باسم اتحاد الكتاب ارحب بكم واشكركم على تلبية الدعوة ، ان هذا الملتقي ينظمه اتحاد الكتاب بتوصية من جلسته العامة الاخيرة لدراسة منزلة الادب التونسي خاصة والثقافة التونسية عامة فى البرامج المدرسية وهو يهدف الى جانب الدراسة علاج هذا الموضوع اى استنباط او اقتراح الطرق الكفيلة بجعل الادب التونسي يتمتع بمنزلة مرموقة فى البرامج التربوية والانشطة الثقافية بوجه عام . وقد دعونا الى هذا الاجتماع الى جانب كافة اعضاء اتحاد الكتاب نخبة من الاساتذة الجامعيين واساتذة التعليم الثانوى والمتفقدين وكذلك عددا من رجال الثقافة والفن والمسرح والمسؤولين ممن البرامج الاذاعية والتلفزية والرسامين وطلبنا من بعض اعضاء الاتحاد والاساتذة ان يعدوا وثائق مضبوطة حول هذا الموضوع - موجودة فى ملفاتكم - وارجو ان تكونوا قد اطلعتم عليها وتمعتم فيها ، لانها ستعينكم على الالمام بالموضوع والمساهمة فى اشغال هذا الملتقى مساهمة ايجابية
تشجيع الانتاج التونسي :
ان الاتحاد إذ ينظم هذا الملتقى فانما يسعى الى المساهمة فى خدمة الادب والثقافة بهذه الديار ، وهو يعتبر أن من أوجه خدمة الكتاب تشجيع الانتاج التونسى ولا يتمثل هذا التشجيع فى نشر الكتب التونسية وترويجها فقط بل يتمثل كذلك فى ايجاد المناخ الملائم وتحقيق الشروط الموضوعية لضمان نشر الانتاج التونسى وتوزيعه فى الداخل والخارج . ان الكاتب التونسي سواء كان شاعرا أو قصاصا أو مؤلفا مسرحيا أو باحثا يقاسى اليوم الكثير فى سبيل ترويج انتاجه رغم الخطوات الايجابية الكثيرة التى قطعناها منذ سنوات فى هذا الميدان
لا ينكر أحد أننا منذ الاستقلال بل ومنذ ان بعثت وزارة الثقافة فى تونس فى أوائل الستينات قطعنا خطوات ايجابية كثيرة وبرزت مؤسسات وهياكل
جديدة الى جانب التشجيعات الكثيرة والمتنوعة وعندما نقارن ما كنا عليه منذ عشرين سنة أو أكثر وبين ما أصبح متوفرا لدينا لا ننكر التقدم الكبير الذي حققناه . لكن نعتبر ان هذه الخطوات ما تزال غير كافية . ولهذا الغرض نظمنا منذ أشهر قليلة بالمركز الثقافي الدولى بالحمامات ملتقى لمعالجة قضايا النشر والتوزيع . وقد اقيم الدليل فى هذا الملتقى على ان هناك عدة اجراءات يجب اتخاذها لتشجيع الكتاب وترويج انتاجهم لا فى تونس فحسب بل وفي كامل انحاء العالم العربي والاسلامى ، بل وحتى فى الدول الصديقة الاخرى لاننا نؤمن بأن الكتابة يجب ان تضمن لصاحبها حدا أدنى من الامن المعنوي ومن الامن المادى ، بحيث يمكن لنا ان نتصور - لا أن نحلم فقط - بأن فى امكان الكاتب ان يعيش فى يوم قريب حرا وفى مأمن من غوائل المادة ، كما هو الشأن فى عدة دول فى العالم المتقدم اى ان يضمن قوته بفضل ما يدره عليه انتاجه ، وانه يمكن للكاتب ان يتفرغ كليا او جزئيا ويعيش كريم بفضل انتاجه ، وهذا لا يتحقق الا اذا آمن الكاتب التونسي بنفسه اولا وقبل كل شئ ثم اذا ارتفعت منزلته فى المجتمع ، وراجت كتبه وترجمت وتحصل من حقوق التأليف على الحد الادنى الذى يضمن له الحياة الكريمة
الكتابة ليست الهية :
