الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "المنهل"

الأديب الشهيد .

Share

عرفته منذ عشرين عاما ، فتى يافعا أبيض طوالا ، يجيد اللغة الفرنسية ، ولكنه يسعى سعى الفتيان ذوى الأهداف النيرة الى أن يجيد من لغة آبائه وآدابها ومقوماتها ومن دين الاسلام الحنيف ، أكثر مما يجيد في هذه اللغة الأجنبية التى يرتطنها كأحد ابنائها ، والتي يحسن الكتابة فيها ، كما يحسنها أى واحد من أبناء باريس . .

وعرفته فعرفت فيه المروءة والشهامة ، وعرفت العروبة الأصيلة والنفس المتفتحة الواعية ، والمبادئ الفكرية المثلى ، وسلامة الطوية ، ونظافة الضمير . . وكان لا يريم حولاً عن مدرسته العلمية : ( مدرسة العلوم الشرعية ) بالمدينة المنورة ، إلا إلى مدرسته الأدبية : ( مجلة المنهل ) حينما كانت إدارتها على مقربة من باب الرحمة في المدينة المنورة . .

كان صاحبنا تلميذا نجيبا ، فى كلتا المدرستين ، وكان مجدا ، وكان ذا بصيرة فيما يأخذ وفيما يدع من الأمور الخاصة والعامة ، وأعجبت بانهماكه فى ارتضاع لبان العلم والأدب ، وأعجبت به في استقامة أخلاقه ، ومثابرته على صغر من سنه على التحصيل ، فهو لا يأخذ فيما يأخذ فيه أغلب لداته من عبث ومجون

بريئ أو غير بريئ ، حين يدبر النهار ويقبل الليل . . بحسبه مدرستاه ، وبحسبه بعد ذلك داره يأوى إليها وأسرته الصغيرة يجتمع بها . وكانت داره بمحلة الساحة من محلات المدينة ، وكان غير كثير الكلام فيما لا يعني ، تلوح على جبينه العربى العالي ، وأنفه الأشم ، علامات الذكاء اللماح ، وعراقة العنصر ،

ونقاء السريرة والمخبر ، وقد سرني كثيرا أن أرى من ناشئة العرب من ينتحي هذا النحو . وكان له من والده الشيخ الوقور الطيب الذكر ووالدته العجوز الصالحة خير مثال يأتسى به ، فهما إذن اللذان نفخا فيه من روح النبل والشهامة ووجهاه هذا التوجيه وكان له إلى ذلك بنو عمومته المثرون الذين اتخذوا من مهبط الوحى موطنا ثانيا لهم ، بعد إن نزحوا من بلادهم التى يطوقها استعمار كارب غاشم .

وكذلك كان صاحبنا مـمعنـــا في دراسته التى لابد أن توصله من الأدب العربى إلى الذرى ، وكان صديقا مخلصا وفيا لكاتب هذه السطور . ومؤازرا حفيا بالمادة والمعنى ، للمنهل ، يؤثره على كل مجلة ويدافع عنه ويتغني به ، ويغذوه من جهوده بما يستطيع ، وكذلك أصبح - تطوعا واختيارا - سكرتيرا أمينا ونشطا ، لإدارة هذه

المجلة ، يقوم بشؤونها الكتابية الإدارية البسيطة بعد انتهانه من دروسه ، ويقوم علاوة على ذلك برفدها ببعض المقطوعات الأدبية المختارة من الأدب الفرنسي ، تطعيما وتقديما . كان يترجم هذه المقطوعات للمنهل فتنشر فيه ، كما يترجم بعض المباحث الهامة فتنشر فيه . ثم صار يكتب القصص المستوحاة من البيئة والتاريخ فتنشر في المنهل . وكانت

قصصه متسمة بما يسمى السهولة والامتناع في عرف أهل البيان ، وكانت حوارية جذابة ، تهدف إلى الاصلاح الأدبي ، وإلى إصلاح المجتمع العربى ، ونشله من هوة الخمول والتخاذل . . وقد مضى به المران والدرس ، ومضت به الحياة والمواظبة حتى أصبح من كتاب القصص العرب اللامعين المرموقين . . فصدرت له قصص مطبوعة كان آخرها مانشرته هيئة ( البعث ) بتونس . .

