارها الى بلاد حوض البحر الابيض المتوسط الاخرى . فالحضارة المصرية القديمة امتدت الى آشور وبابل كما امتدت الى ارخبيل اليونان وشمالى افريقيا . ويمكن ان يقال مثل هذا عن الحضارات السومرية والبابلية التى التقت مع ما تلاها من حضارات فى هذه المنطقة . ثم جاءت الحضارة اليونانية فكانت قبسا انبعث منه الضوء على حوض البحر الأبيض المتوسط قبل ان ينبعث شمالا فى اوروبا. والحضارة الاسلامية بدورها عرفت كيف تعمر فى صقلية وشمالى افريقيا والاندلس . واذا كان الحكم العثمانى يعد امتدادا لهذه الحضارة ، وان قضى على كثير من نشاطها ، فانه انبعث من الاستانة الى بعض بلاد اوروبا الوسطى . واذا اردنا ان نعبر عن بعض معالم هذه الحضارة فاننا نستطيع ان نقول انها روحية عقلية ، تعتد بالروح وتؤمن بطائفة من المبادئ السامية ، وهى فوق هذا انسانية تعول على الانسان وتعتد به . ولا شك فى انها قد غذت الحضارة الغربية الحديثة بغذاء كبير وعن طرق مختلفة . وكم يرجى ان تستعيد بلاد حوض البحر الابيض المتوسط علاقاتها الثقافية على شكل اتم وأوضح ، كذلك الذى كان يلحظ فى مدرسة هليوبوليس او فى مدارس اثينا او فى الاسكندرية .
وقو حاول طبيب ومستشرق المانى هو الدكتور مايرهوف ، ان يوضح هذا المعنى برسالة صغيرة وضعها عنوانها " من اثينا الى الاسكندرية ومن الاسكندرية الى بغداد " .
2 - ما هى فى نظرك منزلة العقل اليوم فى المجال الفكرى والثقافى للعالم العربى ؟
ليس هناك مجتمع يسير وراء الهوى وحده أو العاطفة وحدها وانما تتفاوت الجماعات نسب تبادل الرأى واللجوء الى العقل فيما بينها . وأشد المجتمعات جموحا اكثرها ادعاء بانه انما يصدر فى تصرفاته عن العقل والمنطق . ومن المغالاة ايضا ان يحكم على جماعة فى ضوء ظرف معين او تصرف خاص ويقال انها جماعة معتدلة او متطرفة . فقد تكون هناك ظروف ما تحمل المجتمع الهادىء الرزين على الثورة والهياج بل وعلى استنكار العقل والعقلاء . إذا صحت هذه القضايا فاننا نستطيع أن نقول ان للعقل فى العالم العربى منزلة شبيهة بمنزلته فى المجتمعات الحضارية الاخرى . وكل ما هنالك انه قد تمر به ازمات أو ظروف خاصة قد يبدو عليه فيها انه لا يستجيب لدعاء العقل لكن ذلك يرجع خاصة الى ظروف هذه الأزمات واسبابها . ومن الانصاف ان تحلل هذه الظروف ويحكم على كل موقف فى ضوء ظروفه . والثقافة العربية المعاصرة غنية بآثار قيمة من انتاج العقل والعمل العقلي . واذا كان ادباء العرب وشعراؤهم يغذون بعض العواطف الوطنية الخاصة ، فانهم انما يغذونها فى حدود العقل والمنطق . على اني اتساءل مع الأسف الشديد : هل للعقل كراهته الكاملة فى مجتمعنا البشرى الحاضر الذي تتسابق فيه القوى الكبرى على وسائل الهلاك والدمار والذى لا يجد فيه القادة مجالا لان يلتقوا ويحلوا امورهم في انصاف وحكمة. وكأني اتساءل اين هو ذلك العقل الذى نتحدث عنه .