ومن المؤسف اننا لا نزال نعتبر فى كثير من الاوساط بل وربما فى صفوف بعض الادباء أنفسهم ان الكتابة مجرد آلهية ، أو قتل للوقت ، أو هواية نزجيها فى أوقات الفراغ ، أو ننجزها على سبيل التجربة أو المحاولات المرتجلة . . ويؤلف الكاتب التونسي ، وقد ينشر ما يؤلفه ومع ذلك يعتقد ان حياته اليومية مرتبطة بأمور " جدية " عليه ان ينجح فيها قبل كل شئ ! اما الكتابة فهى أمر ثان يأتى عرضا ، بينما نجد فى الدول المتقدمة بصفة عامة كتابا كثيرين يعيشون على اختلاف أوجه اختصاصهم من مداخيل الكتاب ويحيون حياة رغدة وكريمة ، والسبب فى ذلك يعود لاهتمام الدولة بهم والمناخ الثقافي العام الذى يكتنفهم ولتوسيع الترويج وتنظيم شبكة التوزيع بحيث تصبح حقوق التأليف ذات جدوى وكافية ليعيش بفضلها هؤلاء الكتاب حياة محترمة . واذن فمصلحة الكتاب التونسيين المادية والمعنوية تقتضى ان يروج الكتاب التونسي ويوزع على أوسع نطاق لتضمن له حقوق التأليف بنسبة معقولة من المرابيح . وان يكون له فى ذلك ضمانات مضبوطة ، وهذا ما عالجناه او حاولنا ان نعالجه فى ندوة الحمامات وما سنعالجه في ملتقى اليوم ولو بصفة غير مباشرة :
الغاية من تحسين هياكل النشر والتوزيع :
اننا ننادى يتحسين هياكل النشر واحكام طرق التوزيع وهذا ضرورى وان كان غير كاف . وقد اردنا ان نتعمق فى هذا الملتقى وان نفكر فى الاسباب القريبة والبعيدة التى من شأنها ان تضمن ارتفاع منزلة الكاتب التونسي في المجتمع ، وان توفر له حياة كريمة من الناحية المعنوية والمادية وذلك يكون بخلق الحاجة لمطالعة الكتاب التونسى وخلق المناخ الكفيل بتقدير المطالعة حق قدرها بتوسم الخير فى الكاتب وفى الكتاب وبتأصيل حب المطالعة فى الجماهير وجعلها من تقاليدنا وعاداتنا
حوافز العمل النفسي والتربوى :
ويحب ان نستأصل مخلفات الاستعمار الثقافي الراسبة فى اعمق اعماقنا ، وان نتخلص من كل اسباب الاحتقار والاستنقاص واللامبالاة والجهل بانتاجنا .
أمامنا إذن مجموعة من العمليات يتوجب علينا القيام بها ، عملية نفسانية بسكولوجية وعملية حضارية وعملية تربوية وهذه المجموعة من العمليات لا بد من الاقدام عليها حتى يشعر الشباب التونسى والاديب التونسى والمواطن التونسي بصفة عامة ، اولا : ان " فى بنى عمه رماحا " وان الكتاب التونسيين ليسوا هامشيين ، وليسوا دخلاء أو طفيليين على الادب . ثانيا : ان يقبل الشاب على هذا الانتاج ، وان يجد فيه غذاء مستساغا وان يضحى من الناحية المالية بشئ من مدخوله فى سبيل اقتناء منشورات هذا الادب التونسى
خلق المناخ الادبي في التربية والثقافة :
إذا كانت هذه العمليات ضرورية يجب علينا ان نتعمق فى الموضوع ونتساءل : كيف يمكن ان نخلق هذا المناخ ونطهره من شوائب الظروف النفسانية والاجتماعية السلبية ؟ نحن نعتقد ان لبرامج التربية القومية ونشاط وزارة الشؤون الثقافية دخلا فى ايجاد هذا المناخ وفى تحقيق الشروط الضرورية التى تمكن الانتاج التونسي من الفوز بنظرة اكبار واحترام من قبل الاجيال الصاعدة ومن الرواج رواجا كافيا يدر على اصحابه عوائه يستطيعون ان يحيوا بفضلها حياة كريمة كما سبق ان بينت . لذا يجب علينا اليوم ان نمعن النظر فى منزلة الادب التونسى وفى مكانته من البرامج الرسمية فى التعليم الابتدائى والثانوى والعالى ، وفي مكانته من الانشطة
