الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 9الرجوع إلى "المنهل"

الأديب والأسلوب

Share

أدبيات

انها لقولة أرسلها (( بوفون )) قبل العصور الحديثة ، فراحت تدوى فى عالم الادب ، تدخل من مجلس الى مجلس ، وتحتل صفحة بعد صفحة ، حتى نمت وعمت ، ألفت فيها الكتب وحمل طابعها الأدب ، فى كل مكان.

تلك القولة هى ( الأسلوب هو الانسان ( Le style c'est I'homme ) ومرت السنون تتلقفها والمجامع الفكرية ترعاها ، كأنها طابع ثابت لا ينبغى أن يريم عنه الانسان .

ولكى نستجلى وجه الكلام الذى أقصد اليه فى هذا الكلام يجدر بى أن أعرف ما هو الاسلوب : فمعناه لا يختلف فى اللغة عن الاصطلاح الفنى الذى يوصف به ، فهو فى كليهما ( الطريقة ) ويراد بطريقة الاديب في أدائه وتعبيره وسياق تفكيره ، معرفة الطابع الوحيد الذى يتميز به أسلوبه من أقرانه الكتاب والأدباء ، ولا بد من ضرب الامثال لتجوال الدليل على الاسلوب ، فأبو عثمان الجاحظ ، كان ذا أسلوب خاص في الكتابة وتتلخص طريقة تعبيره بايراد الجمل متتابعة المعانى المتعاقبة فى فكرة متشابهة فهو يفرغ

وسعه في لغته الطلية ، وكان أعلم أهل عصره بصحاحها ، وبمداخل معانيها ، فكان يجرى اللغة وفق مقتضى الحال ، فيتخذ لكل موضوع تعاببير تلائمه ، وصار المتمكنون من معرفة

أساليب الكتاب مستطيعين أن يحرزوا أسلوب الجاحظ ، حيثما وقفوا عليه ، أو سمعوه ، دون أن يقال لهم انه كلام الجاحظ تسير طوابعه فى فنه الأخاذ الذى لا يشابهه فى كثير من الكتاب ، ولا قليل .

وكان من قبله لابن المقفع أسلوب ولعبد الحميد بن يحيى الكاتب أسلوب ، وكانت هذه الأساليب تدل بطوابعها المتوحدة على طرائف أصحابها في الكتابة والتفكير ، حتى مضت سنون فى العصور العباسية ، وجاء القرن الرابع فما بعده من عصور الاقلام العربية ، فاذا الأساليب تتبدل ولم تعد لتدل حقا على ميزات أصحابها فى طريقة الأداء وفن التعبير ، اذ أصبحت الكتابة صناعة لفظية ، ثم تسربت الى عهد صارت فيه جوفاء كالكلام الفارغ من كل معنى ، وصار دأب الكتاب ، ابراز قدرتهم اللفظية في موارد السجع والمقابلة وفى انواع الطباق من فنون البديع ، وتزاحموا على التوريات يخترعونها اختراعا لكلامهم الأجوف ، فسقط الأسلوب العربى ، فى فن الكتابة منذ عمت الآفاق العربية مباسم عهد الانحطاط فى دولة المماليك فالعهد العثمانى حتى كانت هبة النهوض لأدبى الحديث ، فعاد للأسلوب الكتابى فى لغة العرب بعض رونقه القديم ، على عهد المترسلين الأول في معهد الجاحظ وعبد الحميد وعبدالله بن المقفع .

وما كنت بسبيل الكلام على الأسلوب عند الكتاب العرب وحدهم ، فان قضية الاسلوب فى دولة الأقلام أخذت سبيلها الى البقاء والمعاودة فى حياة اللغة والفكر ، لدى كل أمة لها أديب حى ، وفكر ناضر ، وفن رفيع .