.بيروت - حول مجلة " شعر "
كتب السيد رجاء النقاش فى مجلة " الاداب " العدد 1962-3 مقالا بعنوان " هل للشعر العربى الجديد فلسفة " اتهم فيه بالخصوص مجلة شعر ورئيس تحريرها الشاعر ادونيس بالزيغ عن العروبة وعاب عليهما ما سماه بالاتجاه القومى السورى وقد اجاب عن ذلك ادونيس بما يلقى الاضواء على جملة من القضايا الأدبية والفكرية التى لا يزال المفكرون " يتحاورون " فى شأنها فى وطننا العربي الكبير ولعل هذه المقتطفات من جواب ادونيس تلقى بعض الاضواء وتفيد قراءنا بتونس :
1 النقطة التي انطلق منها الكاتب لدراسة " فلسفة " الشعر العربى الجديد مزدوجة الخطأ : قادته ، اولا ، الى استنتاجات واحكام واراء ليست من طبيعة شعرية . ثانيا ، موهت عليه الحقية وحرفته عن رؤيتها . فلسفة الشعر العربي الجديد ، هذا اذا كانت له فلسفة ، لا يبحث عنها فى اتجاه اليسار او غير اليسار ، أو في الطابع التراجيدى ، او فى الاشكال البنائية . كل ما يمكن قوله فى هذا الصدد شيئان : الاول هو ان للشعر العربى الجديد بعض الخصائص العامة المشتركة وهي تتعلق فى الشكل اكثر مما تتعلق فى المضمون . والشئ الثاني هو أن فى بعض هذا الشعر حدوسا ورؤى قد تشير الى ان لدى أصحابه عالما شعريا خاصا ، لا فلسفة ، لكن ، قلما نجد عندنا شعراء لهم عالمهم الخاص المتميز بابعاده الجمالية والانسانية والميتافيزيقية . ولعل في هذه الناحية يكمن النقص الجوهرى فى التجربة الشعرية العربية المعاصرة .
2 - هذا الانطلاق لدراسة الشعر العربى الجديد من ضمن زوايا نظر كيفية ، سريعة ، وأفقية تتصل بقشرة الحياة لا بجذورها ، أدى بالكاتب ، طبيعيا ، الى مثل الاستنتاجات الغريب في مقالته والاحكام الأكثر غرابة ، وخصوصا فيما يتعلق بمجلة " شعر " وبنتاجى انا شخصيا. اذ ماذا يعنى بقوله ان مجلة " شعر " تعبر عن اتجاه القومية السورية ؟ ما هو قوام هذا الاتجاه؟ كيف استدل عليه ؟ ما هي النصوص التى بنى عليها احكامه ؟
كل مجلة تعبر عن اتجاه معين ، عن ايديولوجيا معينة تلزم نفسها بمنهجية وقواعد صارمة ازاء ما تنشره وازاء الافكار البعيدة عنها أو المتناقضة معها . هكذا نرى فى المجلات والصحف الشيوعية . هكذا نرى فى المجلات والصحف ذات الطابع القومى العربى اليسارى أو الحزبي. هذه المجلات والصحف لا تنشر الا لاشخاص فى اتجاهها او لا يناقضون اتجاهها ، والا نصوصا نؤيده او تنسجم على الاقل ، معه فى خطوطه العريضة . فهل هذا الموقف ينطبق على مجلة " شعر " ؟ يكفى لمعرفة الجواب تصفح اعدادها منذ صدورها . سياسة التحرير فى مجلة " شعر" كما هي معلنة ، لا تتناول رأى الشاعر السياسي وافكاره الوطنية والاجتماعية والميتافيزيقية ولا مضمون قصيدته ، بالتالي ، انما تعنى فقط بالمستوى الفنى او بمعنى آخر ، بمستوى التجربة في سبيل الحفاظ على خطة التحرير هذه ، تحملت مجلة " شعر " خلال السنوات الخمس الاخيرة ما لم تتحمله اية مجلة عربية فى اى وقت - نشرت لشعراء شيوعيين ومنعت لذلك في بعض البلدان العربية . نشرت لشعراء قوميين ومنعت ، لذلك ، فى بعض البلدان العربية ، قيل لها ان تساير فلا تنشر لبعض الشعراء كي يتاح لها الدخول الى البلاد العربية كلها ، فرفضت هذه المساومة . من ناظم حكمت وكاتب ياسين وسعدى يوسف وبلند الحيدري ، الى بدوى الجبل ونازك الملائكة وفدوى طوقان وسلمى الجيوسى ونزار قبانى الى محمد الماغوط وتوفيق صابغ وابراهيم شكرالله وجورج غانم وخليل حاوى وعشرات الاسماء الاخرى- حشيد متنوع الاراء والاتجاهات ، يلتقي للمرة الاولى فى تاريخ المجلات العربية ، على صعيد الشعر فى مجلة " شعر "
3 - هذه الناحية الاخيرة ، اعنى التكلم على بعض النتاج الشعرى الحديث بنفس سياسي وافكار سياسية مسبقة ، هي وليدة ذهنية معينة بالغة الخطر . وهى تتجلى فى التهم التى يوزعها البعض باسم العروبة وكانها ملكهم الخاص وورثاؤها والامناء عليها ، من دون غيرهم.