الثقافية والبرامج الاذاعية والتلفزية وفيما لديكم من وثائق ما يقنعكم بأن حظ الادب التونسى فى البرامج المدرسية لئن سجل تقدما ملحوظا لا يزال دون ما نطمح اليه ودون ما نرجو ان يكون
تغيير عقلية المربين :
ويجدر بي ان افتح قوسين لأبين لكم من باب الامانة التاريخية ان مجهودات لا بأس بها بذلت لتطوير البرامج التعليمية الرسمية وذلك بادخال مزيد من النصوص التونسية لتغيير العقلية التى كنا عليها جميعا بالرغم منا ، لاننا نحن أنفسنا ، كأساتذة مثقفين ، ضحايا أوضاع تكيفنا وتأثرنا بها بها وتربينا ونشأنا عليها
نحن جميعا نعتقد ان لنا ذوقا ورأيا وتكوينا علميا اى ان لنا شخصية ثقافية واذا ما سلطنا على هذه الشخصية تحليلا نفسانيا واضواء تاريخية وجدنا اننا نتكلم بما تعودنا الكلام به وننفعل بحسب ما تعلمناه عندما كنا تلاميذ في الثانوى أو طلبة فى التعليم العالي وعندما نراجع أنفسنا لما كنا تلامذة في الاربعينات أو الخمسينات ونتذكر البرامج الرسمية التى كان معمولا بها في المدارس الثانوية أو فى الجامعات نجد ان الادب التونسي مفقود فيها أو يكاد ولما تخرجنا أساتذة وحاولنا ان ندرس ونحمل المشعل عملنا بحسب ما تعلمناه مع اضافة ما استساغه مزاجنا وما مكنتنا الصدف من مطالعته وما جعلتنا مؤثرات مختلفة ننفعل به لكن من دون ان نغير من تكويننا الاساسي شيئا كثيرا
تجربة شخصية :
وأبدأ بنفسي ! فعندما انظر الى تجربتى الشخصية وتجربة أكثر أفراد جيلي فى المدرسة الصادقية أجد أننا نستهل دراستنا الادبية - ابتداء من السنة الرابعة - بالشعر الجاهلى ونتوسع كثيرا في دراسة خمريات أبي نواس ، و " كفريات " بشار بن برد ، وزهديات أبي العتاهية ونتمتع بظرف الجاحظ ونكته ونعجب بعميق تحليلاته ، ثم نتحمس لحماسة المتنب ونتأمل لزوميات المعرى ، إذا حدث ان كان للبعض منا حظ وأتاحت له الفرص القاء نظرة خاطفة على ادب الموشحات ترنم باشعار ابن زيدون ، وربما ردد في خضم الكفاح - او إذا صادف ان طالع مجلة المباحث أو غيرها من المحلات والجرائد اليومية - بعض اشعار أبى القاسم الشابي ، ثم عندما نصبح بدورنا
اساتذة وخاصة أعضاء في لجان تربوية ويطلب منا المسؤولون وضع برامج لتدريس الادب العربي نكتفى بنقل ما تعلمناه وتذوقناه واعتبرناه مثاليا وبدونه لا يحصل التكوين الكامل والمرضى ، وبذلك تكون بدورنا من المواصلين المؤيدين للقديم من حيث لا نشعر ونكون حريصين على اقرار ثقافة نشأنا عليها وتأثرنا بها ، وأصبحنا نردد انها هى المثال المحتذى بينما هى وضعت في ظروف غير الظروف التى نحياها اليوم ويحياها شبابنا خاصة
مفهوم الثقافة :
والثقافة الحق هي التى تحتم علينا اعادة النظر فى تربيتنا وفى تكويننا وفي نظرتنا للحياة لانه بالثقافة وحدها نستطيع ان نعيد النظر فى الثقافة وتلك أولى خصال الثقافة الحق التى لا تقتصر على الترديد ودعم الموجود والا كانت ثقافة موت لا ثقافة حياة