فلقد كان (( أناطول فرانس )) ذا أسلوب خاص فى كتابته ، اذ كانت جملة نيرة مختصرة يسودها البليغ والوضاح فى غير تعقيد ولا التزام ، فمن يقرأ قصته ((تاييس)) يجد فيها طلاقة القلم الذى يجتذب القارىء ليجرى وراء معانيه ، كما يعجب لصوغ مباينه .

وساد بعض الكتاب اسلوب خاص يسهل تمييز بعضهم من بعض فيه ، فكان الكاتب المعاصر ابراهيم عبد القادر المازنى معروفا بأسلوب الخفة الروحية والمزاح فى كل ما يكتب حتى يكاد المرء حين يلتمس الجد عنده يصعب عليه الوصول اليه ، وساد أسلوب صاحبه الاستاذ عباس محمود العقاد يرحمهما الله - أسلوب في أوجه من التعقيد فهو لا يسهل على كل قارئ وانما ينبغى له قراء من طبقة ثقافية حسنة مفكرة حتى يسيغوا كتبه فى غير عسر ، فى تتبع اسلوبه الفكرى والانشائى ومزاياه . أما صاحبهما الدكتور طه حسين فان له لأسلوبا ميزه من كل أقرانه ، وهو اسلوب الاساتذة المدرسين (Scolastique) أى الذين يقررون الدروس  فيعيدون ويبدئون فى تكرار مزيج بضروب البيان ، وكان المبسم في طابع الدكتور طه حسين بأسلوبه . كلمته المشهورة ( جيد وجيد جدا ) حتى راح كثير من الكتاب

يقلدونه فى هذا التعبير ويقصدون فى ايراده تحت أسلات أقلامهم . وبين الناشئة من صار متعمدا اجراء اسلوب مثل أسلوب طه حسين ، بل ان منهم نقرأ محدثين فى الاذاعات يقلقلون القافات ، ويهمسون السينات على طريقة الدكتور طه حسين ، فى اسلوب القائه الموفق العجيب المنغوم .

أما حقيقة الاسلوب من الوجهة الفنية ، فان علماء الأدب واللغة تناولوا بحثها فى لغة العرب واللغات الغربية ، فجعلوا للأسلوب مظاهر وشروطا فان استاذنا الجليل أحمد الشايب كان من أوائل الذين ألفوا فى فكرة الأسلوب فوضع فيه كتابا قيما أعيدت طبعاته لنفاده مرة بعد مرة وقد أبأن فيه معانى الأسلوب وغاياته ، وكيف يصح تسميته بوصفه هذا ، وعلام يحتوى فنه العميق المسيطر على أقلام الكتاب وعلى أفكارهم .

وكان الشيخ عبد القادر المغربى ذا اسلوب خاص فى الكتابة والالقاء شاقه البحث فى طريقة الكتابة نفسها ، فنشر فى الجزء الاول من مجلة المجمع العلمى العربى بدمشق ، مقالا ضافيا فى أسلوب الكتاب ، بادله فيه الرأى والنقاش استاذ التعبير والفكر الجامعى الدكتور على عبد الواحد فى كتابه (فقه اللغة) . والذى شاقنى فى هذا البحث والنقاش بين العالمين اللغويين المشهود لهما فى العصر الحديث ، رأيان .

الأول أن بعض الأساليب الأجنبية أثرت في التعبير العربى ففى عهود الاسلام وفي العصر العباسى قد انتقل الى الأقلام العربية اساليب

من الأدب الفارسى فى طريقة الأداء وفن التعبير . ثم ان بعض الأساليب المعاصرة في زمننا والتى امتاز بها بعض كتابنا الكبار ، قد انتقل اليهم معظمها من اللغات الغربية الحديثة وبخاصة الفرنسية والانكليزية ، من الجميل أن تجد الشاهد نفسه في كلام طه حسين على أسلوبه فقد كان يقول :

- أننى أفكر بالفرنسية وأكتب بالعربية .