ليست العروبة درجات يوزعها معلم على تلاميذه ، ليست خلعة تخلع على اناس وتحجب عن آخرين ، ليست سرا يرثه امام " معصوم " ويورثه من يشاء . ثم ان الشعر العربي شئ والعروبة شئ آخر - ولا علاقة بينهما ، على الصعيدين الشعرى والجمالى .
العروبة واقع حياتى وتاريخي ، وهى ، كواقع ، وجود يشترك فيه جميع العرب في مختلف اقطارهم ويمارسه الجميع . والجهد الاساسي الذي يبغى على المثقف العربى ان يقوم به في هذه المرحلة ، ليس ان يحمل مجهرا ليكتشف به درجة العروبة فى كل شخص ، فهذه مسألة زائفة ومصطنعة أصلا . ثم انها تندرج في أساليب السياسة والغوغاة . جهد المثقف العربى هو ان يخلق مناخ الحرية ، حيث تنفتح الحقيقة وتنمو في حوار فكرى حي ، حيث يكون الفكر سيد نفسه حيث ينشا عندنا اخيرا الشخص العربى الذى يقول : لا ، بنفس الثقة والقناعة والجرأة التى تدفعه ليقول : نعم - لكل شئ ، لله والحاكم والعالم .
الا يعلمنا تاريخنا العربى شيئا ؟ اليس حريا بنا ان ننذر ، نحن هذا الجيل خصوصا ، حياتنا كلها . للتكفير عن ألف سنة من تاريخنا الاخير لم نعرف فيها الحرية ؟ إذا كان العربى فى هذه المرحلة لا يناضل ، لا يتعذب ، لا يتمزق ، لا يكابد اقسى شئ فى سبيل توكيد الحرية التى هى الشرط الاول ليصير الانسان انسانا ، فمتى يفعل ذلك ؟
هناك خطر حقيقي لا يهدد الشخص العربى فحسب ، بل يهدد ايضا الثقافة العربية كلها- يهدد المعنى العربي بالذات . يتجلى هذا الخطر في تلبس الصراع الفكرى فى فترات تاريخنا السوداء . فبعض المثقفين العرب ، لعلة او لاخرى ، يحيون - شعوريا أو لا شعوريا ، بعض اشكال الصراع الفكرى التى خنقت الثقافة العربية لاسباب كثيرة يعرفها الجميع . هذه الاسباب يبعثها هؤلاء المثقفون فى اصباغ واردية حديثة . بل ان بعضها باق كما كان منذ الف سنة واكثر . وبدل ان يأخذوا العبرة من هذا الصراع وما ادى اليه فيكملونه بما يعزز الفكر ويعزز الانسان وكرامته وحريته الشخصية والتعبيرية ، وبما يتيح المجال للبحث عن الحقيقة خارج كل قسر واكراه ، ينصرفون ، ويا للاسف ، الى اكمال هذا الصراع بما لا يؤدى الا الى تشويه الحقيقة وخنقها ، وبالتالى ، الى تشويه الانسان نفسه والفكر نفسه . هكذا يتحول المثقف العربي اليوم الى عصا والى سيف ايضا في يد السياسة وأهوائها . هكذا يصير ، بشكل او آخر ، آلة الطغيان والطاغية .
اخيرا اريد ان تؤكد للسيد النقاش ولقراء " الاداب " اننى لا اعبر فى شعري عن " اتجاه قوهي اقليمي او " ايديولوجيا " او " ارض مفقودة " فمثل هذه العبارات لا تعنى لى على الصعيد الشعرى الخالص ، أى شئ . لست فى شعرى حزبيا او منضويا . الانسان " كحيوان سياسي " او كمنضو هو آخر ما يثيرني شعريا. احاول فى شعرى ان اعنى بالانسان كائن فحسب - كموجود. اننى شاهد على هذه الارض ، لكننى شاهد ايجاب لا سلب وحركة لا جمود . هكذا لى نظرة وموقف . موقف من الانسان والله والحياة والعالم ونظرة الى ذلك جميعا ، موقف حضارى لا قومي وانسانى لا سياسي .