ان الثقافة الثورية والانسانية هي التى تؤمن بالمستقبل وتهئ له . والثقافة هي التى تمكننا من حيث الشجاعة الادبية وعمق الرؤية وشمول النظرة من ان نغير ما بأنفسنا ونتلاءم مع الحياة ، ونتخلص مما ترسب في أنفسنا وجمد في عقلياتنا
حركية التطور :
عندما عزمت عام 1970 ( * ) فى نطاق هذه النظرة الحركية للبرامج على مراجعة وتغيير محتوى الكتب المدرسية وكونت لجانا لهذا الغرض اصطدمت بصعوبات نفسانية متأتية من الموقف المحافظ الذي وقفه بعض المشاركين فى هذه اللجان وزهدهم في اختيار النصوص الادبية التونسية . ولا شك ان كل المشاركين في هذه اللجان كانوا على حسن نية وكان كل عضو منهم يعتقد انه بموقفه بخدم مصلحة البلاد ويفكر فى مستقبل الاجيال الصاعدة . لكن التعلل بحسن النية لا يكفى ، فكل من يمسك بمقاليد سلطة ما سواء كانت ساسية او اقتصادية او ثقافية او تربوية يتمسك فى غالب الاحيان بالموروث وتكون له نظرة " قرابة " فى حين ان التاريخ يعلمنا ان التمسك بالموروث
كما هو لا يجد بل تذروه الرياح ويذهب به شباب الانسانية المتجدد ونحن حريصون على ان يقع التغيير وان يتحقق التطور فى كنف ترابط الاحبال ومراعاة المصلحة والحوار ، وان نتجنب نوعين من التطرف : التطرف فى المحافظة والابقاء على ما كان كما كان وهو الجمود بعينه والتطرف الاخر يتمثل في الطفرة والمغامرة العمياء التى قد تدغدغ خيالنا ولكنها قد تؤدى بنا الى محضور وتؤول الى التقهقر
موقفنا- اذن - يجب ان يكون موقفا وسطا لاننا أمة وسط ، ولاننا دائما نحاول ان نوفق بين الارقي والاصح والاجدر فى تراثنا بالبقاء ، وبين ضرورة التطور وناموس الحياة . وقد لاحظنا ان البرامج التربوية سجلت بعد النقاش والحوار والاخذ والرد تقدما ذا بال فى هذا المجال ولاحظنا ان عددا من الكتب المدرسية عمل مؤلفا بالتوجيهات الجديدة والنصائح التى ارتاها المسؤولون فى وزارة التربية القومية سنة 1970 وبعدها ، لكن يجب علينا في هذا الملتقي ان نقيم هذه التجربة وان نتساءل : هل هذه البرامج ترضينا اليوم أم لا ؟ واذا كانت لا ترضينا فما هى التوصيات التى يجب علينا ان لتقدم بها حتى تصبح هذه البرامج اقرب ما تكون الى امانينا واجدر بان نقرها حتى تحد فيها الاجيال الصاعدة الغذاء الادبي والاخلاقي التى هى فى حاجة اليه أولا ، وحتى يشعر الادباء والكتاب - ثانيا - بالاطمئنان ويتفاءلوا بالمستقبل
حظ الادب التونسي :
ولكن حظ الادب التونسي لا يتمثل فقط فى محتوى الكتب المقررة فى برامج وزارة التربية القومية ، بل يتمثل ايضا في مختلف اوجه الثقافة التونسية ، لذا يجب ان ننظر في مكانة الادب التونسى فى الاغنية التونسية وفي البرامج التلفزية او المسرح التونسي ، ولهذا يجب ان نتساءل : هل ان مختلف الاجهزة الثقافية تخصص فى برامجها للانتاج التونسي ما يكفى وما يرضى ؟ . هذا هو الموضوع الذي يهتم بمعالجته اتحاد الكتاب التونسيين وهو بنحصر بعبارة موجزة فى اعطاء الادب التونسي حظه فى مختلف الميادين وتوفيره فى البرامج الرسمية والانشطة الثقافية حتى تتغير نظرة الاجيال الصاعدة الى هذا الادب وحتى نخلق الحاجة فيهم اليه ، ونحثهم على الاقبال عليه فيتشجع بذلك الادباء وينتجون ويروج انتاجهم ، ويتمكن الاديب فى نونس من تبوا منزلة اجتماعية وأدبية أكبر شأنا وأوفر ضمانا وأرفع كرامة