وبالجملة كان صاحبنا صاحب فضل يذكر ليشكر في تشجيع المنهل وتثبيت دعائمه حين كان المشجعون قلة والمتبطون كثرة . .

وقد أخذ صاحبنا الشهادة العالية في الدراسات العربية دينية وعلمية وأدبية من مدرسة العلوم الشرعية فى عهد مؤسسها المبرور السيد أحمد الفيض آبادي رحمه الله ، وكان لديه أثيرا وبه حفيا ، وعين مدرسا ولكن نفسه الطموح الحساسة كانت تستشرف إلى مجال أوسع ، فلما دقت طبول الحرب العالمية الثانية وكنا معا فى المدينة وتلقيت أمرا

ملكيا بالانتقال إلى مكة المكرمة رئيسا لتحرير جريدة أم القرى الرسمية ، بقى صاحبنا فى المدينة المنورة ، فهو يحن الى المنهل الذى انتقل بدوره الى مكة ، ويحن معه الى مجال من العمل أرحب من التدريس الذي كلف به فبرم به ، وإن له لأسرة انقطعت مواردها من بلادها بسبب قيام رحى الحرب ، وفي طليعة هذه الأسرة والد شيخ كبير ، وأم عجوز . . وعقيلة وأبن صغير ، وكل هؤلاء لا بد لهم من غذاء وكساء ، وقد ارتفعت كثيرا وتدريجيا أسعار الغذاء والكساء فهي فوق مستوى ما تدر له وظيفة التدريس المحدودة . .

وكذلك بعث الى بكتاب يعرض فيه حالته وحاجته الى رفد ومساعدة . . بعث الى بهذا الكتاب من المدينة مقره ، الى مكة مقري . . وما كان لى أن أتخلى عن صديق بلغ منزلة سامية في الوفاء النادر ، في ساعات محنته . . ففكرت وقدرت وتذكرت أن لى صديقا عزيزا ، أديب النفس وأديب الدرس معا . . ذلك هو الأستاذ ( محمد سعيد العامودى ) .

وكان الصديق اذ ذاك رئيسا حازما محبوبا مسموع الرأي لديوان المديرية العامة للبرق والبريد بمكة ، وقد خلوت اليه ساعة من نهار ، وحدثته بما يعانيه الصديق الآخر من المتاعب وكم كان الأستاذ الصديق نبيلا فى عواطفه ، كريما فى خلائقه ، فسرعان ما هيأت له براعته وحكمته أن يجد عملا ملائما ، ذا مرتب أوفر ، وفي مجال أرحب للصديق الملتجئ ...

وكان العمل هو وظيفة " مترجم " في الإدارة العامة للبرق والبريد نفسها بمكة ، وفي معية الأستاذ العامودى نفسه . .

وكان توفيق عجيب . . وكذلك زففت بهذه البشرى الى صاحبنا ، وما احتجت الى استحثاثه الخطى للقدوم ، فقد زم امتعته وأقبل مهطعا مستبشرا قرير العين بأسرته من المدينة الى مكة . . وقد نزل صاحبنا فى منزل متوسط بأول مسيل المسفلة من مكة ، فزرته مهنئا ، وزاره كذلك الصديق الكريم الذي هيأ له العمل . . ومن ثم انتظم الشمل واتسعت حلقة الصحاب . .

وكان صاحبنا قرير العين بعمله وبين زملائه . . يقيم بمكة ما أقام الموظفون والأهلون ، فاذا أقبل الحرور الشديد اللافح وانتقل موظفو ادارته انتقل هو معهم الى مصيف الطائف ، حيث الأمسيات الجميلة والجو المعتدل ، وإذا عادوا الى مكة ، عاد معهم هانئا سعيدا . . ثم تنقشع سحب الحرب العالمية ، وتهب على الأرض نسمات السلام ، وقد انتقل

والد صاحبنا من الدار الفانية إلى دار البقاء ، وتبعــــتـــــه والدته ، ويبقى صاحبنا بعدهما تعصره عوامل الألم النفسي على من فارقهما ، ويرى نفسه وحيدا ليس معه إلا زوجه وولده . فتجيش به عوامل الحنين الى أهل وأبناء عمومة ولدات تركهم بعيدا فى بلاده . . ويجيئ من يحسن له العودة ، فيؤوب - لا أدري أكان مغتبطا في قرارة نفسه بهذا الإياب ،

أم كان عازفا عنه ولكنه مقتضيات الحياة ومجريات الأمل والألم ؟ !