. روسيا حول مفهوم الالتزام شدة خوف الكتاب الروسيين وسوء حالهم في عهد سطالين
( نقلا عن " الجريدة الادبية " لسان حال الكتاب الروسيين ) وجهت " الجريدة الادبية " نداء الى الكتاب والشعراء الروسيين لدعوتهم الى شن معركة جريئة ، حاسمة لتحقيق الحرية والصدق فى القول . وقد نشرت هذه الجريدة ، لسان حال رابطة
الكتاب الروسيين ، مقالا افتتاحيا للاديب الأكرينى اولس قونطشار عبر فيه بكل دقة ، عن النظر . الحالية في بعث الادب الروسى بعد المؤتمر الثاني والعشرين للحزب الشيوعي. فقد تولى كاتب الفصل الدفاع بكل حماس عن زملائه من " الجيل الصاعد " الذين يعملون كما قال ، على الابتكار والتخلص من الجمود وان كلفهم ذلك المجاهرة بنقمتهم على كل قد والعزوف عن القوالب المزيفة التى ما يزال الادب الروسي مكبلا بها .
ثم بعد ان ذكر السيد قونطشار بما كان يقاسيه عالم الادب فى عهد سطالين شنع خاصة " بالابادة البشرية " التى ذهب ضحيتها عدد كبير من الكتاب والشعراء الماهرين الذين يحق الاحتفاء بذكراهم وان لم يعوضنا ذلك الخسارة العظمى التى لحقت الادب الروسي بزوالهم . ويقول قونطشار فى هذا الفصل نحن ما نزال نذكر جو الريبة والشك والظلم الذي كان سائدا في عهد سطالبين . نحن نعلم أن حرصه على حمل الناس على عبادة شخصه قد كبل الفكر الخلاق واذكى روح الحقد والبغضاء في الاوساط الادبية ببلادنا مما جعل مثلا كاقانوفيتش ذلك الجاهل المتحامل يجد في قصيد ساذج مثل قصيد " انا ابن بلاد السفيات " بعض الاشارات الاثييم لقذف صاحبه بالميل الى الانذال فى باتليورا
يؤكد الكاتب على انه بالرغم عن ذلك برز فى ذلك العصر بعض الكتاب ممن يثق الشعب بهم وذكر على سبيل المثال ما ياكوفسكى ثم دعا الكتاب والشعراء إلى عدم التردد للدخول بأنفسهم فى معركة جريئة مجردة لاجلاء الحق . وقال نحن في حاجة اكثر من أى وقت مضى الى الاشعار الصادقة الصادرة مباشرة عن القلب تلك التى لا تكتفى بالتمجيد والتسلية فحسب بل وتكافح بكل صدق وشجاعة كل ما فى الحياة من قبح كما كان يفعل ما يا كفسكى .
ثم يواصل قونطشار قائلا : يجب ان يبرهن الشاعر شخصيا على قوة ارادته وشجاعته فسر قوة شعر ما ياكفسكى يرجع الى قوة شخصيته . ومن المؤسف اننا كثيرا ما نفصل بين التفكير والاحساسات الشعرية وبين صاحبها . فينشأ عن ذلك نوع من الشعر المصطنع . فلا نقدم للقراء افكارا لا طرافة فيها واحساسات لا روح داخلها . فالبطل الذي لا يصور شخصية الشاعر لا يعرف كيف ينبغى ان يعيش بصفة ايجابية . ولا يسمح للقراء بالتأمل فى وجودهم الشخصى بل هو يمسك بأيديهم كما نمسك بايدى الاطفال عند التجول بهم ، ويسير بهم خلال مسالك الحياة التى قام بتعبيدها من قبل وازال عنها كل العراقيل .