الجانب الآخر للقضية :
ان لهذه القضية جانبا آخر يتحتم علينا النظر منه الى جوهرها حتى لا نأخذ الامر من وجهة نظر الادباء والكتاب فقط بل بالخصوص من الوجهة القومية ذلك لان القضية لا تهم الكتاب فقط فهم لا يمثلون الا فئة قليلة او جزءا ضئيلا من بين افراد الامة التونسية فالادباء هم لا محالة فى مقدمة الامة وطلائعها وهم روادها الذين يعينون الشعب على ان يعرف ماضيه وينظر الى مستقبله ومع ذلك فهم ليسوا الا قلة ولو كانت فعالة ! لهذا يجب علينا ان ننظر الى القضية نظرة قومية ، لانها تهم الشعب بأكمله ، ذلك ان حظ الادب التونسى يجب ان يكون اوفر مما هو عليه الآن لا لضمان حياة كريمة للادباء فقط ، بل لان مقتضيات التربية القومية والوطنية والمدنية والانسانية تفرض علينا ان يكون حظ الانتاج التونسى بكل فروعه أوفر فى كل مظاهر التربية والتثقيف ، لان التربية يطلب اليها أولا وبالذات ان تشمل كافة الشباب التونسى وتكتنفه ، والتربية أو الثقافة التى لا تسعى الى تعميق جذور الشباب فى تربته انما هى ثقافة مزيفة مستوردة تحمل في ثناياها جراثيم الاستعمار الثقافي
التفتح والانغلاق :
كل ثقافة أصلية أصيلة تقدمية تسعى الى ان توجد وتدعم الانسجام أو التفاعل والاتصال بين الافراد وبين بيئتهم ماضيا وحاضرا ومستقبلا ، ولهذا يجب ان نميز بين مقتضيات الاصالة وبين ما يعتبره بعض الناس - سامحهم الله - انتفتاحا على الخارج لان قلوبهم " طيبة " جدا ولهم من " سعة الصدر " ما تجاوز كل الحدود وهم خائفون بل مرضى من فرط توجس شر الانغلاق ! فكلما قيل لهم أو طلب منهم ان يتكلموا عن تونس اما في الادب أو في التاريخ او فى الجغرافيا أو حتى فى الفقه يكون أول رد فعل : " نحن أمة متفتحة دعونا من التعصب " وهذا يدل على ان هناك نوعا من الحساسية طريقة جدا قد لا نجد لها مثالا فى أى بلد من بلدان الدنيا شيوعية كانت أو رأسمالية . وتتمثل فى الاشفاق من التحدث فى الشؤون القومية خوفا من داء الانغلاق وتهمة " الشوفينية " !
واذا قلنا للبعض من هؤلاء الشغوفين بالتفتح - مثلا - يجب أن يكون التاريخ التونسى هو المنطلق والمرجع فى كل برامج التاريخ كما هو الامر والشان بالنسبة لكافة بلاد الله ، قالوا لنا : " إيانا ثم إيانا من الانغلاق "
واذا قلنا لهم : " يجب ان نعطى الفكر التونسى - والعربى الاسلامى عامه - حظه في برامح الفلسفة " ، قالوا : " ايانا ، ثم ايانا من الانغلاق" واذا قلنا : يحب ان تكون نسبة النصوص الادبية فى البرامج المدرسيه 50 % على الاقل " قالوا : " وما الحاجة الى ذلك ألسنا متفتحين ؟ لا يهمنا ان يكون كاتب النص تونسيا أو أجنبيا أو عربيا ، المهم هو ان يساهم النص فى تهذيب التفكير وفي صقل الموهبة . .! ولماذا يهمك ان يكون هذا النص تونسيا ما دام يرهف الذوق ويدعم الثقافة " .