وههنا يشطر الدكتور عميد الأدب المعاصر ، فكرة الاسلوب الى شطرين ،فيجعل لنفسه الكتابة فى العربية بأساليب العرب من بيان وتعبير حر قديم . أما الفكرة التى تكمن وراء كلامه فهى منضوحة من دنيا الفكر الفرنسى وطرق الحياة التفكيرية فيه، ولا سيما التصوير ، ولعلنا نعذر طه حسين اذ ان الذين أضفى الخلاق عليهم سر البصائر دون البصر ، يجولون في دنيا الصور ، خلف العيون ، كل مجال ، فتجىء أفكارهم النيرة بلمعات عربية ونادرة ، وهذا هو ذاته الذى وصفه عظيم الكتاب الغربيين اندره جيد فى رواية (( السمفونية الرعائية )) Synphonie Pastorale سانفونى باستورال)) حين كانت الفتاة العمياء ( جيرترود ) تصف للراهب الذى هام بها ، ما كانت تراه فى فكرها من أوصاف الأنهار والتلال ومسارب الازاهير في الرياض على نحو عجاب ، فلما كشف عن بصرها ، بعد حين ، وجدت الحياة الواقعية دون ذلك الخيال ، الذى جال فى فكرها ، فتمنت الرجعة الى كفاف البصر .

وبحسبى ، وقد جريت على غرار السنن

الأدبية الخاصة بفكرة الأسلوب . الذى يكون للأديب والكاتب ، أن أتساءل

- وهل من الضرب اللازب . أن يكون لكل أديب أسلوب ؟ أو في صحة من التعبير أمكن : ( لكل كاتب اسلوب ) ؟ فاذا كان لكل أديب ، أو كاتب أسلوبه الخاص به ، تعددت أساليب التعبير ، فنشأ فيها خروج على المألوف قد يؤدى بها الى مجاهيل تبعدها عن أصلها السليم ، فكأننا نطالب كل ذى خطو على الثرى - اذا شاء أن يعرف ويشار اليه بالبنان - أن يتخذ لمشيه خطوات خاصة به ولو تصورنا هذه الأهزولة ، فماذا يكون أمر هؤلاء الماشين أو المشائين؟ لعلهم يعودون الى أن يوصفوا بما وصف به الفلاسفة الاغريق الذين كانوا يتجادلون وهم سائرون وعائدون فى الأكاديمية بأثينا فسموا ( المشائين ) لأن أسلوبهم في النقاش كان مشيا .

واذا أرسلنا الحبل على غاربه ، كما يقول العرب الأقدمون فى أساليب أمثالهم ، فراح كل كاتب يتخذ لنفسه اسلوبا ، تعددت الأساليب حتى صارت لا أدبا ، ولا فنا .

كذلك أراد ( بوفون ) بكلمة قالها في عصر النهضة - ولم يكن كاتبا أو اديبا بحسب وانما عاش عالما من علماء النبات والطبيعة وترك فى مكتبة العلم النباتى أثرا له أبلغ من فنه في الادب ، والكتابة ، فوسوس فى تاريخ العصور الأدبية بعده وسواس الأسلوب والرغبة فى الأساليب حتى شغل العقل الانسانى بقولته تلك ،

وكم كان مبالغا حين جعل ( الاسلوب هو الانسان ذاته ) فمن لا اسلوب له ، لم يكن حسب زعمه اذن انسانا . .

كذلك عاشت فكرات أدبية لابسة حلة التعقل والهدى ، ولم تكن تعمد اليه الا أضاليل ، لا تهدى السبيل . ولست عند كلمتى الأخيرة أشطب الأسلوب أو أنفيه - معاذ الله - وانما اعتدل فيه فأقول به شريطة أن يتضوى الكتاب فى زمر من الاساليب مجمعين لا منفردين فيقال : كان فلان وفلان من الكتاب من أسلوب الجاحظ، وعاش فلان وفلان على أسلوب طه حسين .

دمشق :

اشترك في نشرتنا البريدية