ثم عند الحديث عن " الموضوع الابدى " و " الموضوع المعاصر " آخذ الكاتب نقاد الادب على نفضيلهم غالبا " للمواضيع المعاصرة " متعللين بأنها هى التى تترجم بكل صدق عن العصر الحاضر ، ثم قال : ومع ذلك الا تظنون ان " الموضوع الابدى " هو تمجيد للجمال البشرى وعظمة الانسان الروحية ؟ . الا تظنون انه تعبير عن مشاعر ابدية كالحب ، والفرح ، والسعادة ، والصدق, والشرف ، والصداقة ، والصحبة ، والامانة الخ .. ؟ ليست كل تلك الصفات قيما جميلة ومتجددة لا يمكن لنا ان نتصور الرجل في المجتمع الشيوعي غير متحل بها .. ؟
اما فى خصوص المساجلات الادبية المتواصلة حاليا فى بلاد الروسيا عن الشعراء والكتاب المحدثين الذين يبحثون عن " طريق جديد " فيقول الكاتب ان بعضهم يتقبل هذا " الشعر الجديد " من دون تحرج باعتباره " شيئا عاديا كانت روح القارئ فى انتظاره منذ زمن طويل " ويرى البعض فى ذلك " هراء عقيما يدعى الابداع " وما القصد منه الا " الصاق وصمة مشينة ببعض الادباء الشبان "
ثم يختم الكاتب مقاله هكذا : " ولا يسعنا الا الابتهاج بأن كل ما يكتبه شباننا الادباء تحدوه روح من الجرأة مع سعى للبحث عن القالب والاسلوب والنغم الملائم " .
. يوغوسلافيا مقاطع مختارة بقلم : ايفو اندريك
( جائزة نوبل للأدب 1961 ) . . .كنت اخاف حتى من دمى الذى كنت اسمعه ينبض فى معصمى ، لانه كان يؤكد لى انني أحيا ، وكان ذلك جلجلة حقيقية . وكنت افكر : الله لا يستطيع الا يطلب أن نمتحن كثيرا وان نقاد الى مكان الهول هذا ، حيث الموت والحياة واحد . اذاك ايضا ، حتى فى أوج التواضع ، لم اكن استطيع ان اعرف لماذا لم يعط ، بين المخلوقات جميعا ، الا للانسان ان يكره حياة .
منذ يومين لا يسمح لى بالخروج حتى فى ساعة النزهة الوحيدة هذه ، فالمطر لم ينقطع ويبدو لى أن الرطوبة تنفذ دون انقطاع الى زنزانتى وانها تسقط على وجهى ويدى كنفاية لزجة . غطائي خشين وبارد ، وللطعام الذي أتناوله طعم الصحن الحديدى ولزنزانتى هذه الرائحة التى لا توصف ، رائحة الأماكن الضيقة التى يتنفس فيها الانسان ويحيا دون تبديل أو تهوية. لكن هناك ، خلف أجفاني ، منذ أن اطبق عينى ، تحيا عظمة الحياة كلها وجمال العالم كله. فكل ما أحست به عيناى وشفتاى ويداى حي ومضئ فى أعماقى ، فى قاع هذه الجلجلة ، المظلم. ان غني الحياة وجمالها يعيشان فى نفسى ولا يمكن ان يهدما فيها . والآن وقد فقدت هذا كله ، يملأ روحى اعتراف لا نهاية له بهذه الهبات الكثيرة العجيبة التى تمنحها الحياة لأولئك الذين هم أكثر سعادة منى . من أين يأتيني هذا الاحساس الخارق؟ أعبر خلاله ، كما أعبر خلال الهدوء الاخضر الداكن والصمت المعطر فى غابة من الصنوبر, نهار صيف . وانسى كل شئ حولى .
اثلجت ، الليلة ألاخيرة ، بشكل خاص . لم تكن لدى طاقة على النوم ، وتملكني نوع من الغضب ضد نفسي و . . فكرت بالانتحار . فى اللحظة ذاتها خجلت وندمت ، لكننى كنت افكر طويلا وعميقا . كنت افكر ، بنوع من الحماس السوداوى ، بالموت الذي هو شئ رائع, سهل وجميل ، لكنه شئ لا يجرؤ ان يكون . وكان عدم جراتى ان اموت يؤذي شعورى المتفلت كما يؤذى نوع من الواجب الصارم الثقيل ، وكالظلم تقريبا .
لم استطيع ان اتدفقا ، لكنني اخيرا جمدت كليا من البرد ، ونمت في الم مفرد لا مثيل له. حين استيقظت كان ذلك بالنسبة لى كما لو اننى ولدت مرة ثانية . وكانت هذه اقسى ليلة فى حياتى . قبل الفجر بلحظات توقف الثلج . وخيم فوق الغابات صمت وعالم رطب أبيض من الثلج العالى ، العالى . غطى الصنوبر فبدا كأنه كنائس صغيرة من الرخام ، وملأ الممرات حتى اصبحت بيضاء ناصعة لا يسار عليها .