انها الحساسية المرضية والحيطة المفرطة من الانغلاق
نحن نخاف ان نتهم بالانغلاق فنظل دائما متفتحين ونشهد العالم دائما على اننا متفتحون ومن ألد أعداء الانغلاق . وهذا الانغلاق قد يتمثل عند البعض في اقرار نسبة معقولة من النصوص التونسية فى الكتب المدرسية وقد يتمثل عند البعض الآخر فى اعطاء التاريخ التونسى المكانة اللاتقة به ، اما ان ندرس طوال سنة كاملة تاريخ بلاد العالم الاخرى ، وان نخصص حصه واحدة فى شهر ماى لدراسة تاريخ لا تونس وحدها بل كافة شمال افريقيا فهذا أمر طبيعي . ألسنا متفتحين ؟ فلا يهمنا ان ندرس او ألا ندرس تاريخ تونس . المهم هو اننا نعرف التيارات التاريخية الكبرى فى العالم وان يقال لنا اننا عصريون . ان رضا الغربيين عنا فى نظر بعضهم أجدر بالسبق وأولى بالثواب من رضا الوالدين ! . . . - وفي أما : محمة واحدة
هذا هو الداء وعلينا ان نشعر به وان نكشف عنه فى أنفسنا ونفضحه فضحا لان العدو كامن فينا وليس هو فى الخارج وتلك هي سخرية الدهر ! إننا ملكيون أكثر من الملك ، متشبثون بالتفتح المزيف أكثر من بعض انصار الثقافات الاجنبية لان بعض العقلاء من الاجانب يلوموننا لاهمالنا مقومات شخصيتنا التونسية ويقولون لنا ما هى ثقافتكم ؟ وما هى خصائص هذه الثقافة ؟ ونحن نتشدق ونفتخر باننا مطلعون على جزئيات دقيقة فى تاريخ اليابان او تاريخ أروبا ، أو نعجب بشمس " أوسترليتز " تشرق على جيوش نابليون الظافرة وبمعرفة جزئيات وكليات تاريخ " كرومويل " اما معرفة تاريخ تونس فهي لا تهمنا وليست من الاوليات فى مشاغلنا التربوية والثقافية واذا انت اهتممت واردت ان تتحدث عن تاريخ تونس او اعطاء الادب التونسي حظه فى البرامج الدراسية ، فقد تتهم بالتعصب وهي اكبر تهمة واشنع فضيحة
المواجهة النفسية :
علينا اذن ان نقاوم هذا الداء فى أنفسنا وان نمتحن كل شئ تعودناه فى مستوى التفكير لاننا مكيفون ومثقلون بما بثه المستعمر فى اعماقنا ومن الواحب التخلص من هذا التكيف والتسلح برغبة التغيير الذاتى والعودة الى انفسنا ، لعلنا نحقق الصحو التاريخي المنتظر ونفتح اعيننا على انفسنا للنظر فى أمور كثيرة عالقة بنا راسبة فينا فنتخلص منها كما نتخلص من بقايا دمل او من ثياب خلقة بالية وننظر الى الاشياء نظرة صحيحة ونتحرر من التبعية الفكرية التى هى شر من التبعية المادية ! هذا موضوع من مواضيع ملتقى اليوم الذي لانهدف منه - كما ترون - الى دراسة منزلة الادب فى خدمة الكتاب التونسيين فقط ، بل ان اتحاد الكتاب التونسيين يعتبره مساهمة فى جعل التربية والثقافة تؤصلان اكثر فأكثر الاجيال الصاعدة فى تربتهم القومية
تأصيل الشباب التونسى :
ان لهذا الوطن مقومات عربية اسلامية ، وتاريخا ومستقبلا ، ولأبنائه نظرة الى المستقبل وموقف من الحياة والمهم هو كيف نستطيع ان تؤصل ابناءنا فى بلادنا بواسطة الادب والتاريخ والفلسفة والجغرافيا والتربية المدنية والدينية ، ، وبإمكانكم ان تدرسوا برامج التعليم فى أى بلاد شرقية كانت أم غربية ! انى واثق من انكم لن تجدوا " تفتحا " اوسع ولا أعمق ولا أقل وعيا من " تفتحنا " نحن
تأملوا الاوضاع التربوية فى اى بلد عربيا كان أم أعجميا ، شرقيا كان أم غربيا ، رأسماليا كان أو شيوعيا ، فلن تجدوا بلدا لا يدرس شبابه نصوصا قومية وتاريخا قوميا وفكرا قوميا.