وتنقطع عنا اخباره ، اللهم إلا من بعض رسائل كانت ترد منه بين العام والعام الى بعض الاصدقاء بمكة وبالمدينة . . ثم . . ثم تعود رسائله تترى من جديد ، الى كاتب هذه السطور ، في أربع السنين الأخيرة ، ثم تتدفق كتبه المطبوعة في بلاده . . غادة أم القرى . . وغير غادة أم القرى . .

وحينئذ أطمئن . . أطمئن لأني أدركت أن صاحبنا ما يزال ماضيا فى طريقه المرسوم وعلى مبدئه الذي أعرفه فيه من قبل . . وفي ذات يوم من أيام العام المنصرم يرد الى كتاب منه يبدى فيه أنه قد عقد العزم على العودة الى هذه البلاد نهائيا بأسرته ، وتمضى الأيام قدما ، فاذا بي في ليلة من أخريات ليالي شهر رمضان الأخير أفتح العدد الأخير من مجلة " الحرية " ( ١ ) اللبنانية فأقف على عنوان مثير ، لكلمة مثيرة وضعت في اطار ، لفتا

للأنظار . . وكان العنوان هكذا : (وحشية فرنسا فى الجزائر ) واستهلت الكلمة بالقول : ( فى التاسع والعشرين من آذار الفائت اغتيل في الجزائر مفوض البوليس الفرنسي " سان مارشيلي " فاعتقلت السلطات الفرنسية عدة شخصيات عربية ، سيقت الى السجن المدني في

قسنطينة ، وكان بين هؤلاء : السادة أحمد ردحه هوهو ، الاستاذ في معهد ابن راديس " الخ . .

وقفت برهة عند هذه الفقرة ، أتأملها ، وسرعان ما تذكرت ان صاحبنا ( الاستاذ أحمد رضا حوحو ) هو مقيم فى قسنطينة بالجزائر ، وهو سكرتير معهد ابن باديس فيها . . واذن فهنا تحريف في العبارة لا محالة ومنشؤه النقل والترجمة من اللغة الفرنسية إلى اللغة العربية . صيغة ( أحمد ) لم تحرف لشهرة الاسم ،

أما ) رضا ( فقد حرف هكذا ( ردحه ) . . و ( حوحو ) حرف أيضا إلى (هو هو ) و ( ابن باديس ) حرف إلى ( ابن راديس ) . . وقد حوقلت وتألمت كثيرا عند ظهور هذه النتيجة المؤلمة ، وتخل النوم عن أعيني ليلتها . . وظللت في حزن كثيف عميق . . وأخيرا تأكد ما تأولته بما ورد من رسائل من الجزائر الى بعض

أقارب الاستاذ الشهيد ( احمد رضا  حوحو ) . . ثم بما عاد أخيرا الى من الجزائر . . ألا وهو عدد المنهل لشهر شعبان ١٣٧٥ مشروحا عليه عدم وجوده وقد كان آخر عدد بعثت به إلى الاستاذ الشهيد السعيد . .

رحمك الله يا أبا مصطفى رحمة الأبرار وأسكنك في الفردوس مع الشهداء الصالحين ، وعوض العروبة والاسلام عنك وعن أمثالك الأبطال الساقطين في ميدان معركة الحرية والاستقلال دفعا لغوائل الاستعمار الكارب البغيض في كافة أقطار العروبة والاسلام التى ترزح تحت هذا النير الثقيل الغاشم . . وألهم ذويك وأصدقاءك والمعجبين بأدبك الحي النابض ، في المغرب العربي وفي المشرق العربي ، الصبر والسلوان .

اشترك في نشرتنا البريدية