الى اين ، يا هيلين ؟ صمت وظلام . ( انه لصعب السير في الثلج فى هذا الوقت المتأخر . ) لا السماء تبدو ولا الشمس المرهقة . الالوان انطفات ، ومات الصوت . كل شئ صامت ، أبيض ، نائم بشكل لا يوصف . وحينما ينكسر ، فى اقاصى الغابة ، غصن تحت الثلج ، فكانما يتقصف جذع اكبر الاشجار . الى اين ، يا ايلين ؟ ثلج هذه الغابات يجمد النفس ، ويخثر الدم ويزرع الشحوب فى الجلد وها هو قبر كل اثر وكل ذكرى . الاقدام تعبئة والايدى الصغيرة الحمراء باردة كالصقيع . لقد غطى الثلج من جديد قبور هذا الصيف كفن الاحياء والموتى هيلين ، هيلين !
يا رجال المستقبل ، ايها الاطفال الاحرار يا فجر ليلنا ، حين تبنون بيوتكم الحرة العالية تحت السماء التى شهدت جلجلتنا وعارنا وموتنا ، لن يفكر احد ان هذه المؤسسات الراسخة ترتكز على عظامنا . السعادة لا تبالي ، ولا تفكر الا في الغد . ماذا سيذكركم بالآمنا التى كانت فى المعاناة أكبر منها فى الكفاح ؟ ستكون حياتكم نسياننا . نادرا ما ستلمع في الدموع اللاشعورية لنسائكم ، واندفاعات فتيانكم واحلام فتياتكم ، وفي كلمات شعرائكم ، ذكرى آبائكم الذين كانت حياتهم قصيرة لكن المهم كان عظيما . وربما يندر ان يشعر الممتازون بينكم ان الكآبة اللانهائية للحياة الخرساء الميتة التى عاشت وماتت من اجلكم, يا ابناء المستقبل ، تهب كالريح ، فى كل يوم .
اننى ارى ، يا رجال المستقبل ايها الجيل السعيد ، كم هى رديئة وسيئة رغبتي بالحياة فى مجد حريتكم وجمالها . هكذا يجب ان يكون ذلك : ستكون حياتكم فيضا وفرحا كالحصاد والثمر في الخريف ، وحياتنا تمر ، كبيرة ، قاسية ومعذبة كالزرع والتعب في الربيع . كلا ، لا أريد ان اذكر ، فلاكن مجهولا وأخرس كالحجرة التى تصمت في البناء ، ولأغب دون اثر ودون اسم ولتمض حياتى القاتمة ، الملأى بالخطيئة والعذاب ، دون ان ترمي ظلها على طريقكم البيضاء . يدك البيضاء ، يا امرأة ، تقطع روحى كالخبز ، ايقاع خطواتك وببريق عينيك الغامض يصرخان فى أعماقى ، يدندنان ويهدران ويشوشان افكارى ويحرمانني من النوم . ظلك ، يا امرأة ، ممدود فوق رغبة الزاهد الخامدة وظمأ المستهتر ، الجامح ، فلئن ارجعنا جميع افكار هذا العالم وايحاءاته الى مقاصدها الاولى واسبابها الحقيقية ، فسوف نرى معظمها كامنا, كما اعتقد ، فى تجويف نهديك ، الدافئ .
لا اعرف ، يا امرأة ، لمن كنت مطرا صباحيا عذبا ، لكن تدخلين فى حياتنا كوابل تأتي به الاعاصير . الحكمة هنا ليست علاجا ، ولا تفيد الشيخوخة فى شئ ، وحين يصمت كل شئ يظل صوتك عاليا في دمى . يا امرأة لا نستطيع ان نراها بوضوح ، كما كان انسان ما قبل التاريخ يرى المرأة فى الشمس ، لكنك اصبحت رؤيا هائلة واصبحت سم دمائنا ، ونهرب منك ، وحين تظن انك بعيدة تسهرين فى افكارنا ، وحين نريد ان ننساك فى عملنا ، نكتشف ان في خيوط اعمالنا الرفيعة المتثنية آثارا لأصابعك غير المنظورة . ماذا يعنى خط جسمك ، المتموج ؛ وهذا الجمال الصاهت ، الابيض الذي غشي كثيرا ، والذي نطارده باغراء ، كما يطارد الاطفال الفراشات ، فيبعث فينا العذاب ، أو يتحول إلى مرارة وغم . ( مقاطع مختارة كتبها المؤلف بين 1917-1914 ونشرت فى زغرب عام 1918)
. ننشر تعليق مجلة " شعر " على ما ورد في مجلة الفكر من ملاحظات كتبها محسن بنحميدة حول بعض المترجمات الواردة في الزميلة اللبنانية .