وفي امكان كل واحد منكم ان يتثبت من هذا الامر ، وستجدون كلكم ان منظمة اليونسكو نفسها اصبحت تطالب البلدان الكبيرة بمراجعة برامجها التعليمية ، ومن بينها مثلا برامج التاريخ ، لانها موغلة فى التعصب وتخص الجانب الاوفر من التأليف لوقائعها القومية وهى تغرس فى ابنائها الشعور بالعظمة وربما الخيلاء والزهو ، وتلك أمور تؤدى فى نظر : "اليونسكو " الى احتقار الشعوب الاخرى ، وهو ما يتسبب فى المركبات النفسانية وبالتابع فى الاحقاد وبالتالى فى اندلاع الحروب . اما نحن فعلى نقيض ذلك ، نتجنب غالبة كل ما من شأنه أن يدل على تفوق بلادنا ويظهر مساهمتها فى كتابة التاريخ .
ان لنا طبعا نخوة قومية لكنها تتجلى خاصة فى ميدان السياسه العامة ، وتبرز فى الاحتفال ببعض الاعياد الوطنية ولكنى أخشى ألا يكون وعينا القومي متغلغلا في الاعماق وبعيد الجذور ، فلا يعرف الكثير منا تاريخنا القديم معرفة صحيحة وتامة . لا نعرف صفحاته السوداء ولا المشرقة ، وربما أكد البعض منا فى بعض الاحيان على التعريف بالصفحات السوداء ، والسلبيات التى لا يخلو منها تاريخ أية أمة من الامم وهو ما يدعم الاحتقار الذاتى ويزرع فى النفوس مركب الاستنقاص بينما نكاد لا نعلم شيئا عن الصفحات المشرقة للامعة التى خطها اجدادنا شأننا فى ذلك شأن الاقوام الذاهلة عن الدنيا لو القينا نظرة على أغلب الكتب التاريخية الغربية أو الشرقية لوجدنا انها تدعير الروح الوطنية والشعور بالكرامة القومية والاعتزاز بالذات ، وربما تجاهلت مزايا الاقوام الاخرى
تصحيح القضية :
نحن لا نريد ان نصل الى حد التطرف في تدريس تاريخ بلادنا ، بل نطلب شئا من العدالة والتوازن فنعطى لتاريخ بلادنا وللادب التونسى حظهما فى البرامج المدرسية حتى نمكن التربية القومية والثقافة القومية من ابلاغ رسالتهما وحتى لا تكون التربية فى بلادنا مزيفة والثقافة مستوردة أو سطحية . لابد اذن من التفكير فى الطرق البيداغوجية والبرامج الثربوية والثقافة الكفيلة بتأصل الشباب في تونس من الوجهتين الادبية والثقافية البحتة ، واتحاد الكتاب التونسين يؤكد بصفة عامة على ترسيخ الروح القومية والتكوين الحضاري الصحيح وهو أمر سيتحقق طال الزمن أو قصر ، ويفرض علينا اعادة النظر فى البرامح التربوية والثقافية على أساس الاعتزاز بالذات والثقة فى واقعنا ومستقبلنا وفي الانسان التونسي وتمكين الاجيال الصاعدة من معانقه عصرهم على أساس الفهم الحضاري القومى الذى بدونه لا يكون تفاعل ولا حياة مع المستقبل . فمن لا يعلم ماضيه لن يتهيأ لمستقبله ولن يتلاءم معه أو يؤثر فيه ، بل يبقى باستمرار هامشيا - مهما اختلفت الايديولوجيات - طفيليا ضحية الاطماع الخارجية والامبريالية الثقافية
تحمل التبعات :
لذا يجب علينا ان نراجع برامجنا التربوية والثقافية حتى لا نكون غفلا من الوجهة الحضارية بل نتحمل تبعات واقعنا وتاريخنا بما فيه من سلبيات