انتقد محسن بنحميدة فى مجلة " الفكر " التونسية العدد السادس شهر آذار 1962 ترجمات القصائد الفرنسية الصادرة فى عدد مجلة " شعر " الخاص بالجزائر . ونظرا لان الترجمة هى جزء من رسالة مجلة " شعر " فانها تحاول فى نشاطها الترجمي ان تقدم للقارئ العربي أهم النتاج العالمى فى الشعر . من أهدافها الرئيسية أن تنقل هذا النتاج بحركته الاصلية شكلا ومضمونا ، واعية ما للترجمة من أثر ، بهذه الصورة ، فى اطلاق نهضة الشعر العربي واغناء خطواته وآفاقه ووضعه عينا لعين امام تجارب الآخرين .
لتطبيق ذلك تعمد المجلة بالتعاون مع اصدقائها لنقل النتاج الشعرى الذي تختاره الى العربية بكميته ولهجته الحقيقيتين . لكن تفوتها ، مع هذا ، اشياء بسيطة تكون قد نوتها او لا تكون . منها ما اشار اليه محسن بنحميدة فى مجلة " الفكر " حول كلمة ( Nordaafs ) التى وردت فى قصيدة هنرى كريا الشاعر الفرنسي الجزائرى الاصل ، المنشورة له فى عدد الجزائر الخاص . انها لفظة محلية لا صقة بالمكان الذي يعيش فيه صاحب القصيدة . وهي تخفيف للفظة ( Nord Aricains ) ، وقد تركها المترجم على حالها .
ومنها ايضا ما اشار اليه السيد بنحميدة حول الترجمة بالذات . وهنا يصعب النقاش . لأن الترجمة عمل دقيق هائل ، ينبع من الفن ويقتضى الجهد الشديد . والترجمة الشعرية الحديثة تتطلب الجهد واليقظة والرشاقة فى الملاحظة . وهي توحى بالتفاتات يصعب على غير المترجم الجيد ان يحيط بها ويطل عليها . والمترجم الشاعر ترتكز مجلة " شعر " على ترجماته اكثر مما ترتكز على سواه وتطمئن اليه ، لأنه يستطيع بنفاذه العقلي ان يعرف النغمة الباطنية عند زميله الشاعر أو الاديب الآخر .
وفضيلة معرفة النغمة هذه موجودة فى ما قامت به مجلة " شعر " حتى الآن من ترجمات للشعراء : برس ، رامبو ، لوتريامون ، آرتر ، اليوت ، جوف . سوبرفيال, لوركا وغيرهم . ولا ريب أنه حالفها التوفيق فى معظم ما قامت به . ولكنها لا تدعى العصمة . فبعض ما ذكره السيد بنحميدة من مآخذ صحيح ، ونحن نشكره عليه باسم القارئ . على اننا نستطيع بدورنا ان نجد فى ترجمة السيد بنحميدة فى عدد " الفكر " نفسه ما يناقض روح الشعر واللغة الشعرية معا من حيث النقل الحرفى والركاكة . من ذلك ما جاء فى ترجمته لقصيدة مالك حداد:
شبح رقبته مرتفعة
ومطر . . . وزوبعة
وعمرى في الستة عشر
مدينتى تخاف الغرباء
وتعشق عوائد الفناء
...انها ترجمة بلا روح . اسست جمعية سينمائية اطلق عليها جمعية الشباب السينمائى التونسي تكونت من عدة أفراد مثقفين ، هدفها : 1) الرفع من المستوى الفنى السينمائى فى تونس. 2) بعث ثقافة سينمائية من خلال ما تعرض الجمعية من افلام مختارة فى كل اسبوع وما تنظم من محاضرات . 3) تكوين جمهور سينمائى راق. 4) تنتاج افلام تونسية .
.الشبيبة المدرسية
صدر العدد 4 من " الشبيبة المدرسية " وهي نشرة تصدرها هذه المنظمة التى يعمل تحت لوائها جمع من خيرة ابناء مدارسنا الثانوية . وقد جاء فى هذا العدد : - التعليم فى الاتحاد السوفياتى بقلم : العزيز الماطرى - تأملات ( شعر ) بقلم : الفاضل اللعلاعى - الجاحظ والاضحاك بقلم : سمير العنابي - مشاكل الطاقة فى تونس بقلم : العربى صراصرة وغيرها من الابواب القارة
ونحن نشكر القائمين على هذا المشروع الناجح ونشجعهم على المضى قدما الى الامام حتى يحققوا أمل الوطن فيهم " تمجيدا لرفيقنا وصديقنا المرحوم الاستاذ فريد غازى وقد صادمته المنية وسط ابحاثة وأشغاله ومداومة لهدفه النبيل فى الامانة الذهنية يقترح الاستاذ الفريد مورافياد انشاء جمعية لمثقفين تونسيين وغير تونسيين تكون غايتها القاء محاضرات بكافة انحاء الجمهورية فى شتي المواضيع الادبية والتاريخية والاجتماعية والفلسفية . ويمكن تسميتها " جمعية فريد غازى لنشر الثقافة " . لعلنا نوفق فى هذا الدعاء .
.فى صقلية
علم الشاعر جعفر ماجد أن المستشرق الايطالى ريزيتانو استاذ اللغة العربية بجامعة بالرم نقل قصيدته ( فى صقلية ) الى اللغة الايطالية . كما أظهر الشاعر الجزائرى صالح الخرفي عزمه على انشادها فى اذاعة صوت العرب .
.تطور الأدب التونسي المعاصر
نظمت اللجنة الثقافية التابعة للاتحاد العام لطلبة تونس ندوة حول ( تطور الأدب التونسي المعاصر ) فى النادى الطالب - نهج على باش حامبه شارك فيها الأساتذة : محمد الطالبي ومصطفى خريف ومحمد المرزوقى وقد تلت هذه الندوة مناقشة حادة حول قضايا الشعر ومشكلة الالتزام ونحن نستبشر بهذا النشاط الأدبي المتواصل ونرحب بالمناقشات المثمرة
.أمسية شعرية
نظمت رابطة القلم الجديد يوم السبت 21 أفريل امسية شعرية شارك فيها الشعراء: عبد العزيز قاسم وعلى بن ضياف وجعفر ماجد والأخضر السائحي وعبد المجيد بن جدو ونور الدين صمود
.الطالب التونسي
عادت جريدة الطالب التونسي لسان الاتحاد العام لطلبة تونس آلى الظهور في اللغة العربية . وقد صدر منها العدد الأول حافلا بمقالات متنوعة وقصائد شعرية وعلمنا ان العدد الثاني تحت الطبع - ونحن نرحب بعودة الطالب التونسي الى اللغة العربية ونعتبر هذا العمل خطوة نحو التعريب .
.خير الدين باشا
شرع الاستاذ فرحات الدشراوى فى القاء احاديث بالاذاعة التونسية عن المصلح التونسي الكبير خير الدين باشا .
.مجلة القبس
أصدر تلامذة مدرسة باردو مجلة جديدة سموها القبس وهي مجلة تلتقي فيها قرائح تلامذتنا ونحن نرحب بها ونتمنى لها مزيد تقدم ورقي
.الدراسات العربية الصقلية
القى الدكتور " ربزيتانو " تحت اشراف اللجنة الثقافية محاضرة قيمة بعنوان " ماضي الدراسات العربية الصقلية وحاضرها " وذلك يوم الخميس 3 ماى المنصرم . وقد حضر هذه المحاضرة جمهور كبير من الأدباء والطلاب نظرا لما يتمتع به الاستاذ ريزيتانو المدرس بجامعة بالرمو من شهرة فى العالم العربى عامة وفي تونس خاصة . وقد تفضل الدكتور ريزيتانو فخص مجلة " الفكر " بنشر النص الكامل لهذه المحاضرة ونأمل ان يتم ذلك فى العدد القادم .