وايجابيات وتبعات ادبنا وفكرنا بما فيهما من ضعف وقوة ، على أساس ان البقاء للاصلح وان حركية الكم تؤول الى حركية الكيف ، وان الغاية هي جلب ذوى " الحاسة " الادبية والتربوية اللطيفة جدا التى لا تتفتح للكتاب التونسى الا بشئ من الحذر ! . . ونقول لهؤلاء الاخوان بكل لطف ايضا وبكل احترام لمزاجهم " الرقيق " : ان الادب التونسي جدير بأن يحيا فى بلاده وان يشع وله حق الحياة وحق الانتشار فى المدارس وخارجها
الاطار العام للملتقى :
ان موضوع هذا الملتقى الذى ينظمه اليوم اتحاد الكتاب هو إذن درس كل هذه المواضيع من الوجهة الادبية ومن الوجهة الحضارية لا بوصفنا أساتذة وأدباء فقط ، بل بصفتنا مواطنين أيضا كلنا وطنيون نغار على بلادنا ونحب لها الخير ، والقضية هى ان نتفق حول الطرق الكفيلة بتجسيم هذه الوطنية حتى لا تبقى مجرد شعارات تبرز فى مواقف وظروف معلومة
ويجب ان تتجسم هذه الوطنية فى كل الميادين وان تتوسع وان تتغلغل وتتعمق وتبرز فى كل اعمالنا التربوية والثقافية فى سرنا وفى علانيتنا ، فى كلامنا وفى افعالنا وان نتكيف جميعا بروح الثقافة القومية والفكر التونسى ونبلغ رسالتنا لهذه الاجيال الصاعدة
هذا هو الاطار العام الذى يرجو اتحاد الكتاب التونسيين بدون اطالة أو دخول فى التفصيل ان يعالج الحاضرون اليوم فى كنفه هذه القضايا . واني أمل ان يتمخض الملتقى عن توصيات عملية نبلغها الى الجهات المعنية
دور وزارة التربية القومية :
اما فيما يتعلق بوزارة التربية القومية فاننا عازمون فى مواقع المسؤولية التى هى بعهدتنا اليوم مهما كانت الصعوبات النفسية وبقدر ما نتمكن مر ذلك على أن نعمل بما ستوصون به من توجيهات وما ترونه من قرارات بتحقيق ولو خطوة فى طريق هذه الغاية البعيدة التى لا تتحقق الا بعد سنوات عديدة لانه يتأكد علينا ان نزيل " آثار العدوان التاريخي " الاستعمارى المسلط عليه مدة قرون ولا بد لنا من جهاد يمتد سنوات نأمل أن تكون قليلة لازالة هذا
الترسبات والآثار السلبية لثقافة كانت رجعية ، ثم اصبحت استعمارية وتركت فينا آثارا نحن شاعرون بخطورتها ، واننا عازمون على القضاء عليها حتى نتمكن من تكوين شخصية تونسية صميمة وثقافة قومية طريفة حية وبذلك نؤدى الى جانب الخدمة الوطنية خدمة جليلة نحو الفكر الانسانى والثقافة الانسانية والتربية والتعليم بوجه عام اذ بقدر ما يملك الشعب ثقافة وطنية طريفة يستطيع افراده خدمة الثقافة الانسانية . وكل أمة أصيلة تأخذ وتعطى ، تقتبس وتشجع ونحن اخذنا الكثير وعلينا ان نعمل لنعطى البعض مما اخذناه وحتى نرد التحية الثقافية بأحسن منها . فلنعمل ولنجتهد ولنغير ما بأنفسنا حتى نعطي للشعوب الاخرى شيئا من أدبنا وفكرنا وشخصيتنا وبذلك يكون التبادل الثقافي الحق ويكون التقدير الصحيح ويتوفر سبب من أسباب السلم والوئام بين البشر
هذه هي النظرة الثقافية القومية والانسانية التى فى اطارها نستطيع ان العمل اليوم عملا جادا . واعتقد ان فى الوثائق التى بين ايديكم وفي المناقشات التى ستدور اليوم بكل حرية وعفوية ما يجعلني والهيئة المديرة للاتحاد نعتقد ان هذا الملتقى سيكون ايجابيا ، وسيكون له شأن فى تطوير البرامج ودعم الثقافة القومية على أساس الاصالة والتفتح الحق
